صفاء مصطفى

حالة من الارتباك والتخبط غير المسبوق تهيمن على القطاع المصرفي التركي، وتتجاوز تأثيراتها السلبية البنوك التركية والبنوك العالمية العاملة في تركيا، إلى كافة أوجه النشاط الاقتصادي التركي، نتيجة لسياسات الرئيس رجب طيب أردوغان وتدخله في السياسة النقدية للبلاد، علاوة على التداعيات السلبية للسياسات الخارجية للنظام على سوق النقد التركي.

يعد من أبرز مظاهر هذا التخبط والارتباك التطورات التى شهدتها الساحة الاقتصادية التركية على مدار الأيام الماضية، وهذه التطورات وفقًا لمراقبين دوليين وخبراء ومفكرين أتراك، الدفع بالقطاع المصرفى نحو الهاوية، ومن أهم هذه التطورات تعيين ناجى آغبال رئيسًا للبنك المركزى التركى، وإقالة «مراد أويصال»، رغم تنفيذه لرغبات الرئيس أردوغان فى إدارة القطاع المصرفى، ورسم السياسة النقدية للبلاد، وجاءت هذه الإقالة بمرسوم رئاسى صادر عن أردوغان مباشرة، بشكل مفاجئ، لا سيما أنه لم يمضِ على تعيينه فى المنصب 16 شهرًا، علمًا أن تعيينه جاء أيضا بمرسوم من الرئيس أردوغان فى يوليو 2019 خلفًا للرئيس السابق للمركزى التركي، مراد جتين قايا، الذى أقيل حينها لرفضه الانصياع لأوامر أردوغان، وتدخلاته بإدارة السياسة النقدية للبلاد.

وتعقيبًا على هذه القرارات ذكرت وكالة «بلومبرج» الأمريكية أن تعيين ناجى آغبال رئيسًا للبنك المركزي، لن يكون كافيًا لتعافى الليرة، واستردادها لقيمتها.

وأشارت إلى أن هناك العديد من العوامل التى من الممكن أن تؤدى إلى مزيد من الانهيار للعملة التركية تتمثل فى ارتفاع معدل التضخم، وعجز الحساب الجاري، وتآكل الاحتياطى النقدى من العملة الصعبة، وأكدت المؤسسة الدولية أن مواجهة مثل هذه التحديات تتطلب من آغبال الرئيس الجديد للمركزى التركى زيادة الفائدة.

ومن جانبها، ذكرت صحيفة «فاينينشال تايمز» البريطانية، تعقيبًا على هذه القرارات، أن هذه التغييرات تخلق بيئة شديدة التوتر بالنسبة للعملة التركية.

وحذر خبراء اقتصاد دوليون ومراقبون من امتداد تداعيات أزمات القطاع المصرفى التركى إلى البنوك الأوروبية متوقعين، انهيار العملة التركية ومزيدا من الانكماش فى النشاط الاقتصادى التركي، حال استمرار تدخل الرئيس التركى فى إدارة السياسة النقدية.

الإحصائيات الرسمية

استمرار تراجع الودائع فى البنوك التركية خاصة بالدولار فى ظل عجز التجارة وضعف الليرة وانهيار الثقة فى مفاصل الاقتصاد المحلي، حيث تراجع إجمالى ودائع القطاع المصرفى التركى بمقدار 21.5 مليار ليرة (نحو 3.7 مليار دولار)، خلال الأيام الأخيرة، وفقًا لما نقلته صحيفة «ينى جاغ» التركية، نقلا عن الإحصائيات المصرفية والنقدية الرسمية الصادرة عن البنك المركزى.

وذكرت الإحصائيات ذاتها، أن إجمالى الودائع فى القطاع المصرفى التركى (بما فى ذلك ما بين البنوك) انخفض إلى 2.3 تريليون ليرة بنهاية شهر أكتوبر الماضى.

وخلال الفترة المذكورة انخفضت ودائع العملات الأجنبية بنسبة 2.24%، لتسجل ما قيمته 1.2 تريليون ليرة، فيما تبلغ الودائع بالعملة المحلية 1.1 تريليون ليرة، وارتفعت القروض الاستهلاكية فى البنوك التجارية مؤخرًا إلى 417.4 مليار ليرة، فى حين انخفضت القروض التجارية بنسبة 0.33% لتسجل 363.7 مليار.

ووفقًا لبيانات ديوان المحاسبة التركى، ارتفع عجز الميزان النقدى فى تركيا 117% خلال عام 2018 ليسجل 81.7 مليار ليرة (14.26 مليار دولار) مقابل 37.6 مليار ليرة (6.56 مليار دولار) عام 2017.

وعلى خلفية هذه الأزمات تحذر وسائل الإعلام التركية من تحول ثالوث عجز التجارة والليرة والنقد إلى أزمة شديدة الخطورة فى تأثيرها على الاقتصاد التركي، الذى يواجه واحدة من أصعب فتراته خلال الألفية الجديدة، عنوانها الرئيسى ضعف الثقة بمفاصل الاقتصاد المحلى.

القطاع المصرفي

وحول التداعيات السلبية لغياب الموضوعية والاتزان فى قرارات الرئيس التركى بتعيين وإقالة رؤساء البنك المركزى التركي، حذر الخبير والمحلل الاقتصادى الألمانى هولجر زشبيتز Holger Zschäpitz فى تقرير نشرته صحيفة دى فيلت الألمانية الدول الأوروبية من الانعكاسات السلبية لأزمات القطاع المصرفى التركى على البنوك الأوروبية، مؤكدًا أهمية أن تضع المؤسسات المالية الأوروبية ضمن أولوياتها كيفية حماية البنوك الأوروبية من تأثير انهيار القطاع المصرفى التركي، مرجعا أسباب امتداد التأثيرات السلبية لأزمات الاقتصاد التركى بصفة عامة وتعثر القطاع المصرفى بصفة خاصة، إلى القطاعات المصرفية الأوروبية، إلى استمرار وجود العديد من البنوك الأوروبية التى تقدر استثماراتها بمئات المليارات من اليورو فى السوق التركية، وعلى سبيل المثال لا تزال البنوك الإسبانية والفرنسية والبريطانية والألمانية تستثمر فى تركيا بأكثر من مائة مليار دولار رغم تقلص أنشطة المؤسسات المالية الأوروبية فى تركيا على مدار السنوات الأخيرة، موضحا أن المؤسسات المالية الإسبانية تبلغ استثماراتها فى تركيا 62 مليار دولار. وتشارك البنوك الفرنسية بـ 29 مليار دولار، وسجلت البنوك البريطانية فى ميزانياتها العمومية قروضًا لتركيا بأكثر من 12 مليار دولار، بينما تشارك البنوك الألمانية بنحو 11 مليار دولار، والبنوك الإيطالية استثمرت حوالى 8.7 مليار دولار.

وأضاف أنه يجب على البنوك الأوروبية التى لا تزال منخرطة فى تركيا باستثمارات بمليارات اليورو، بعد أربع سنوات من استمرار وتفاقم حدة الأزمات الاقتصادية التركية، أن تأخذ بعين الاعتبار حدوث انخفاض خطير فى قيمة العملة التركية، فى ظل الاوضاع التى تدفع بالاقتصاد التركى نحو أزمة واسعة النطاق فى ميزان المدفوعات، وهو ما حذرت منه وكالة « موديز» مؤخرًا.

وشدد الخبير الاقتصادى الألمانى، على أن استمرار هذه الاستثمارات فى السوق التركية يهدد اقتصاديات هذه الدول، وأنه من هذا المنطلق يجب على هذه المؤسسات التخارج من السوق التركية، مشيرًا أن استمرار هذه الاستثمارات يعرقل من الجهود الأوروبية لفرض عقوبات على الممارسات غير المشروعة للرئيس التركى رجب طيب أردوغان ويدعم سياسته الاستبدادية ضد الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبي، (اليونان وقبرص).

سياسات متخبطة

وأرجع هولجر زشبيتز الخبير الاقتصادى الألمانى أسباب أزمات الاقتصاد التركية إلى سياسات الرئيس التركى رجب طيب أردوغان ونظامه، مؤكدًا أنه رغم أن هذه الأزمات نابعة من الداخل التركى إلا أن انعكاساتها السلبية تهدد اقتصاديات الدول الاوروبية وخاصة الدول التى ما زالت مؤسساتها المالية تعمل فى السوق التركية.

عزل البنوك التركية

فى ضوء المناقشات حول العقوبات المحتملة ضد أنقرة من الاتحاد الأوروبى يعتقد الخبير الألمانى، أنه من المرجح أن يوجه الأوروبيون انتباههم إلى بنوكهم، لافتًا أنه من المحتمل أن تلجأ الدول الأوروبية إلى عزل البنوك التركية عن الأسواق المالية الدولية، كما فعلت الولايات المتحدة من قبل مع البنوك الروسية بعد ضم شبه جزيرة القرم.

المؤسسات الدولية تحذر

أوضح جون فلويد، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلى لإدارة العملات القياسية، بوكالة بلومبرج أن مخاطر انتشار وتمدد الأزمات الاقتصادية من تركيا إلى أوروبا ينبع من تورط البنوك الأوروبية فى البنوك والشركات التركية.

ومن جانبه يتوقع المدير التنفيذى السابق لبنك دويتشه انهيار الليرة التركية مما ينعكس سلبيا على السندات الحكومية لإسبانيا وفرنسا وإيطاليا (استثمارات هذه الدول فى الديون السيادية التركية)، وجدير بالذكر أنه توقع من قبل الأزمة الاقتصادية فى آسيا، انهيار البيزو الأرجنتينى عام 2001.

ومن جانبها، ذكرت الخبيرة الاقتصادية التركية، غولدم آطاباي، أن سياسات النظام التركى تعد السبب الرئيسى لتدهور الأوضاع الاقتصادية وانهيار العملة التركية.

فيما أوضح المحلل الاقتصادى التركي، أوغور غورسس، أن قرارات الرئيس التركى الأخيرة تصب بشكل مؤقت فى صالح الليرة التركية، إلا أن الأزمة الحقيقية لانخفاض العملة التركية لن يتم حلها بمثل هذه القرارات.

التهرب من المسئولية

ومن جانبه، أرجع رئيس حزب الديمقراطية والتقدم التركي، ونائب رئيس الوزراء الأسبق على باباجان، مسئولية إنهيار العملة التركية والأزمات الاقتصادية التى تعصف بالدولة التركية إلى الإدارة الاقتصادية للبلاد والرئيس رجب أردوغان، مؤكدًا أنهم المسئولون عن الوضع الاقتصادى الحالى المتردى للبلاد، جاء ذلك تعليقا على قرار أردوغان الخاص بإقالة محافظ البنك المركزى مراد أويصال، وتعيين رئيس الهيئة الاستراتيجية والتخطيط التابعة لرئاسة الجمهورية ناجى أغبال بدلًا منه، وأكد باباجان أن الرئيس أردوغان لا يمكنه التهرب من مسئوليته عن الوضع الاقتصادى متواصل الانهيار باتخاذ مثل هذه القرارات، ذلك وفق ما نشرته وسائل إعلام تركية

وأوضح باباجان، فى مؤتمر عقده حزبه مؤخرًا بولاية ماردين، أنه يجب ألا ينسى الشعب التركى أن السبب الرئيسى وراء ما يحدث فى الاقتصاد من تدهور هو النظام الرئاسى وإدارته القائمة على استبعاد الأفكار المشتركة والتفكير المؤسسي، والذى يُنفِّر العقول، مؤكدًا أنه لن يتم حل هذه الأزمات بدون تغيير هذه العقلية.

وأكد باباجان أن قرار الرئيس أردوغان بإقالة رئيس البنك المركزى التركى تستهدف إلقاء المسئولية على عاتق رئيس البنك المركزى الذى تمت إقالته، وتنصل الرئيس أردوغان من المسئولية عن تدهور الأوضاع الاقتصادية.

اترك تعليق