عاطف عبد الغنى

الحاصل أن مكافحة الإرهاب تكاد تسير على ساق واحدة أو تطير بجناح واحد، وهو المعالجات الأمنية، أما المجابهات الفكرية، فقد غابت، وتأخر السعى إلى تفكيك ميراث الفكر المتطرف المنسوب زورا وبهتانا إلى الإسلام، والذى تراكم عبر الأجيال لينتج فى النهاية هذا المسخ المشوه من البشر، الذين يصدق عليهم قول الله تعالى « الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا» (الكهف 104).

هم هؤلاء الذين اتخذوا من الدين مطية لتحقيق أغراضهم السياسية، وجعلوا من الدين بضاعتهم وخبرتهم وادعوا لأنفسهم حصريا امتلاك مفاتيحه، ونصّبوا من أنفسهم قضاة على البشر، وكادوا – والعياذ بالله – يشاركون الخالق فى سلطانه وملكوته، فأفسدوا من حيث أرادوا الإصلاح، وأساءوا من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعا ولا ندينهم، ولكن هم الذين يدينون أنفسهم.

(1)

  والإسلام دين الوسطيّة والاعتدال، وهناك دراسات فى هذا المنهج تعالج، وتستوعب فكر الغلو والتطرف، والاطلاع على هذه الدراسات ونشرها وتقديمها بصور مختلفة للناس، كبيرهم وصغيرهم، ومن كل الفئات، يحصنهم ضد هذه الأفكار إذا تسربت إلى عقولهم، ويقطع الطريق على أفكار شياطين الإنس والجن، التى تشوه الدين فى النفوس قبل العقول، وتدفع شبابنا للانحراف والتطرف، يمينا أو يسارا، وتقضى على هذا الفكر حين تفككه، وتكشف تهافته، وحين توضح خطأ مرتكزاته.

وأخطر هذه الأفكار ما تؤمن به وتروج له السلفية الجهادية والإخوان، عن عودة دولة الخلافة، وربط هذه العودة ببشارات ظهور المهدى، وهى شبيهة إلى حد كبير بأفكار الأصولية اليهودية التى تسعى بشدة الآن، إلى إقامة مملكة اليهود، وربط هذا المملكة بظهور المسيح المخلّص، وهى فكرة سياسية أرضية لحمة وسدى.

وإذا كان الفكر اليهودى الصهيونى المتطرف موجهًا نحو الأغراب (الجوييم) غير اليهود، باعتبار أنهم هم الذين يعطلّون إقامة مملكة اليهود الإلهية، (الثيوقراطية) فإن فكر المتطرفين المنسوبين للإسلام موجه للداخل، للشعوب والحكام المسلمين، وقد توارث الإخوان هذا المعتقد عن مؤسسهم الأول حسن البنا، ثم شرعنها مفكرهم ومشرّعهم الأبرز سيد قطب.

وللأسف كلا الفكرتين الصهيونية المنسوبة لدين الله الموسوى (اليهودية)، والمنسوبة للإسلام، هما إنتاج بشرى يقودا حتما إلى صدام خطير بين أتباع الديانتين.

(2)

.. ومع اندلاع هبات ما سمى بـ «الربيع العربى» سارعت التيارات الإسلاموية، من الشيعة إلى الإخوان، وباقى تيارات السلفية الجهادية، إلى تفسير ما يحدث فى بلاد العرب من حروب وفتن، بأنه ترجمة لأحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة، وبداية لظهور عصر الخلاص، وظهور الإمام، المهدى، ونشط الداجلون، ومدعى التأويل، وقادة الجماعات الإرهابية فى تحويل الأحداث إلى خطط سياسية، للوصول إلى السلطة، حتى يقيموا دولة الخلافة، بالحيلة أو بالقوة إذا اقتضت الحاجة إليها، وقد أقنعوا أتباعهم أن هذه الأحداث هى إعادة لأحداث عصر النبوة الأول وتجليات لمشاهد الجهاد الأولى فى مجتمع الرسالة الذى انقسم فيه الناس إلى معسكرين، وفسطاطين، مسلمين وكفار، وبالطبع احتكروا لأنفسهم فسطاط الإسلام وطردوا الآخرين خارجه.

(3)

عودة دولة الخلافة، وريثة الخلافة العثمانية التى سقطت (عام 1926)، كانت هاجس حسن البنا، الذى صاحبه فى صباه وشبابه ومشيبه، والفكرة التى أسس عليها بناء جماعة الإخوان فكانت بمثابة حجر الزاوية، وقد سعى قادة الإخوان منذ المرشد الأول البنا وحتى بديع، وراء كل من لوّح لهم بأنه يسعى إلى خلق كيان سياسى بديل للخلافة العثمانية التى كان يطلق عليها تجاوزا إسلامية، وقد أوهم المندوب السامى البريطانى حسن البنا بهذا الأمر ودعم جماعته ماديا ومعنويا ليضرب بهم وبفكرتهم حركات التحرر الوطنى فى مصر والشام.

وفى غزو صدام حسين للكويت انقلب الإخوان على حلفائهم فى الخليج وهرولوا خلف صدام، بعد أن أوهمهم أن استيلاءه على الكويت واحتلالها، هو أول خطوة للتوحيد الجبرى للأقطار المسلمة، وارتمى القرضاوى فى حضن الأمير القطرى حمد بن خليفة وابنه تميم اللذين عملا ومازالا يعملان على الإطاحة بكل الأنظمة العربية لإقامة دولة الخلافة على أنقاضها، لعل حمد أو ابنه تميم يكون لأحدهما نصيب فى التتويج باللقب الأعظم فى تاريخ الإسلام «الخليفة»، وقد صدقا فى ذلك الأمريكان الذين يحتلون شطرًا من قطر فى قاعدتى السيلية والعديد.

(4)

كاتب يمنى آلمه ما حل بوطنه من دمار، فراح يبحث فى تخريجات وفتاوى الإخوان، والسلفية الجهادية، المتعلقة بفكرة «الخلافة» والتى تحولت فى منتجها النهائى إلى فكرة سياسية بامتياز وطالع ما توصل اليها مشايخ كثيرون، مثل يوسف القرضاوي، صاحب فتوى «جواز التفجيرات الانتحارية وسط المدنيين إذا كانت بإذن ومصلحة الجماعة»، والتى اتفق معه فيها مفتى الإخوان فى اليمن عبدالمجيد الزنداني، ودليلهما حديث منسوبٌ للنبى رواه أحمد بن حنبل يتحدث عن عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، بعد انتهاء المُلك الجبري، المبنى على أنقاض المُلك العضوض، وهو نفس الحديث الذى سبقهما إليه السعودى «جهيمان» الذى هاجم الكعبة المشرفة هو واتباعه فى السبعينيات، واعتصموا بها قبل أن يخرجهم الأمن بالقوة ويسقط ضحايا من الجانبين فى أطهر بقاع الأرض، وأظهرت التحقيقات أنه ما فعل ذلك إلا ليمهد لعودة المهدى، الذى سوف يقيم دولة الخلافة، وظنا منه أنه هو هذا المهدى.

الكاتب اليمنى سمير رشاد اليوسفى الحزين على أحوال وطنه وأهله، سأل فى مقال له: ما الذى سيجنيه العالم من عودة خلافة أنموذجها الأعلى دولة طالبان فى أفغانستان.. أو حتى « الخلافة العثمانية، التى كانت تحرّم التعليم والطباعة، ومُقدماتها كل هذا التخلف والعنف والدمار، على أيدى المؤمنين بالعنف والرعب؟!.

وما الذى سيكسبه الإسلام من عودتها.. مُقارنة بما سيخسره العالم – لا سمح الله – إذا ما تحققت على أيديهم؟

وقرر بعد السؤال أن: « ما أتعس الإسلام بهم إذا كانوا دُعاته».

SHARE

اترك تعليق