استهداف الكومندوز الإسرائيلي لسفينة مخابراتية إيرانية قبالة السواحل الچيبوتية، والصراع الأمريكى الروسي على قاعدة بورسودان السودانية، والتصعيد المستمر لحرب اليمن رغم الحديث عن إنه اشتعال ما قبل النهاية، والحديث عن مسارات بديلة لقناة السويس في أعقاب حادثة الجنوح الأخيرة، والترويج لاحتمال استخدام قوى ما المناطق القريبة بالبحر الأحمر من السد الإثيوبى لاستهدافه..كل هذه الملفات المعقدة، وأكثر تجعلنا نفتح ملف أمن البحر الأحمر من جديد، في إطار المتغيرات الحادثة على الأمن القومى الاستراتيجي المصري.

لا يكاد يمر يوم تقريبا، إلا ويصعد البحر الأحمر، ذلك الممر الاستراتيجي المعقد، على سطح الأحداث، فهو منطقة أخطار منوعة من التهديدات العسكرية والتوترات الأمنية والاختراقات الاستخباراتية والقلاقل الاقتصادية، بل وحتى الأخطار البيئية المدمرة.

كل القوى العالمية تقريبا متواجدة في البحر الأحمر، ولها مصالح مباشرة وغير مباشرة فيه، فالتواجدات الأمريكية والروسية والصينية والأوروبية والإسرائيلية والخليجية ملحوظة فيه، وهناك خطط مكشوفة وأخرى سرية، والتنسيقات معقدة والتناحرات متواصلة في هذا الممر وخلفياته من مضيق تيران وقناة السويس، وحتى مضيق باب المندب، وكأن البحر الأحمر تحول من نعمة للعنة على الدول المشاطئة له.

جغرافيا، يتوسط البحر الأحمر ثلاث قارات، هي: آسيا وأفريقيا وأوروبا وفاتحا على استراليا، ويبلغ طول سواحله نحو 3.069 ميلاً بحرياً، وله بوابتان استراتيجيتان، هما: مضيق باب المندب، وقناة السويس، وتمر عبره نحو 15 في المائة من التجارة الدولية، بفضل قناة السويس، حيث كان حفرها ميلادا جديدا للبحر الأحمر، وكان تعطل الملاحة بها ضربة كبيرة له.

ويضم إقليم البحر الأحمر حوضين في غاية الأهمية حوض البحر الأبيض المتوسط شمالاً ثم حوض نهر النيل، والقرن الأفريقي غرباً، وشبه الجزيرة العربية والخليج العربي شرقاً، والمحيط الهندي وسواحل شرق أفريقيا جنوباً، ونطاق حوض البحر الأحمر يشمل عدة دول تطل على سواحله، فمن جهة القارة الأفريقية يضم جيبوتي وأريتريا والسودان ومصر، ومن ناحية القارة الآسيوية يشمل إسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية واليمن، بينما تعد الصومال بإطلالتها على خليج عدن امتدادًا للأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر.

ومنذ القرن السادس عشر تتصارع القوى العظمى عليه، ومنها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ثم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في فترة الحرب الباردة، وأخيراً النظام العالمي الجديد، وما بعده، في عالم ما بعد الوباء، فلن تتغير الصورة كثيرا، بل ستتعقد أكثر وأكثر.

يتميز البحر الأحمر في عصرنا الحالي بأنه يتوسط بحيرات البترول الضخمة التي ما زالت تحتفظ بأكثر من 90 في المائة من احتياطي العالم في الخليج العربي والجزيرة العربية، وبين أكثر مناطق العالم استهلاكاً لهذه السلعة الاستراتيجية.

وبالطبع التوتر المستمر في اليمن، وعلى خلفية السد الإثيوبي والاستهدافات الإيرانية والإسرائيلية والسعودية والإماراتية، تزيد القلاقل في البحر الأحمر، وأخذت حادثة الجنوح في قناة السويس، هذه القلاقل لمنحى جديد، من شأنه إضعاف قيمة البحر الأحمر، لو نجح أى مسار بديل للقناة بعيد عن البحر الأحمر، خاصة أن إسرائيل بالتعاون مع أطراف خليجية وصينية تروج لمسار بديل للقناة بطله سيظل البحر الأحمر.

ولو انتقلت الاستهدافات العلنية المتبادلة بين إيران وإسرائيل إلى البحر الأحمر، أتصور أن الأمر سيزيد تعقدا، خاصة إننا نشهد صراعا جديدا بين القوى العظمى من أمريكا وروسيا على القاعدة العسكرية السودانية، لا يقل عن صراعهما في أوكرانيا، والتواجد الصينى المتضخم لا يقل خطورة عن التواجدات الأخرى.

كل هذا في غياب الجامعة العربية وتحالف البحر الأحمر، خاصة أن دول منه متوترة في هذه القلاقل، وبالتالى أى نقاش للموضوع سيدينها، بخلاف أن دول مثل إيرتريا وچيبوتى تحولتا إلى مستعمرات لقواعد عسكرية وارتكازات استخباراتية للدول المهتمة بهذا الإقليم، بخلاف القلاقل المستمرة فى الصومال منذ أكثر من ثلاثين عاما، حولتها لدولة فاشلة بجدارة، على أهميتها الاستراتيجية.

واستهداف إسرائيل للسفينة الاستخباراتية الإيرانية “سافيز” قبالة السواحل الچيبوتية، ما هو إلا حلقة من حلقات صراع معقد ومنوع لن يهدأ في البحر الأحمر، وكان من الضرورى بالفعل أن تكون لمصر قواعد متطورة وكبرى مثل برنيس وأخواتها، بخلاف الأسطول الجنوبي القوى، لأن التواجد المصري بطول البحر الأحمر أهمية قصوى لأمننا الاستراتيجي، لكننا نحتاج تطويرا متواصل لرؤيتنا حياله باستمراره، لتعقد الأخطار في البحر الأحمر بشكل غير مسبوق.

اترك تعليق