منذ أن انتهيت من مشاهدتي الثالثة لفعاليات الموكب الملكي لنقل مومياوات ملوك مصر الأوائل وتعتريني مشاعر مختلطة ما بين المهابة والعظمة ونشوة الزهو..

وجدتني حينا رافعة الهامة والأنف دون وعي مني، وحينا آخر دامعة العين، وما بينهما شعور بأن أجساد أجدادي في توابيتهم على وشك النهوض في أي لحظة، شعرت بأن أرواحهم حاضرة وواعية وسعيدة، فهم ليسوا مجرد أجساد محنطة، وهذا الاحتفال الضخم يتخطى مداعبة الصور الذهنية للحضارة المصرية في عيون العالم دعما للسياحة، أو حتى تمهيدا دعائيا للاحتفال الأضخم والأبهى والمنتظر لافتتاح المتحف المصري الكبير..

بل أن في الأمر تبجيل وعرفان بالجميل وتقديما لأسمى أشكال التعبير عن الاحترام والاعتزاز والامتنان، فهؤلاء الأجداد من قادة مصر لهم فضل أبدي فيما نعيشه اليوم من الفخر بأننا مصريون، هم حماة الوطن الأوائل، اللذين أورثونا تلك الأرض وهذا النيل، خلفوا لنا كنوزهم وحضارتهم التي أفنوا فيها أعمارهم، هم رموز شموخ هذه الأمة ومجدها الأبدي الذي لا يستطيع أي شعب آخر أن يضاهينا فيه.
آسرني دور فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، هذا الأبن البار، الذي أبدى نوعا من نكران الذات خلال هذا الاحتفال المهيب، فلم يتقدم بكلمة افتتاحية للمتحف كعادته، بل آثر المتابعة صامتا، حتى اختتم الأمر بأروع ما جاءت به تلك الليلة، حينما خرج من قاعة المسرح للممر الطويل وعلى وجهه ابتسامة عميقة من القلب، ثم وقف في استقبال ملوك مصر العظماء، منتبها وكأنه في استقبال موكب لملوك ورؤساء العالم اليوم، فهل أجدادنا أقل منهم شئنا، بل وكأنه يخبرهم بأنه سائر على طريقهم، وإننا على ذات الدرب، إنها رسالة الحاضر للماضي، وهذه ليلتهم التي يشهدون فيها هيبتهم وسطوتهم تبعث من جديد.

هؤلاء اللذين علموا العالم كل شئ، علموهم كيف تكون المواكب الملكية والاحتفالات العظيمة، فسحت من أجل مرورهم طرق القاهرة، كما يليق بحكام مصر، وصاحبتهم الجميلات من فنانات ومذيعات ومطربات بلادهم في أبهى صورة لهن من وحي التراث الفرعوني وفي مقدمة الموكب الخيالة والعربات الحربية القديمة للدلالة على التأهب والقوة، ثم موكب من “الموتوسيكلات” وكأنهم “خيالة الحاضر”.
ربما فاق طموحنا في الشكل الإخراجي للموكب الملكي من المتحف المصري أكثر مما رسمه المخرج، وكذلك العناصر المصورة مسبقا، التي أبهرتنا حينا وأشعرتنا بالملل و”المط” حينا آخر، بالإضافة لفكرة ظهور الفنانة “يسرا” على المسرح لتلقى كلمة مسجلة مسبقا مع حركة صامتة لشفاهها، إذ كانت غير موفقة، ولكن تظل عملية التنظيم والتسلسل الزمني المحكم واستخدام الإضاءة والمجموعات البشرية بشكل دقيق وسلس، إبداع منقطع النظير، ولا ننسى الفيلم القصير العبقري للعبقري “خالد النبوي” الذي أوجز وأنجز ما أفسده مقاطع فيديو الفنانين “الطويل والمزدحم بلا داعي” وكان أفضلهم “أحمد حلمي وكريم عبد العزيز”

كل هذا “كوم” ولنا في “اللحن” ما لا يكفيه 10 مقالات، لأنه بحق البطل الحقيقي لتلك الليلة، والسر وراء التناغم البالغ ما بين تلك العناصر الغير مترابطة للاحتفال، إذ شكل المبدع الرفيع “هشام نزيه” في عدد من المقاطع الموسيقية، تجسيدا حيا ومدهشا لروح الموسيقى الفرعونية مع تعبير صارخ عن عظمة تلك الحضارة وفخامة ومقام ملوك وملكات الموكب، حتى نقلنا بموسيقاه وتوزيعه عبر الآلاف السنين وكأننا نشاهد موكب ملكي حقيقي في عصور مصر الغابرة، تلك المقطوعات التي يصعب ملاحظة أنها مجموعة وليست عملا واحدا ليس فقط لتعمد “نزيه” ذلك، ولكن بفضل المايسترو المبهر “نادر عباسي” وطاقم الأوركسترا الجبار أبناء وبنات دار الأوبرا المصرية، الراعي المستتر لهذا الحفل.
تثبت هذه الفعالية الفخمة مدى تعلق المصريين “قيادة وحكومة وشعب” بالهوية المصرية والتمسك بالجذور وامتداد الأصل، الذي إذا غيرت ملامحه السنين، يظل ساكنا في أعمق زوايا أرواحنا، ينتظر شرارة من الماضي تذكره بمن يكون “المصري”، ليقف منتبها فخورا عالي الجبين يحيي أجداده أو متأهبا في وله وولع وانتشاء عبر الشاشات.

اترك تعليق