أرمانيوس المنياوى

منذ أكثر من ربع قرن مضى، هناك شخصيات لا يمكن أبدا أن أنساهم لحظة عندما يمر أمامي شريط ذكريات العمل الصحفي ما بين صحف خاصة ومستقلة وقومية وحزبية وهي ملخص حياتي العملية في بلاط صاحبة الجلالة…

كنت قد انتهيت للتو من دراستي في جامعة أسيوط عندما شجعني أحد أصدقاء الأسرة على ضرورة الخروج من الوادي الضيق وهو صعيد مصر وتحديدا من قريتي ( ريدة ) التابعة لمركز المنيا .. بعد أن حصلت على بكالوريوس التجارة من جامعة أسيوط في عام ١٩٨٩ ولم يكن أمامي إلا قضاء فترة الجيش وكانت الحرب العراقية الإيرانية كانت قد انتهت ولكن توابعها كانت موجودة في عودة الكثير من العمالة المصرية من العراق وفي يد كل منهم ورقة صفراء على مصرف الوافدين هكذا كان يتم تحويل فلوس المصريين العاملين في العراق، ومن ثم بدأت تظهر في الأفق ملامح أزمة اقتصادية في البلاد ..المهم قررت وبناء على نصيحة أحد أصدقاء العائلة بضرورة الانتقال من المنيا للقاهرة للبحث عن حياة أفضل في القاهرة حيث المركزية والشهرة والوزارات والهيئات تستقبل الطامحين من الأقاليم سواء من الصعيد أو وجه بحري إلى حياة أفضل.

ونزلت القاهرة للمرة الثالث في حياتي وفي المرة لم يكن في ذاكرتي إلا اتوبيس ٥٥٥ أو ثلاث خمسات والذي كان ينقلنا من المنيب إلى الألف مسكن، وكانت تلك مرحلة الدراسة الثانوية ومكثت في القاهرة أيام معدودة وأثرت العودة إلى بلدي حيث الدراسة وفي المرة الثانية لم أكن أعرف عن القاهرة إلا عمالة السكة الحديد وسوق روض الفرج قبل أن يقوم اللواء منصور عيسوى مدير أمن القاهرة في ذلك الوقت بنقله إلى مدينة العبور.

أما المرة الثانية فكانت الأطول في أن أمكث في القاهرة ومعرفة الهدف بات واضحا ولكن كانت الأزمة بالنسبة لي كيف أتدبر في عمل لإشباع رغبتي في الكتابة، وكان هذا الأمر بالنسبة لي في غاية الأهمية.. فقد كانت القاهرة في ١٩٨٩ وإن شئت الدقة في نهاية ١٩٨٩ وكنت أسير في شارع شريف باحثا عن فرصة عمل تدر لي دخلا وبدأت أبحث في وظائف خالية عن أية وظيفة يمكن أن تعينني على الحياة في القاهرة.وفي أهرام الجمعة وقعت عيني على وظيفة ساعي يعلن عنها مكتب محامي في القاهرة ووجدت أن هذا المحامي كان يعمل رئيسا لمصلحة الضرائب قبل أن يفتح مكتبًا للمحاماة .. ووجدت نفسي مشدودًا إلى أن أتعرف على هذا الرجل والذي كان يشغل موقعا حكوميا مرموقا، وقولت في نفسي وظيفة لو قبلت فيها سوف تدر علىيّ دخلا يمكنني من خلاله التعايش منه في القاهرة والبحث عن طريقي وهو مجال الكتابة.. ولكن كان السؤال.. هل يوافق صاحب مكتب المحاماة على أن يقبلني ساعيا ولا سيما لو عرف أنني مؤهل عال، ولكن رغبتي كانت شديدة في قبول هذا العمل لكي أتمكن من التأقلم على جو القاهرة الغالي وأحاول قراءة ما يمكنني فعله مستقبلا ولا سيما وأنه ليس أمامي إلا شعورا قليلة وسوف ألتحق بالخدمة العسكرية. وبالفعل توجهت إلى العنوان مكان الوظيفة وكان في ١١ شارع سيف الدين المهراني أمام أحد الفنادق بميدان رمسيس ودخلت المكتب وعرفت من السكرتيرة أن المحامي اسمه مصطفى الصياد وكان عاشقا للشعر وكتابات الدكتور ذكي نجيب محمود ومؤلف لكتاب (  كليلة ودمنة ) هكذا عرفت فيما بعد لأنه قام بإهدائي نسخة منه.

على أية حال قدمتني سكرتيرته له وقالت مشيرة عليّ أنه الشخص الذي جاء من أجل وظيفة ساعٍ في المكتب ..نظر إليّ قائلا : –  اسمك ايه ؟ قلت له : أرمنيوس يا فندم .

فقال لي : منين يا أرمنيوس. قلت له بسذاجة من قرية ريدة يا فندم…قال لي فين ريدة ؟ قلت له في المنيا وكان رجلا يبدو عليه الوقار والهيبة وسريع الحركة وكان يبدو أنه خارج للتو على المعاش.

وفوجئت به يقول…” لكن شكلك مش  ساعي” .. “أنت معاك ايه مؤهل” .. ؟ خشيت أن يعرف مؤهلي ومن ثم يرفض عملي ساع.. “فقلت له معنديش مؤهل لكن أقرأ واكتب كويس” .. فقال تمام وأشار إلى السكرتيرة أن تأخذني معها ناحية المطبخ حيث الشاي والقهوة لكي أبدأ شغلي معه ساعيا في مكتبه وكانت فرحتي شديدة بهذا العمل لأن القوى العاملة كانت قد ألغت التعيينات منذ سنوات قليلة وعرفت أن الأستاذ مصطفى قرر لي مبلغا ٦٠ جنيها شهريا وفرحت جدا بهذا المبلغ لأنه كان يكفيني في الشهر بشكل لم أكن احتاج شيئا وأن العمل كان فترة مسائية فقط وهو ما أتاح لي فرصة القراءة وأخد نفسي في الوصول لعملي بشكل منتظم من سكني في شقة مفروشة بمنطقة إمبابة إلي ميدان رمسيس حيث مقر مكتب المحامي.

ولم استمر مع الأستاذ مصطفى الصياد إلا ثلاثة شهور وأيام قليلة حتى فوجئت بالسكرتيرة تخبرني بأن الأستاذ مصطفى عايزك .. قلت لها طيب أعمل له الشاى وأدخل إليه قالت لي الأستاذ مصطفى قال لي خلى أرمنيوس أول ما يوصل ميدخلش المطبخ .. خليه يدخل ليا على طول .. وحدث بالفعل دخلت عليه ..وفوجئت به يقول لي مبتسما.. أستاذ أرمنيوس أنت خريج ايه ؟ شعرت أنه عرف شيئا.. وجدت نفسي أقول له خريج تجارة.. فقال لي بكالوريوس يعني.. قلت له أه .. فقال مفيش حد قال لي حاجة ولكن أنا عرفتك من خطك وأسلوبك وقولت ل منى  السكرتيرة أرمنيوس “مش ساعي” .. لكن وراه حاجة .. عشان كده جبتك وسألتك وعايزك تحكي لي ليه رضيت تشتغل ساعيا .. فقلت له ما سبقته سلفا .. ربت على كتفي قائلا : أنت حد محترم وطالما أنت بتحب الصحافة أنا هساعدك وهقف معاك.. و”ادى كتاب ( كليلة ودمنة ) ده أنا عاملة وطابعه ودي نسخة هدية مني ليك وليا حد صديق يترأس مجلس إدارة جريدة الحياة المصرية اسمه محمد عمر الشطبي سوف أعطيك كارت له وأنت بتقول إنك رايح الجيش خلال أيام وأنا هكلمه بحيث وأنت في الإجازة من الجيش تيجي تدرب عنده في جريدة الحياة المصرية”.. وبالفعل أخذت الكارت منه وربت على كتفي وقال لي أنت لك أب هنا يا أرمنيوس أول ما توصل القاهرة من المنيا أو من الجيش تيجي عند عمك مصطفى الصياد .. أنت حد مكافح وأنا سوف أقف معاك ودي كانت بدايتي في بلاط صاحبة الجلالة من خلال الأستاذ العظيم مصطفى الصياد الذي لم أشعر أبدأ في خلال الفترة التي قضيتها معه في المكتب بأني مسيحي وهو مسلم بل موظف لدي صاحب عمل  عندما عرف بحقيقة وضعي المهني شعرت نحوه مثلما يشعر الابن نحو والده ومن ثم لا يمكنني أبدأ نسيان مصطفى أو عمو مصطفى الصياد المحامي وآخرين سوف يأتي ذكرهم في مقالات قادمة ما حييت.

SHARE

تعليق واحد

اترك تعليق