بيع الاطفال

قلوبهم قاسية ومشاعرهم متحجرة، يتعللون بالفقر لبيع فلذات أكبادهم والفقر برىء من تحجر قلوبهم ومن استسلامهم للطمع والجشع اللذين أعميا أعينهم وحولهما إلى سماسرة يتأجرون فى إبنائهم.

دفاتر محاضر الشرطة وتحقيقات النيابة تعج بالكثير من المآسى لآباء لا يستحقون اللقب الرفيع.

«أكتوبر» ترصد فى السطور القادمة حكايات عن قلوب خاصمت الرحمة وعقول باعت المنطق بثمن بخس.

 

 50 ألف جنيه

قامت سيدة وزوجها بـ «كفر شكر» بعرض ابنتهما للبيع على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» ، وكانت المفاجأة حين طلبت الأم مبلغ خمسين ألف جنيه من أجل سداد ديون زوجها بسبب ضيق الحياة وغلاء الأسعار.

الشرطة تمكنت من ضبط المتهمة وزوجها المتهم الثانى وكريمتهما الطفلة المجنى عليها ريهام، وتم تحريز صورة ضوئية من المحادثات فيما بين المتهمة والمصدر السري، وحررت محضراً ضد الأم والأب وتبين من خلال التحريات أنهما بالفعل يمران بضائقة مالية، وقررت النيابة توقيع الكشف الطبى عليهما لبيان حالتهما العقلية، وتحفظت الشرطة على الطفلة لحين قرار النيابة.

ابنه الرضيع

كما تورط صاحب محل أخشاب فى قضية الاتجار بالبشر، حيث عرض ابنه الرضيع للبيع، على صفحة «فيسبوك»، مقابل مبلغ مالى وعلل المتهم التحقيقات عرض نجله للبيع مقابل مبلغ مالي، بمروره بضائقة مالية، وأكد المتهم أنه أنشأ تلك الصفحة فى «فيسـبوك» لذات الغرض، وتم ضبط هاتف محمول خاص به تبين أنه يحمل الرسائل والمحادثات الخاصة بعملية البيع.

ضائقة مالية

أعلن المواطن «السيد.م» وشهرته «السيد الزير» من محافظة الدقهلية عزمه عرض أحد أبنائه للبيع مدعيًا مروره بضائقة مالية وإضرابه عن الطعام حتى الموت.

لأعلى سعر

كما تجرد أب من كل مشاعر الأبوة والمسئولية وقام بعرض ابنه حديث الولادة للبيع على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» وذلك فى محافظة القاهرة.

وأشار إلى رغبته للتواصل مع راغبى تبنى الأطفال والإعلان عن رغبته فى التنازل عن طفل حديث الولادة بمقابل مالى عال، واستخدامه تطبيقات المحادثات للتواصل مع عملائه لإتمام عملية البيع.

وانتشرت القصة بسرعة هائلة على مواقع التواصل الاجتماعى ليطلب رواده معاقبة هذا الأب الذى لا يحمل فى قلبه أى مسئولية تجاه ابنه الرضيع.

وتمكنت أجهزة الأمن من معرفة مكان الأب من خلال حسابه على مواقع التواصل الاجتماعى وقامت بضبطه هو وزوجته.

وأوضحت أجهزة الأمن أن الطفل يبلغ من العمر شهرًا واحدًا فقط، وأنه أثناء ضبط والده وجدوا معه شهادة ميلاده.

وأقر الأب بأنه كان بحاجة للمال فخطط لهذه الجريمة فيما أقرت الأم بأنها حضرت مع زوجها رضوخًا لضغوطه عليها رغم رفضها فكرة بيع طفلهما، وتحرر محضر بالواقعة وأحيل الزوجان إلى النيابة العامة التى اتهمتهما بالاتجار فى البشر.

طفل للتبني

سيدة أخرى نشرت إعلان لبيع جنينها على صفحة «طفل للتبني»، وقالت «لو فى حد حابب يتبنى طفل هيتولد كمان أسبوعين والتبنى هيتم من خلال أم وأب المولود.. للجادين التواصل على الخاص».

وأكدت الأم أن الظروف الاقتصادية الصعبة التى تمر بها أسرتها كانت الدافع للتخلص من الطفل حتى قبل أن يأتى للحياة، حيث إنها كانت تعمل فى محل ملابس وتركته.

وتمكنت مباحث الإنترنت من التوصل لصاحبة الإعلان وإيقاف زوجها الذى اعترف بصحة الإعلان وبرر قيامه وزوجته بعرض طفلهما للبيع لحاجتهما للمال.

٦٠ ألف جنيه

قام عامل إطارات سيارات ٢٧ عامًا، بعرض ابنته البالغة من العمر ٤ أشهر للبيع، وذلك مقابل مبلغ مالى قدره ٦٠ ألف جنيه على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبرر سبب قيامه ببيع ابنته لصعوبة الظروف الاقتصادية، حيث قال «مش قادر أصرف على أخواتها».

وقامت النيابة العامة بالقبض عليه وأمرت بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق وطلبت النيابة تحريات الأجهزة الأمنية حول الواقعة.

واقعة المطرية

وأكدت إدارة مكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر قيام سيدة مقيمة بدائرة مركز شرطة نجع حمادى بقنا، وزوجها مقيم بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة بعرض ابنتهم للبيع والتنازل عن طفلة حديثة الميلاد بمقابل مادى على موقع التواصل الاجتماعى (الفيس بوك)، وبالتنسيق مع قطاع الأمن العام ومديرية أمن القاهرة والإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات، تم ضبطهما بدائرة قسم شرطة الوايلى بالقاهرة، واعترفا بالواقعة لمرورهما بضائقة مالية.

السبب الرئيسي

أشارت دكتورة إيمان عبد الله خبيرة علم النفس والعلاج الأسرى إلى أن الفقر يتسبب فى اضطرابات نفسية وعجز الأسرة عن إشباع حاجات طفلها النفسية كناتج لواقع اجتماعى واقتصادى تعايشه مما يشعر الفقير المعدم بأنه فاقد لمعنى الحياة.

وأضافت إيمان عبد الله أن معظم المقالات والدراسات لم تتناول سيكولوجية الفقر وأسباب الاضطرابات النفسية التى تدفع الأهالى لبيع أطفالهم وتغاضوا عن أهمية الشكل العلمى النفسي، بغض النظر عن الجانب القانونى والدينى للتجارة بالأطفال.

كما أضافت د. إيمان أن الفقر أثبت أنه يؤثر على الحالة النفسية للإنسان ويعزز الشعور بالاكتئاب، واضطراب العلاقات الاجتماعية لإحساسه بتجريده من الكرامة، وبالتالى تجرده من كل المبادئ والقيم والأعراف، ويصبح مطلبه منحصرًا فى «لقمة العيش».

وأكدت أن هناك علاقة بين الفقر والانحراف الاجتماعي، حيث يسبب اضطراب الهوية الشخصية وتدنى المبادئ والأهداف واللجوء لإدمان المخدرات والسرقة وزيادة الرغبة فى الهروب من الواقع.

وأكدت على أهمية وضع نصوص تحمى الأبناء من آبائهم، فعقوبة الآباء لابد أن تكون عقوبة صارمة.

وتشير إلى أهمية تكاتف المؤسسات الاجتماعية والدينية والتعليمية من خلال الندوات ونشر الوعى ودروس كيفية تربية الأطفال والحالة الاقتصادية، من حيث إمكانية الزواج والرجوع للدين للحماية من الانحرافات السلوكية، مؤكدة أنه «إذا لم يصلح دين الإنسان لن يصلح سلوكه».

عصور الجاهلية

أكد المستشار القانونى والمحكم الدولى مصطفى الروبى أن بيع وشراء الأطفال عبر الإنترنت كارثة تواجه المجتمع وتعيد البلاد إلى عصور الجاهلية التى كانت تعمل بنظام العبودية والاستغلال للبشر، وأردف بشأن الاتفاقيات الدولية التى وقعت عليها مصر لحماية حقوق الأطفال أن المادة ٢٩١ من قانون العقوبات المضافة بالقانون ١٢٦ لسنة ٢٠٠٨ نصت على أنه «يحظر كل المساس بحق الطفل من حيث الاستغلال الجنسى أو التجارى أو الاقتصادى ويعاقب بالسجن المشدد مدة لا تقل عن خمس سنوات».

ولفت الروبى إلى أنه إذا كانت الجريمة تمت من الأسرة أو أحد فروعه أو المسئول عن تربيته يعاقب بالسجن لا يقل عن خمس سنوات مع تضاعف العقوبة حال تعرضه للإساءة والاستغلال الجنسى أو التجاري.

كما لفت إلى أن المادة ٢٩٢ من القانون تحدثت حول حضانة الطفل، حيث يسلم الطفل إلى من له الحق فى طلبه بناءً على قرار جهة القضاء الصادر بشأن حضانته.

وأشار مصطفى الروبى إلى أن المادة ٢٨٣ من القانون تنص على أنه «إذا كان البائع للطفل خاطفًا يعاقب على جريمتى الخطف والبيع مدة لا تقل عن سبع سنوات».

سيكوباتية

وقالت الدكتورة غادة مظلوم، استشارى علاقات أسرية، إن هؤلاء من الشخصيات المضطربة التى عاشت فى بيئة غير سوية، كما أننى أصف هؤلاء الآباء بالشخصيات السيكوباتبة المدمرة للآخرين فهو فى الواقع ليس لديه إحساس بالآخر ويجب مواجهة هذا السلوك بكل حزم لمنع انتشاره فى المجتمع.

وأشار الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسى جامعة القاهرة، إلى أن قضية الاتجار بالبشر دليل على الانحدار الثقافى والأخلاقى للقيم الاجتماعية وقيم الأمومة والأبوة، وانحدار للقيم الدينية، مؤكدا على ضرورة علاج هذه الظاهرة بشتى الطرق ومن خلال الإعلام فى صورة مسلسلات وبرامج لرفع الثقافة.

وأضافت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع جامعة عين شمس، أنها ليست مشكلة فقر المال لكن هو فقر الفكر والذهن والنفسية، هذا الرجل قد يكون مدمنا للمخدرات، أو من الناحية النفسية وقد يكون مصابا باضطرابات عصبية، وعقليته غير متزنة، ولابد من محاولة بناء الإنسان فكريا.

وتقول: «زمان كان كل دراما ليها درس، فمهما كانت المسلسلات تحتوى على دراما لابد أن تكون مشحونة بالفضيلة أكتر وتتضمن فكرة أو مبدأ».

وأوضح الشيخ الدكتور محمد حمودة، أستاذ أصول الدين بالأزهر الشريف، أنه من المعلوم أن بيع الأبناء والبنات ليس مشروعا فى الإسلام، ومحرما لا يقره الإسلام ولم يحدث فى الجاهلية، ويقول الله تعالى فى سورة الأحزاب (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) صدق الله العظيم، وفى هذا تحريم انتساب الأولاد لغير آبائهم، والإسلام أوصى الإنسان بحسن التربية ومعاملة أبنائه، وآيات القرآن تهتم بالأولاد من حيث حق التغذية والملبس والتعليم والنفقة ولا خلاف بين جميع علماء الإسلام بحرمة التبني، فما بالك بالتنازل عنه عن طريق البيع كسائر السلع قولا واحدا هذا حرام، فهى ليست مشكلة قانونية فقط، بل يجب على مؤسسات المجتمع المدنى أن تبحث المشكلة وتضع لها حلولا جذرية.

اترك تعليق