عمرو عمار
عمرو عمار

كتب: عمرو عمار *

كانت منظمة شانغهاى للتعاون قد بدأت فى الإعلان الرسمى عن نفسها عام 2001 بانضمام أوزبكستان إلى أعضائها المؤسسين: الصين- روسيا- كازاخستان- قيرغيزستان- طاجيكستان. الأهداف المعلنة للمنظمة، مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف، والحركات الانفصالية، والتصدى لتجارة الأسلحة والمخدرات.

الرواية مقروءة مسبقًا داخل شنغهاي، والصيد الثمين معلوم لدى النخبة في واشنطن وهذا الصيد لا بد له من شبكة، تلك الجماعات الإرهابية من جيوش القاعدة التي سيتم تجهيزها وتدريبها على فنون القتال واستخدام الأسلحة التقليدية بمنطقة الشرق الأوسط.

أما الُطعم هي العلاقة الوثيقة بين هذه الشبكة وتلك الخلايا النائمة من ضحاياها المغرر بهم داخل هذه المجتمعات الإسلامية التى تحيط بالحدود الروسية – الصينية سواء تلك الموجودة ناحية دول القوقاز ( أذربيجان- آرمينيا – جورجيا) أو تلك المجتمعات في الجمهوريات السوفيتية القديمة (كازاخستان- قيرغيزستان- طاجيكستان- أوزبكستان- تركمانستان) . أما الصيد الثمين هو قطبا الأوراسيا الجديدة، موسكو – بكين.

دقت ساعة الصفر وبدأ الانسحاب الأمريكى من منطقة الشرق الأوسط بسياسية الأرض المحروقة على طريقة نشوة الإصلاح لمارتن لوثر، وجون كالڤن.‏ العودة الى قيم الكتاب المقدس، تشعل حرب الثلاثين عامًا في أوربا. ولكن هذه المرة لعبة الحروب الدينية ستأتي من المشرق العربي وتمهد الطريق لفيستفاليا جديدة، استعدادا لمواجهة الدب الروسي والمارد الأصفر في الصراع المرير على رقعة الأوراسيا.

تم توصيل الدائرة الكهربائية، ثورات ملونة جديدة. هذه المرة ليست في أوروبا الشرقية . البوصلة الآن تتجه صوب  بلقان الوطن العربي. مرة أخرى جحافل القوات الناعمة لجين شارب وتلميذه النجيب بيتر آكرمان تعبر الحدود، الحشود تتقاطر على الميادين، الحناجر تتعالى بالصراخ الهيستيري من آجل التغيير، قادة الغرب يمتدحون الجماهير الهادرة، المشاعل ترفع أدبيات الديمقراطية وحقوق الإنسان، مطارق الديمقراطية الأمريكية تضرب استقرار الدول، تطيح بطموحات الشعوب العربية في التنمية والرخاء، تشق وحدة الصف ، تشعل النزاعات العرقية والآثنية. أنظمة حكم تسقط. جيوش تتفكك. مؤسسات تتحلل. اقتصادات تنهار. ثروات تُنهب. جماعات إرهابية تشغل الفراغ الناجم عن غياب السلطة والآمن.

لم يكن الهدف الاستراتيجى للانجلوساكسون تقسيم تلك الجمهوريات، بقدر تفكيك الجيوش النظامية، تلتها عمليات إحلال وتبديل بجيوش القاعدة والجماعات المنبثقة عنها، تحت ولاية التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وبزعامة أمير المؤمنين الجديد رجب طيب أردوغان الرئيس التركي البراجماتي الطامح في استعادة أحلام الدولة العثمانية، رشحه المُفكر الداهية صموئيل هينتجتون فى داهيته «صراع الحضارات» لقيادة العالم الإسلامي المنتظر، تحت راية العثمانلي الجديد للشرق الأوسط الكبير، وبنهاية المطاف تأتي واشنطن بحكومات إسلامية موالية تخدم السياسات الأمريكية المعادية كحائط صد للتمدد الأوراسي.

تلك الجماعات الإرهابية التى ضربت جذورها مراكز البحث الغربية على الأراضي الأفغانية عام 1979، وروت بذورها وكالات الاستخبارات العالمية وعزمت واشنطن على تربية قياداتها داخل معتقلات جوانتنامو ومعسكرات بوكا بالبصرة منذ عقود مضت حتى يمكن تحفيزها واستثاراتها الآن للسيطرة على الموانئ والممرات المائية الدولية عبر البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط لقطع شرايين وأوردة مبادرة الرئيس الصيني الذى كشف النقاب عن أهم ملامحها من الآستانا عام 2013،الحزام الإقتصادي وطريق الحرير للسيطرة على رقعة الأوراسيا وبداية لقرن أوراسي جديد.

ومن ناحية أخرى تبدأ هذه القوى فى الإزاحة والاصطفاف ناحية دول القوقاز وضرب روسيا فى خاصرتها الجنوبية فى الإصدار الثانى من الحرب الباردة، بالتوازى مع عمليات الإزاحة حتى حدود الصين عبورًا بالدول الأعضاء في شانغهاى، مع تفعيل دور الخلايا النائمة داخل مجتمعاتها الإسلامية وإشعال ثورات ملونة جديدة تقضى على هذا التحالف.

ثورة المصريين في الثلاثين من يونيو 2013 أجهضت هذه الرواية مؤقتًا بعد أن سقط حكم الإخوان على أعتاب القاهرة، فضعفت حلقة الوصل بين الاستخبارات الغربية وجماعات القاعدة المنتشرة على الأرض.

فى هذا التوقيت كان نجم شانغهاى يلوح بالأفق، خاصًة بعد أن دخل فى تحالف استراتيجى مع مجموعة بريكس التى تأسست بعد عام على أنقاض الأزمة الاقتصادية العالمية التى ضمت بين أعضائها الدول صاحبة أسرع نمو اقتصادى بالعالم : البرازيل- روسيا- الهند- الصين – جنوب أفريقيا، وعقدت أول قمة لها فى ييكاتيرينبرغ بروسيا عام 2009 وأعلنت تأسيس نظام عالمى ثنائى القطبية في تحدٍ واضح للهيمنة الأمريكية.

الأنجلوساكسون لا يريدون الاستسلام للرواية المصرية فلديهم زعيم جديد للإرهاب العالمي تم تجهيزه وضمنوا ولاءه داخل معسكرات بوكا بالبصرة، إبان الغزو الأمريكي للعراق، وقد حان وقت اللعب.

هذه المرة اللعبة تختلف، أيدلوجية زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ومن بعده أيمن الظواهري لا ترى في الآفق القريب دوافع حقيقية للدعوة إلى قيام دولة الخلافة، ولطالما أعلنوا نواياهم على مريديهم، بينما أبو بكر البغدادي القابع في سجن بوكا جاهز للمهمة الزائفة، والتى أعلن عنها  فى  التاسع عشر من يونيو 2014 ، الآن تم تحويل أيدلوجية القاعدة إلى دولة خلافة تمهيدا لخلق إمبراطورية الفوضى فى جميع أوساط الشعوب المسلمة فى أسيا الوسطى و روسيا والصين.

تظهر مجموعة  البريكس بقمة فورتاليزا بالبرازيل تسرع خطواتها وتعلن في الرابع عشر من  يوليو إنشاء بنك التنمية وصندوق احتياطي نقدى كبديل مستقبلي لصندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, أى كبديل عن هيمنة نظام الدولار الأمريكي وتدعو الدول للانضمام.

أمريكا تستشيط غضبًا وتتهم موسكو  في التاسع عشر من يوليو بإسقاط طائرة الركاب الماليزية فوق أوبلاست دونيتسك بشرق أوكرانيا، وتُجبر الدول الأوربية على فرض عقوبات ضد نظام روسيا المالى فى محاولة لتقويض تحركات الدب الروسى السريعة، بينما حلفاء موسكو في نيودلهي وبكين يتحدوا ويصرون على أن أي عقوبات تُفرض يجب أن تكون عبر مجلس الأمن. ومجموعة فيتش تخفض تصنيف روسيا الائتمانى، والتى وصفها رئيس الوزراء الروسى دميترى مدفيديف بالأداة السياسية المفضوحة في يد واشنطن.

سبتمبر من نفس العام تعلن شنغهاي تأسيس وكالة تصنيف ائتماني مستقلة تُقيَّم الاقتصادات بشكل مستقل وموضوعى بعيدا عن التسييس، فالحاجة إلى إيجاد مؤشرات بديلة ونهجًا أوسع لتقييم الاقتصادات بشكل صحيح باتت ضرورية لشنغهاي .

نوفمبر من نفس العام يعلن الرئيس الأوكراني المنتخب ديمقراطيًا فيكتور يانوكوفيتش انضمام بلاده إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والذى أُنشئ  حديثًا بين دول روسيا- بيلاروسيا- آرمينيا- كازاخستان- قيرغيزستان.

مرة أخرى ظهور مفاجئ لصبيان واشنطن من جحافل شارب – آكرمان، تتلبس الأرواح الشريرة ثوب الثورة البرتقالية (2005: 2004) . من كييف عاصمة أوكرانيا (ثاني أكبر جيش في أوروبا بعد روسيا) جسر العبور الروسي- الصيني للأوراسيا، ثورة ملونة جديدة في مواجهة خطة القيصر الروسي الجديد فلاديمير بوتين لإنشاء منطقة تجارة حرة بين لشبونة إلى فلاديفوستوك.

تنتهي بفرار الرئيس يانوكوفيتش، ومحاولة إغراء أمريكية لملك الشيكولاته الرئيس الأوكراني الجديد بيترو بوروشينكو، أو سميه حامد كارزاى أوكرانيا الجديد للانضمام إلى الاتحاد الأوربي.

تدخل عسكرى روسي في شبه جزيرة القرم يضمها للأراضى الروسية، وتعود مدينة سيفاستوبول (مقر أسطول البحر الأسود الروسي) مدينة المجد الروسي إلى أحضان موسكو لأول مره منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.

تطويق عسكري أمريكي للصين عبر آسيا المحورية في بحر الصين الشرقي في محاولة لتقويض نفوذها الاقتصادي وفق أدبيات الجغرافيا السياسية لماكيندر التي فرضت نفسها على خطط البنتاجون، مبادىء الهيمنة والسيطرة الأمريكية إذا أرادت أن تبقي على قيد الحياة فيجب تقطيع أواصر روسيا وتطويق الصين عسكريًا وفصل الفضاء الاقتصادي بين آسيا ودول شرق ووسط أوربا وإغراقها في الفوضى.

أبريل 2015 تعلن الصين عن تأسيس بنك الاستثمار الآسيوي وتتسابق دول العالم للانضمام كعضو مؤسس، بما فيها خمسة من مجموعة الدول الصناعية وحتى دول آسيا المحورية في مواجهة مؤسسات بريتون وودز التى تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية.

التاسع من يوليو 2015 تعلن شانغهاى انضمام الهند وباكستان إلى المنظمة بعد أن نجحت موسكو فى إقناع بكين بضرورة انضمام الهند فى مواجهة الإرهاب القادم أفضل من انضمامها لمحور الشر أمريكا اليابان، والآن هناك مساعٍ روسية للموافقة على طلب إيران بالانضمام كعضو كامل في المنظمة ربما تُعلن عنه قمة 2017، ومع تزايد احتمالات خروج تركيا من عباءة المعسكر الغربى ، فبالتأكيد لن يجد أردوغان  ملاذًا آمنًا وبيئة حاضنة أفضل من شانغهاى- بريكس وقد بدأ بوتين فعليًا الاستعداد لهذه المناسبة السعيدة.

إذن ظهرت الاستراتيجية الخفية لمولانا الجديد شنغهاي، تشكيل حلف عسكرى جديد فى مواجهة حلف شمال الأطلسي، تحالف عسكرى موازٍ يشكل عالمًا متعدد الأقطاب فى مواجهة الغرب. ومن المنظور النووى العسكرى فانضمام باكستان والهند إلى شانغهاى، جعل من هذا التكتل الإقليمى تحالفاً من أربع دول نووية، ما يعنى تحقيق توازن استراتيجى مع العالم الغربى الذى يضم ثلاث قوى نووية هى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

وهكذا أتى الرد موجعًا من القيصربوتين على استمرار واشنطن في التوسع ببرنامج الدرع الصاروخى الدفاعي النووي على الأراضى الأوربية والممتد حتى رومانيا مؤخرًا، وبات قاب قوسين أو أدنى من الحدود الروسية.

أكتوبر 2015 تُعلن بكين عبر بنك الصين الشعبي إطلاق نظام المدفوعات الدولية، كبديل لنظام مدفوعات سويفت التى تسيطر عليه وكالة الأمن القومي الأمريكي وتراقب من خلالها حركة المدفوعات الدولية، تلاحقها موسكو وتدعو دول شنغهاي للانضمام.

هكذا سيتم تشكيل موازين القوى العالمية الجديدة فى عالم متعدد الأقطاب ينتظر تحلل الاتحاد الأوروبى على طريق الحرير الصيني، بعد خروج بريطانيا التي تمثل15% من ميزانية الدفاع. وقد بدأ بنك أوف لندن عبر شركات الآوف شور جس نبض بكين والترويج لليوان الصيني، بعد إدراك الأنجلوساكسون شيخوخة واشنطن، وقد بدأ الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب يُشيد قلاع التقوقع داخل الحدود في محاولة بائسة لبناء أمريكا الصناعية الجديدة، وفي إشارة واضحة إلى نهاية زمن القرن الأمريكي الغارق في الديون والركود الاقتصادي، وبداية زمن القرن الأوراسي زمن التعاون الاقتصادي السلمي وتطوير البنية التحتية لها والمشاركة في التنمية المستدامة للدول وزيادة حركة التجارة الخارجية دون التدخل في صناعة القرار المحلى أو السيطرة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها.

وكما يعتقد ويليام إنجدال في كتابه الجديد القرن الأوراسي: حزام واحد – طريق واحد أن رؤية الجغرافي ماكيندر حول الجغرافيا السياسية والتى حدد معالمها ورسم أبعادها في مقالته المنشورة في عام 1943 بمجلة الشؤون الخارجية ساهمت في تشكيل فكر الاستراتيجية العسكرية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية من هنري كيسنجر إلى زبيغنيو بريجنسكي إلى جورج فريدمان مؤلف كتاب المائة عام القادمة، ومؤسس مركز الأبحاث الاستراتيجيي والأمني الأمريكي “ستراتفور”. فالجغرافيا السياسية التى تناولها ماكيندر وخشي منها مفكرو أمريكا باتت اليوم حقيقة واضحة في عبارة واحدة، إنها الحزام الاقتصادي وطريق الحرير.

* كاتب جيوسياسي

اترك تعليق