جماعة الإخوان المسلمين - صورة أرشيفية

في محاولة لما تراه من تصحيح لمسارها بعد السقوط الذي شهدته جماعة الإخوان في مصر، وفي عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة، اتخذت عددًا من القرارات المرحلية التي تعبر بوضوح عن حالة من الارتباك والتخبط والتفكك على المستوى الفكري والتنظيمي والسياسي، سعيًا في استعادة تموضعها شعبيًا وتمحورها حول مشروعها مرة أخرى.

في مقدمة تلك القرارات العمل على إعادة البلورة الفكرية لقواعدها التنظيمية في ظل حالة التضييق الأمني والسياسي التي نجحت في فرضها الأجهزة الأمنية على  المكون الإخواني، وضرب الهيكل التنظيمي والدوائر الفكرية وتجفيف مصادر التمويل والدعم، التي كونتها الجماعة على مدار عشرات السنوات الماضية وتوسعت فيها داخل العمق المصري والعربي.

 

دار المعارف – عمروفاروق

لجأت الجماعة مؤخرًا لتدارك حالة الانهيار الفكري والتنظيمي التي تمر بها داخل القاهرة، إلى إخوان الأردن باعتبارهم الفرع الأكثر حيوية فى التحرك داخل العمق الأردني، وفى ظل التشابك القوي بين الجماعة والنظام السياسي والمكون الشعبي سياسيًا وفكريًا، وذلك من خلال تأسيس مركز متخصص ومعني بالعملية التأهيلية الفكرية للقواعد التنظيمية لاسيما الدوائر الإخوانية المصرية فى ظل تدهور وتخبط أوضاع قيادات الإخوان فى قطر وتركيا واشتعال الصراعات والخلافات بينهم على مدار السنوات الماضية.

أسندت قيادات التنظيم الدولي، العملية الفكرية التربوية للقواعد التنظيمية إلى ما يعرف بـ”معهد منهاج للفكر والثقافة”، كمبادرة شبابية معنية بنشر التوجهات الفكرية الإخوانية بين الشباب، ويعتبر بشكل غير مباشر مشرفًا ومسئولًا عن الدورات الثقافية والفكرية للمكون الإخواني، من خلال إعداد دورات فكرية تربوية كبديل عن الجلسات واللقاءات التنظيمية المعروفة تحت مسمى “لقاءات الأسر والكتائب”، داخل التنظيم، يتم من خلالها تدريس عدد من المناهج الفكرية التي استقرت عليها قيادات الجماعة من قبل.

الساحة الإلكترونية

يأتي دور «معهد منهاج للفكر والثقافة»، كخطــــــوة لاستغــــــــلال الساحة الإلكترونية واستثمارها فى عقد اللقاءات التربوية التنظيمية، التي أصبحت بديلاً عن المساجد والبيوت والشقق السكنية، للهروب من أزمة الملاحقات الأمنية، بجانب استخدام  تطبيقات متنوعة مثل تطبيق ClickMeeting Webinars ،  وتطبيق  ZOOM Cloud Meetings، وتطبيق GoToWebinar، وتطبيـــــق EasyWebinar  ، ويتم حاليًــا عبر هذه التطبيقات إجراء مجموعة من المحاضرات المعنية بتصحيح الرؤية، والإشكاليات الفكرية والسياسية التي وقعت فيها الجماعة خلال تصدرها للمشهد السياسي فى مصر عقب أحداث يناير 2011، وسقوطها شعبيًا وسياسيًا، وتفككها تنظيميًا، منذ ثورة يونيو 2013.

ويشرف على عمل معهد مناهج للفكر والثقافة، كل من الدكتور همام سعيد، والدكتور علي راتب، والدكتور عامر توفيق القضاة، ونور أبو غوش، والدكتور معاذ حوى، والدكتور  محمد سعيد بكر، والدكتور منال العواودة، وجواد الحمد، والدكتور صلاح الخالدي، والدكتور طالب أبو عواد.

الصف الإخواني

بعض المحاضرات التي بثت بـ”معهد منهاج للفكر والثقافة”، وروجت لها منصات الإخوان عبر تطبيق التليجرام تحديدًا، تحدثت بوضوح حول مفاهيم وحدة الصف الإخواني، وكيفية خروج الجماعة من كبوتها، وإعادة تقديم نفسها مرة أخرى للرأى العام على أنها كيان سياسي، ودراسة قدرتها على البقاء والانتشار وانسجامها مع الشارع المصري والعربي، ومسارات توظيفها للإمكانيات والظروف المتاحة فى ظل النظام السياسي الحالي.

ويتبع معهد “منهاج للفكر والثقافة”، جماعة الإخوان الأردنية الأم، التي كان يتولى زمامها الدكتور همام سعيد، المراقب العام الخامس، بعيدًا عن الجبهة الجديدة التي انشقت فى يناير 2015، واتجهت لتأسيس “جمعية الإخوان المسلمين”، كجمعية مرخصة قانونًا بتوافق مع النظام السياسي، ويتزعم هذه الجبهة عبد المجيد ذنيبات المراقب العام الثالث للإخوان، والذي تقاعد لأسباب صحية، ويتولى مسئولية الجمعية حاليًا شرف القضاة، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي أسسه يوسف القرضاوي من داخل قطر.

غسيل سمعة

ركزت المناهج والدورات الفكرية الجديدة للإخوان على الجوانب الشرعية والعقائدية، فضلًا عن دراسة أبجديات العمل الإسلامي وتصوراته فى ضوء دراسة السيرة النبوية تحت ما يعرف بالمنهج الحركي للسيرة النبوية، كنوع من تصحيح الرؤية لقواعدها التنظيمية، ومحاولة غسل سمعة المكون الإخواني من فكرة السقوط والانهيار، مع التركيز على مفاهيم “الابتلاءات والمحن”، من خلال دراسة سيرة السابقين، لاسيما ما يطلق عليهم رموز العمل الإسلامي أو “الصحوة الإسلامية”.

فى ظل العقبات التي تواجه الجماعة سواء على مستوى الملاحقات الأمنية أو على مستوى الرفض المجتمعي لها، ومحاولات عودتها للمشهد السياسي مرة أخرى،  فإنها تتجه إلى إعادة ترتيب أوراقها، وما تبقى من عناصرها وفق “استراتيجية دار الأرقم”، أو ما يطلق عليه “التربية والدعوة السرية” فى محاولة لصناعة تكوينات فكرية لعناصرها، تطرح خلالها العديد من الإشكاليات التي لحقت بها، وتعثرها على المستوى السياسي والاجتماعي  والتنظيمي، تحت مسمى “المراجعات التنظيمية”؛ وهي الأطروحات التي كشف عنها الأمين العام للجماعة محمود حسين فى حواره لقناة الجزيرة فى 2019، من أن الجماعة تجري مراجعات داخلية، وهي مراجعات تستهدف الإجابة على التساؤلات الخاصة بمشاكل، وأزمات الجماعة منذ سقوط حكم الإخوان فى مصر، لكنها فى النهاية لن تكون مراجعات فكرية تستهدف أدبيات الجماعة أو مشروعها، بقدر ما هي مبررات فى إطار مظلومية الجماعة واضطهادها من قبل الأنظمة السياسية.

مستويات تربوية

قسم معهد منهاج للفكر والثقافة”، الدورات الفكرية التي نشرتها منصات الإخوان، وأوصت بمتابعتها والالتزام بها، إلى 3  مستويات تربوية، مقسمة على عدة أشهر ثم إلى أسابيع، ويشمل كل مستوى على مجموعة من المحاضرات والمناهج الثقافية المراد تدريسها للقوعد التنظيمية.

عقب سقوط حكم الإخوان فى مصر، وضعت الجماعة عددًا من الدراسات والأبحاث،  التي  حملت التوجهات الفكرية للمكون الإخواني، ألبستها رداء الشريعة، وحملت تبريرًا منهجيًا لتكفير المجتمع، وجواز إسقاط النظام السياسي والشعبي جملة وتفصيلًا، فقدمت دراسة شرعية تحت ما يسمى “فقه الاختبار والمحن”، اعتبرت أن مكتب الإرشاد يمثل السلطة الشرعية والتشريعية للدولة المصرية (أهل الحل والعقد)، مانحة “الإجازة الفقهية” لعناصرها بتنفيذ العمليات المسلحة ضد قوات الجيش والشرطة، فضلًا عن ثلاثة كتب لشرعنة حمل السلاح، وأجازت تكفير الحاكم والمحكوم، وهي كتاب “فقه المقاومة الشعبية”، و”دليل السائر ومرشد الحائر”، و”كشف الشبهات عما وقع فيه الناس من اختلافات”، ولفتت إلى أن الانتقال الى العمل النوعي المسلح لا يعد تغييرًا فى استراتيجية التنظيم، إذ إن “السلمية ليست من ثوابت الإسلام وليست من ثوابت الجماعة، وإن النزعة الجهادية استقرت كعقيدة فى صلب منهجية  حسن البنا”، وإن القوة جزء من منهجية “الإخوان” كما قال البنا فى رسالة المؤتمر الخامس: “القوة شعار الإسلام فى كل نظمه وتشريعاته، والإخوان المسلمون سيستخدمون القوة العملية حيث لا يُجدي غيرها”.

مناهج فكرية

على مدار تاريخها اعتمدت جماعة الإخوان على مجموعة من الكتب كمناهج فكرية لتأهيل وتشكيل وعي قواعدها التنظيمية، فى مقدمتها كتــــاب سلسلــــة كتب”الرشاد”، وخصصت لمرحلة الشباب ولقطاع المرحلة الثانوية، بعد أن ركزت فترة طويلة على سلسلة “كتاب المعين”، فضلًا عن سلسلة كتاب “فى مبادئ الإسلام”، وخصصت لمستوى “مؤيد”، وسلسلة كتاب “فى رحاب الإسلام”، وخصصت لمستوى “منتسب”، وانتهت سلسلة “أخلاق الإسلام”، التي خصصت للمستويات الأعلى.

بينما خصصت سلسلة كتب ” فى رياض الجنة ” المكونة من أربعة للمستويات التنظيمية لقسم “الأخوات”، بجانب تأليف  مجموعة من الكتب الإدارية لتدريب وتأهيل القيادات المسؤولة عن العملية التربوية والتأهيلية داخل المكون التنظيمي، مثل كتاب “الجلسة الأسبوعية” لإبراهيم الديب، وكتاب “دليل العمل الطلابي” للمرحلة الثانوية  للكاتب مصطفي الطحان، وهو كتاب يشرح كيفية وضع جداول زمنية للوصول إلى أهداف الجماعة  مع عناصر هذه المرحلة العمرية.

تدريس وتلقين

تسعى جماعة الإخوان من خلال المناهج الفكرية التي تضعها لقواعدها التنظيمية فى مخلتف الأقطار العربية والغربية، على تنفيذ سياسية التطابق الفكري والأيدلوجي بما يضمن توحيد المنهج والرؤية تجاه الحالة الإسلامية بشكل عام، وذلك من خلال الاعتماد على نصوص فكرية وثقافية محددة، لخلق قوالب بشرية متطابقة على المستوى السياسي والتنظيمي.

ركزت العملية التربوية داخل الإخوان مسبقًا على تدريس  وتلقين بعض الكتب أهمها “الرسائل” لمؤسس الجماعة حسن البنا، والذي جمع بين دفتيه الكثير من الرسائل التحريضية لمعاني القوة والسيطرة، والوصول لما يسمى بـ”أستاذية العالم”، فضلًا عن كتب “فى ظلال القرآن”، و”معالم فى الطريق”، و”المستقبل لهذا الدين”، و”أين الطريق”، و”ضريبة الذل”، لسيد قطب، والتي ثبتت ورسخت فكرة الحاكمية فى الإسلام، وكانت بمثابة الضوء الأخضر لخروج فكر العنف المسلح ضد الدولة ومؤسساتها.

سرية الدعوة

يضاف إلى ذلك كتاب  “المنهج الحركي للسيرة النبوية”، للمنير الغضبان، المراقب العام السابق للإخوان فى سوريا، ويعتبر من الكتب التي اعتمدت عليها الجماعة، والحركات الأصولية الراديكالية المتطرفة بشكل عام، إذ يُؤطر ويُنظر للعمل السري ويستند فى هذا التنظير إلى السيرة النبوية والمرحلة الأولى من الدعوة الإسلامية فى مكة فى الفترة التي يطلق عليها “سرية الدعوة”، ويعتبر أن المرحلة الحالية تتشابة إلى حد كبير مع مرحلة الجاهلية الأولى، لذا وجبت سرية الحركة، فنجده يقول فى كتابه: “على الحركة الإسلامية ألّا تظهِر كلّ أوراقها، اعتمادًا على وجود مناخٍ ديمقراطي، وعليها أن تبقي رصيدًا من أشخاصها وتنظيمها، وحركاتها، ومراكزها سرّيةً، حتى لا تباد إن فكرت الجاهلية بالانقضاض عليها”.

ومن الكتب التي اعتمدها التنظيم داخل مناهج التربية الداخلية للأفراد بشكل أساسي كتاب “المنهج الحركي لجماعة الإخوان”، لمحمود عبد الحليم، وتدور نقاطه الأساسية فى إطار المنهجية الحركية والتنظيمية للجماعة، بيمنا تناولت سلسلة “نحو جيل مسلم”، التي كتبها عدد من قيادات الإخوان، على رأسهم محمد على العريشي، التي ضمت كتاب “مراحل الدعوة الفردية”، ويشرح طرق وتجنيد الشباب والعناصر الجديدة.

حرمانية نقد البيعة

كما اعتمدت الجماعة على مجموعة من الكتب الفكرية التي صاغها فتحي يكن، وعملت على تجنيد واستقطاب الشباب مثل كتاب “ماذا يعني انتمائي للإسلام”، وكتاب “الإسلام فكرة وحركة وانقلاب”، وكتاب “المتساقطون على طريق الدعوة – كيف.. ولماذا؟”، الذي فتى فيه بحرمة الخروج من الجماعة ونقد بيعتها، وكتاب “مشكلات الدعوة والداعية”، وكتاب “أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي”، وكتاب “كيف ندعو إلى الإسلام؟”، وكتاب “المناهج التغييرية الإسلامية خلال القرن العشرين”.

وتحت بند خصائص الحركات الإسلامية يقول فتحي يكن فى كتابه “ماذا يعني انتمائي للإسلام”: “إنه لا يعني بحال أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات فليس فى ذلك مصلحة على الإطلاق بل جهل بالإسلام وتعريض للحركة ولأفرادها لمكر الأعداء وغدرهم، والقاعدة التى يجب تبنيها هي (علانية العمل وسرية التنظيم).

الشريعة المعطلة

يسهب الكتاب فى التلاعب بمشاعر عناصر الجماعة، مؤكدًا ضرورة السمع والطاعة، والالتزام بما تقوله قيادتها، تمهيدًا لتحقيق الهدف من تكوين التنظيم، مدعيًا أنه لا يمكن أن تطبق الشريعة الإسلامية، فى ظل عدم وجود خلافة، ووجود خليفة يتولى زمامها ويحكم بما أنزل الله، وأنه لابد من قيادة إسلامية، على رأس الحكم تحقق شكل الدولة الإسلامية، وتحقق حلم استاذية العالم الذي رسمه حسن البنا المؤسس الأول للتنظيم.

يشير فتحي يكن إلى أن الشريعة الإسلاميـــــة معطلـــــة، وأن النظــم والتشريعات الوضعية هي المهيمنة على الشعوب العربية، وأنه لابد من الانضمام لجماعة أو لتنظيم إسلامي، يسعى بكل قوة للوصول للسلطة حتى تتمكن من تطبيق الشريعة الإسلامية، تحت عنوان “ماذا يعني انتمائي للحركة الإسلامية”، أصل للكثير من الأفكار القطبية التي تنطوي عليها أطروحات تنظيم الإخوان، مثل وجوب العمل الجماعي، ووجوب الانتماء للحركة الإسلامية (جماعة الإخوان) والانتظام فى صفوفها والالتزام بالسمع والطاعة لقياداتها.

اترك تعليق