لاجئ إثيوبيا

كتب: عمرو حسين

يُحدد الهجوم العسكرى الأخير الذى أعلن عنه رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، لحسم معركة إقليم تيجراى، شكل إثيوبيا وهيمنتها ومكانتها فى إقليم القرن الإفريقى. حيث يقف الجيش الإثيوبي على بعد 50 كيلومتر من ميكيلي عاصمة إقليم تيجراي. ومن المرجح أن انتصار الجيش الفيدرالى سيصاحبه مذبحة في مدينة يسكنها نحو نصف مليون نسمة.

وردًا على مطالبة الأمم المتحدة بوقف الصراع في تيجراي وحماية المدنيين وحقن الدماء، رفض أحمد، أى تدخل من المجتمع الدولي “نحن نقدر قلق ونصائح أصدقائنا.. لكننا نرفض أي تدخل في شئوننا الداخلية”. مضيفًا “نحن نحث المجتمع الدولي على الامتناع عن أي تدخل غير مرحب به وغير قانوني”.

وصمم الحائز على جائزة نوبل فى عناده، قائلاً: “الجيش سيبدأ (المرحلة الأخيرة) من هجوم على إقليم تيجراي المتمرد، بعد ساعات من انقضاء أجل مهلة نهائية لقوات تيجراي للاستسلام”. كانت بدأت المهلة التى أعلن عنها المتحدث العسكري الكولونيل ديجين تسيجايي فى 22 فبراير ولمدة 72 ساعة.

واستدعى الجيش الإثيوبى، فى 15 نوفمبر، حوالي 3000 جندي من المشاركين فى عمليات فى الصومال، للمساعدة في هجوم تيجراي، بعد أن خرجت الأمور عن السيطرة. وهى من قوة الدفاع الوطني الإثيوبية ولا تخضع لقيادة قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي البالغ قوامها 5000 فرد في الصومال. كما نشرت أخبار عن قصف مدفعى من إريتريا المجاورة لمساندة الجيش الإثيوبى فى هجومه على تيجراى.

ويدلل سحب القوات من الصومال، على صحة ما أعلنته الجبهة الشعبية لتحرير تجراى من إلحاقها خسائر فادحة بالقوات النظامية، وأنها لم تكن عملية عسكرية “المحدودة” كما أطلق عليها رئيس وزراء إثيوبيا. وأن القوات النظامية لم تكن حققت وقتها تقدمًا فى الإقليم. وزاد تأكيد فشل الهجوم العسكرى الأول، بعد أن قرر «آبى أحمد» عزل قائد الجيش آدم محمد، ورئيس المخابرات وإقالة وزير الخارجية، وعين برهان جولا قائدًا جديدًا للجيش، وديميكى ميكونين وزيرًا للخارجية، وتيميسجين تيرونيه، رئيسًا للمخابرات.

وضرب الجيش الإثيوبى حصارًا بالدبابات على “ميكيلى”، مطالبا المدنيين “يحتموا من أي هجمات بالمدفعية وأن ينأوا بأنفسهم عن التجمعات العسكرية” ووجه حديثه إلى قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى “لن تأخذنا بهم أي رحمة”.

ورفض دبرصيون جبراميكائيل زعيم الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، تهديدات تحالف الأمهرة والأوروموا “القوات الحكومية”، مشيرًا إلى أن “خطتهم هي تطويق ميكيلي، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، لم يتمكنوا من التحرك شبرا واحدا” مؤكدًا “قوات الإقليم تحفر الخنادق وتتصدى بثبات في قتالها للقوات الحكومية الإثيوبية”.

وتمثل القيادة الشمالية للجيش الإثيوبى المتواجدة فى تيجراى، والتى انشقت وانضمت إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى، أقوى قوات فى إثيوبيا وذات قدرات قتالية عالية، ولا يستطيع الجيش الفيدرالى السيطرة على الإقليم دون خسائر فادحة فى الجانبين. ويعود ذلك لما يتمتع به رجال التيجراى من تاريخ عسكرى ممتد، فقد خاض عشرات الآلاف من جماعة التيجراى الحروب ضد جماعة إريتريا، وهى منطقة تعرف حمل السلاح واستخداماته وتحارب على أرضها التى تعلمها جيدًا. وقد يكون الإقليم بمثابة الصخرة التى يتحطم عليها الجيش الإثيوبى، وبالتالى سقوط الدولة بأكملها.

ورغم انكفائها على أوضاعها الداخلية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية، دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة فى تيجراى، وطالبت عبر وزارة الخارجية بـ “ضرورة وقف تصعيد الصراع في إثيوبيا فورًا”. وأدان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو: “هجوم جبهة تحرير تيجراي على إريتريا ومحاولة تدويل الصراع”. ودعى الجبهة والسلطات الإثيوبية “لاتخاذ خطوات لخفض التصعيد وإحلال السلام وحماية المدنيين”.

وفى ظل غياب خدمات الانترنت والبث التلفزيونى الذى قطعه رئيس الوزراء الإثيوبى، لا توجد أى بيانات مؤكدة تدل على الأرقام الحقيقية لعدد القتلى، و يعتقد أن آلاف الأشخاص لقوا حتفهم وحدث دمار واسع جراء القصف الجوي والقتال البري منذ بدأت الحرب في الإقليم في 4 نوفمبر.

وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن “أزمة إنسانية واسعة النطاق ترتسم عند الحدود بين إثيوبيا والسودان بعد نزوح آلاف الأشخاص يوميا بسبب العملية العسكرية الجارية في إقليم تيجراي”. وفر حوالي 42 ألف شخص عبر الحدود إلى السودان. ويزداد عدد النازحين بزيادة وتيرة الصراع وشدته واتساع نطاقه، ما يعنى أن العملية المعلنة عنها مؤخرًا، سوف ترفع أعداد الضحايا والنازحين إلى حد الكارثة الإنسانية.

رئيس وزراء إثيوبيا آبى أحمد

سيناريوهات الحرب

لا تخرج الحرب الدائرة فى إثيوبيا من بين سيناريوهات ثلاثة: أولهم، أن ينتصر الجيش الفيدرالى بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبى على قوات حكومة تيجراى، وبالتالى يتمكن الجيش من فرض السيادة على كامل أراضي الدولة وانتهاء دور التيجراى السياسى والعسكرى، والانتقال إلى الصراع الاقتصادى وتجريد التيجراى من كل المكتسبات التى حققها فى 21 سنة من حكم البلاد، منذ 1991 وحتى وفاة ميليس زيناوى فى أغسطس 2012.

وهنا لا يعنى انتصار الجيش بالضرورة أن يكون انتصارا للدولة الإثيوبية، بل يمكن فهمه فى إطار الصراع الإثنى بين الجماعات المكونة للجيش نفسه، فهو انتصار لأولاد العم من الأورومو التى ينمتى إليها رئيس الوزراء الإثيوبى، وانتصار لأولاد الخال من الأمهرة التى تنتمى إليها أمه وزوجته، على التيجراى التى حكمت البلاد بالحديد والنار. ومن ثم يمكن ان ينشأ الصراع لأى اعتبارات عرقية جديدة بين الأمهرة والأورومو أو صراع على غنائم التجراى فى حال هزيمتهم، ولن تكتفى الجماعات السبع الأخرى بالمشاهدة، ولن ترضى بإعادة استنساخ نموذج التجراى لصالح الأورومو او الأمهرة مرة أخرى.

وثانى السيناريوهات هو انتصار التيجراى، ورغم أنه مستبعد لما للدور الدولى من اهمية داعمة للجيش الفيدرالى، فالقرن الإفريقى أكتر النطاقات الجغرافية تنافسية بين الولايات المتحدة والصين، ولن يسمح الكبيران بإجراء تغيير سياسى على مستوى السلطة فى إثيوبيا من منطق عسكرى. ولكن إذا تم النصر للتيجراى، فإنهم لن يتخذوا مسار 1991 مرة أخرى، ولن يدخلوا قصر الزهرة الجميلة فى أديس أبابا، ومن المؤكد ان يتخذوا مساًا انفصاليا كما فعلت الشقيقة إريتريا، فقدت رفضت إريتريا شراكة الحكم فى 1991 وانشات دولتها المستقلة  فى عام 1993 بعد حصول إثيوبيا على الوعد الأمريكى بأن تكون إريتريا آخر المنفصلين.

ولا شك أن كلا السيناريوهين السابقين، هما أفضل بكثير من الثالث والمتعلق باندلاع حرب أهلية، بمعنى انتصار قوات الجيش الإثيوبى ورفض المدنيين فى تيجراى الإذعان لهذا الانتصار، وهو ما يحول إقليم تيجراى إلى أرض خصبة لتجارة السلاح ومأوى للإرهاب، ولن يتوقف عداد الضحايا والنازحين، وتبقى أحدث الأزمات الإنسانية فى إفريقيا.

اترك تعليق