حسام عبدالقادر

حكاوي السفر وأبطاله لا تنتهي، والأساطير التي تتناول المسافرين ومغامراتهم في كل عصر وأوان كثيرة جدا، لأن هناك شغفا كبيرا بالسفر منذ بدء الخليقة، لأن السفر دائما مقترن بالأحداث المثيرة، خاصة قديما حيث لم تكن مظاهر المدنية ظهرت بعد.

في المقال السابق، تحدثت عن شخصية “ابن بطوطة” ورحلاته الشهيرة، وهي شخصية حقيقية، واليوم أتحدث عن شخصية أسطورية هي السندباد البحري، وهو من شخصيات ألف ليلة وليلة، واسمه يعد رمزا لمحبي السفر وللمغامرات، وألفت عنه مئات القصص والروايات، وانتجت كثير من المسلسلات والأفلام في معظم دول العالم عن رحلاته ومغامراته.

ولكن من هو هذا السندباد:هو بحار من بغداد، عاش في فترة الخلافة العباسية، ويقال إن السندباد الحقيقي تاجر بغدادي مقيم في عمان، زار السندباد الكثير من الأماكن السحرية وواجه كثير من الوحوش أثناء إبحاره في سواحل أفريقيا الشرقية وجنوب آسيا،وسردت ألف ليلة وليلة سبع رحلات فقط للسندباد لقي فيها المصاعب والأهوال واستطاع النجاة منها بصعوبة.

وحكايات السندباد هي إضافة متأخرة نسبيًا إلى ألف ليلة وليلة فهي لا تظهر في أقدم مخطوطة والتي تعود إلى القرن الرابع عشر، ولكن تظهر بصورة مستقلة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد (786-809 م).

وعندما نتأمل حكايات ومغامرات السندباد في رحلاته نجد أن كثير منها أصبح جزءا من التراث الشعبي مثل الغول الذي يأكل الإنسان، ففي رحلته الثالثة يروي عندما وصلت السفينة بعد كثير من التجول حول جزر متعددة وبحور مختلفة إلى جبل القرود، فدخل السندباد ورفاقه بيتا في وسط الجزيرة وناموا فيه،فدخل عليهم شخص عظيم الخلقة في صفة إنسان، أسود وطويل أكل واحدا من رفاق السندباد، فارتعدوا من الخوف، وأطلقوا عليه الغول قبل أن يهرب السندباد ومن تبقى معه.

ومن هنا أصبحت كلمة “الغول” تمثل الرعب في الحواديت والقصص، ويخوفون بها الأطفال عند الترهيب، وهكذا نجد في حواديث أخرى طائر الرخ، وبيضته الضخمة جدا، والحوت الذي ظنوا أنه جزيرة ثم غاص في الماء، وجزيرة الألماس ومقبرة الأفيال التي وجد بها العاج، وغيرها من الحواديت المثيرة والجميلة.

ويروى على لسان سندباد بعد أن تزوج وقرر أن يعود للعراق بعد أن تقدم به العمر “عشت مع زوجتي وأهلي هانئا، راضيا مطمئنا، ولم يعد بي شوق إلى السفر والترحال، بعد أن تقدمت بي السن، ووهن مني العظم، وقد وجدت أن الإنسان يستطيع أن يعمل عملاً يرضى به عن نفسه، وينفع أهله ووطنه، من طرق كثيرة، وأبواب شتى، فتفرغت لذلك العمل وكرست له وقتي، وكان عملي هو برّي بالفقراء، ونصري للمظلومين، وتفريج كربة المكروبين، وتربية اليتامى، ويساعدني على ذلك ما جمعت من مال”.

وهو يقدم بهذا خلاصة الحكمة والموعظة التي استخلصها على مدار حياته، أو هكذا يقدم المؤلف أو الراوي، بعد أن متعنا برحلات ومغامرات مثيرة تناقلتها الأجيال على مدار القرون.

ونلتقي في المقال القادم مع رحلات أخرى

اترك تعليق