كتب: عمرو حسين

عقبات كبيرة تواجه الحكومة الفيدرالية فى إثيوبيا، بقيادة رئيس الوزراء آبى أحمد، لفرض سيطرتها على حكومة إقليم تيجراى، بعد تصاعد حدة الصراع المسلح بين الطرفين، ما أسفر عن سقوط المئات فى ضربات جوية، ونزوح 11 ألف إثيوبى عبر الحدود إلى السودان، واعتقال الحكومة الفيدرالية 17 ضابطا؛ لتعطيلهم أنظمة الاتصالات الفيدرالية فى الإقليم، حسبما أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإثيوبية (فانا).

عقب سقوط عشرات العسكريين فى الهجوم البرى على إقليم تيجراى، قرر «آبى أحمد»، عزل قائد الجيش آدم محمد، ورئيس المخابرات وإقالة وزير الخارجية، وعين برهان جولا قائدًا جديدًا للجيش، وديميكى ميكونين وزيرًا للخارجية، وتيميسجين تيرونيه، رئيسًا للمخابرات. وتعرض إقليم تيجراى لهجوم جوى، نفذته طائرات تتبع القاعدة العسكرية فى مدينة بحردار فى منطقة أمهرة المجاورة، فى إشارة واضحة إلى التحالف بين الأمهرة والأورومو، ما يهدد بنزوح 9 ملايين نسمة يقطنون ولاية تيجراى.

ويشير خبراء إلى أن قدرات الجيش الإثيوبى لا تستطيع السيطرة على الإقليم، لما يتمتع به رجال التيجراى من تاريخ عسكرى ممتد إلى ما قبل قيام دولة إثيوبيا بشكلها الحالى، فقد خاض عشرات الآلاف من جماعة التيجراى الحروب ضد جماعة إريتريا، فهى منطقة تعرف حمل السلاح واستخداماته وتحارب على أرضها التى تعلمها جيدًا، ما يؤكد أن «قرار 4 نوفمبر»، الذى تضمن الهجوم العسكرى على الإقليم، له عواقب وخيمة، وقد يكون الإقليم بمثابة الصخرة التى يتحطم عليها الجيش الإثيوبى، وبالتالى سقوط الدولة بأكملها.

وأخذ الصراع فى إثيوبيا تحولات عديدة، فقد بدأ سياسيًا عند وصول آبى أحمد إلى مقعد رئيس الوزراء، فى أبريل 2018، حيث كانت جماعة التيجراى تتولى مقاليد الأمور عبر الجبهة الديمقراطية الثورية (الحزب الحاكم منذ 1991)، وتحتفظ بمنصب قائد أركان الجيش، كما تملك كبرى الشركات العاملة فى البلاد، بهذا الوصف فهى تهيمن على السياسة والأمن والاقتصاد، رغم أنها لا تتجاوز 6% من سكان البلاد (105 ملايين نسمة حسب تعداد 2017).

ومنذ اللحظات الأولى، دخل «آبى» فى عداء صريح مع جماعة التيجراى، وكانت الرصاصة الأولى عندما عين عائشة موسى، المنتمية للأورومو، وزيرة للدفاع فى حكومة أكتوبر 2018.  ورغم أنه منصب شرفى، إلا أنه عقب اغتيال رئيس أركان الجيش (قائد الجيش) سيارى ميكونين المنتمى للتيجراى، عين الجنرال آدم محمد المنتمى للأورومو خلفًا له، وهو إجراء لم يحدث فى 27 سنة من قيادة الجيش.

ومع تراجع الإنجازات فى ملف سد النهضة، وظهور تحديات التمويل، وجهت اتهامات بالتقصير والفساد لشركة (ميتك) التابعة للتيجراى، وأحلت محلها شركات صينية وإيطالية، وتغول قطار الخصخصة فى البلاد.

رئيس وزراء إثيوبيا آبى أحمد

وترتبط الجماعات المكونة لإثيوبيا بعلاقات عدائية منذ زمن بعيد، فهى نشأت فى فترة زمنية بعيدة، بسبب الخلافات على أماكن الرعى والزراعة وحرية التنقل بين أرض الجماعات مع مواسم الفيضان والجفاف، وجاءت الحدود السياسة غير معتبرة للوضع البيئى فى النطاق الجغرافى المشحون. وتختلف حدة الصراع بتفاوت حجم الجماعات الإثنية، كان آخرها الصراع بين العفر والصومالية، والذى راح ضحيته 27 شخصًا فى أكتوبر الماضى.

ويحمل رئيس الوزراء الإثيوبى توجها أيديولوجيا وحدويا، وهو فكرة إقامة دولة موحدة بعيدًا عن الاتحاد الفيدرالى الإثيوبى، متحدثا عن إعلاء القيم الوطنية وتراجع القيم الإثنية، لكن هذا الخطاب لم يلق موافقة من التيجراى، التى تفضل المبدأ الدستورى المعتمد على الفيدرالية الإثنية. وترى أن أحمد ينفذ مناورة سياسية هدفها تهميش تدريجى لأقلية تيجراي. التى ترفض وحدة الدولة وأقاموا الانتخابات فى موعدها (سبتمبر 2020)، وضربوا بقرار رئيس الوزراء عرض الحائط.

وأطاح «أحمد» بالجبهة الديمقراطية الثورية، فى فبراير 2019، وأسس حزب «وطني» جديدا، أطلق عليه «الازدهار»، ليشمل 10 جماعات إثنية: «أمهرة، وأورومو، وتيجراى، وصومالية، وهراري، وجامبيلا، وبنى شانجول جوموز، وعفر، والشعوب والأمم الجنوبية، وسيداما».

عارضت التيجراى هذا الإجراء، واعتبرته مناورة جديدة من رئيس الوزراء لإقصاء الإقليم انتخابيًا، والاستحواذ على أصوات فى الولايات النامية، حيث إنها لا تمثل القاعدة الانتخابية للأحزاب الأربعة، فهى خارج نطاقهم الجغرافى. وهذه الولايات تعلم أنها لا تستطيع الحصول على منصب رئيس الوزراء منفردة أو متحالفة، والتى تعتبر إحدى الفجوات فى قانون الحزب الحاكم، ولكن عادت جماعة التيجراى إلى الائتلاف مرة أخرى فى ديسمبر 2019.

وعقب عودته من زيارة خارجية لدولة قطر والولايات المتحدة، فى مارس 2019، شن «أحمد» حملة اعتقالات بحق المعارضة فى ولاية أوروميا، وقال: «خطابنا بشأن الديمقراطية لا يتفق مع ممارستنا». وردًا على منافسه جوهر محمد قال: «سيظل أبى رئيس الوزراء الوحيد حتى الانتخابات المقبلة، وإن التغاضى عن هذه الحقيقة ليس مناسبًا ولا مفيدًا».

وأقر البرلمان الإثيوبى، فى أغسطس 2019، تعديلات على قانون الانتخابات، ومن بينها زيادة عدد التوقيعات المطلوبة لتسجيل حزب على مستوى البلاد من 1500 إلى 10 آلاف، ولتسجيل حزب محلى «إثنى» من 750 إلى 4 آلاف، كما أقدم رئيس الوزراء على إعادة تشكيل مجلس الانتخابات الوطنية، فى فبراير 2020.

وانضمت تيجراى إلى 57 حزبًا من المعارضة، انتقدوا تعديلات قانون الانتخابات، وأعلنوا أنها تمهد الطريق أمام الحزب الحاكم، وتضعف موقفهم فى انتخابات 2020، كما أنها تصعب عليهم منافسة الحزب الجديد، وقالوا إنهم اقترحوا تعديلات على مشروع القانون، لكن الائتلاف الحاكم الذى يهيمن على كل مقاعد البرلمان تجاهلها.

وكان القول الفصل فى أكتوبر 2020، عندما صدرت تعليمات رئيس الوزراء بإحداث تغيير فى القيادة الشمالية للجيش المتمركزة فى إقليم تيجراي، وهى تمثل نصف القوة العسكرية للجيش الإثيوبى، فهمته حكومة الإقليم على أنه تجريد من سلاحها، فرفضت تنفيذ التعليمات، واعتبر حاكم الإقليم جيبير مايكل قرار «أحمد» بتغيير الإدارة العسكرية الشمالية بمثابة إعلان حالة حرب، متهمًا الحكومة بمحاولة غزو الإقليم، وحدث انشقاق الجيش، خاصة أن الغالبية الغالبة لهذه القوات تنمتى إلى التيجراى.

اترك تعليق