“الأوتاركية”

د. محمد ماهر قابيل

الأوتاركية اتجاه انغلاقي مؤداه الإستغناء عن الغير من خلال توفير السلع والخدمات المطلوبة مع عدم الإستعانة بآخرين ولو باستعمال بدائل معينة. والأوتاركية قد تكون بهذا المعنى هي النهج المضاد لأطروحة “الانفتاح الاقتصادي” المشهورة. وإذا كان “الانفتاح الاقتصادي” كمصطلح غير دقيق علميا، وغير منضبط عمليا فإن الأوتاركية تبدو أكثر دقة من الناحية الموضوعية، وأكثر إحكاما من الناحية التطبيقية. فالمجتمع الذي يعتمد على موارده المحلية يملك زمام أمره، ويستطيع التعامل مع الأطراف الدولية المختلفة من موقع الندية لا التبعية بحيث يكون دائما عضوا فاعلا مؤثرا في المجالين: الإقليمي و العالمي، وليس مجرد موضع للتعامل بين القوى القادرة. والركون إلى الخارج يفتح الأبواب على مصاريعها أمام احتمالات الغبن الذي يقع على المحتاج. فموازين العلاقات تختل عادة لصالح القوي المتقدم على حساب الضعيف المتخلف. والأوتاركية تفترض التقدم وتفرضه. فهي تقتضي الاستغلال الأمثل للإمكانات بحيث تمنع الحاجة إلى الاستيراد من الخارج. ولكي يتحقق ذلك الاستغلال الأمثل يتعين أن تأخذ الدولة بأسباب التطور التكنولوجي حتى تستطيع تصنيع خاماتها وإحلال منتجاتها الوطنية محل نظائرها الأجنبية دون تكلفة مادية باهظة قد لا تحتملها الميزانية. والأوتاركية أيضا قد تكون نمطا متميزا من أنماط التنمية الاقتصادية. فأسعار الخامات تكون منخفضة للغاية بالنسبة لأسعار المصنوعات الناتجة عن تلك الخامات. وبالتالي فإن اضطرار بعض البلدان المتأخرة إلى تصدير خاماتها واستيراد المصنوعات يعود على تلك البلدان بخسران مبين. وحيث إن الأوتاركية مرتكزة  على الاكتفاء الذاتي فإن الدولة التي تأخذ بهذه السياسة تعمد إلى تصنيع خاماتها داخليا فتحصل بذلك على العائد المجزي لعملية التصنيع، ومن ثم ترتفع معدلات النمو الاقتصادي في تلك الدولة. وقد يتراجع تيار الأوتاركية أمام مد العولمة الذي تحول إلى طوفان يكتسح في طريقه الحواجز والحدود بين الدول إلا أن طرح الأوتاركية يظل قائما كخيار متاح بدرجة أو بأخرى أمام الشعوب التي تملك بالإرادة أن تترك السلــــع والخدمات الواردة، وتقنع بالمتاح لديها من إنتاجها. إن العولمة لا تطوي صفحة الأوتاركية في كتب التاريخ لأن الخبرة الواقعية للأوتاركية تظل دليلا ساطعا على مدى نجاح ذلك النموذج الصارم من نماذج النظم الاقتصادية. وربما يكون الأخذ بأسباب الأوتاركية ولو إلى درجة ما هو طوق النجاة الذي يحول دون الغرق في محيط العولمــة. وقد أثبتت الأوتاركية فاعليتها في إعادة بناء الكيان القومي لألمانيا عقب الهزيمة الساحقة التي لحقت بها في الحرب العظمى المعروفة فيما بعد باسم الحرب العالمية الأولى. فقد خرجت ألمانيا من تلك الحرب الهائلة مثخنة بجراح الدمار والإذلال لكن الأوتاركية كانت المسار الذي اختارته الحكومة الألمانية للوقوف مرة أخرى على قدمين ثابتتين في مواجهة الحلفاء المنتصرين. وقد جنت النازية على ألمانيا في الحرب العالمية الثانية التي انتهت بهزيمة تالية لها أدت إلى استسلامها المطلق دون قيد ولا شرط. بيد أن الأوتاركية تبقى مع ذلك هي الأساس الصلب الذي أقامت عليه ألمانيا نهضتها بعد كبوتها. فالأوتاركية هي التي بنت، والنازية هي التي هدمت. ولا يعيب الأوتاركية كسياسة اقتصادية اقترانها في التجربة الألمانية بفاشية عنصرية قادت إلى نكبة.

اترك تعليق