إسماعيل منتصر

يمكن للإنسان أن يغير مبادئه وأفكاره.. يمكنه أن يغير معتقداته وانتماءاته.. يمكنه أن يغير وطنه وجنسيته.. يمكنه حتى أن يغير جلده.. لكنه لا يغير أبدا انتماءاته الكروية!..

سمعنا عن سياسيين غيروا انتماءاتهم السياسية وتحولوا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والعكس.. سمعنا عن مسيحيين اعتنقوا الإسلام ومسلمين تحولوا إلى المسيحية.. سمعنا عن مواطنين تنازلوا عن أوطانهم وجنسياتهم ووضعوا كامل انتماءاتهم فى خدمة وطنهم الجديد، لكن هل سمعت عن أهلاوى تحول إلى مشجع زملكاوى؟.. هل سمعنا عن مشجع زملكاوى غير انتمائه الكروى وأصبح أهلاويًا؟!.. مستحيل.. ويستحيل أن يتحول مشجع أى ناد إلى مشجع للنادى المنافس.

حتى اللاعبين الذين يسمح لهم نظام الاحتراف بالانتقال من ناد إلى ناد.. ينتقلون أحيانًا للنادى المنافس فيلعبون له مخلصين ويبذلون كل ما فى وسعهم ليساهموا فى انتصاراته وحصوله على البطولات.. ومع ذلك يبقى فى القلب ما فى القلب.. إذا انتقل لاعب الأهلى للزمالك يظل فى داخله أهلاوى.. وإذا انتقل لاعب الزمالك إلى الأهلى يظل كمشجع مخلصا للنادى الذى يشجعه.

وليس لظاهرة التمسك بالانتماء الكروى أى علاقة بالانتصارات أو الهزائم.. أو عدد البطولات التى حصل عليها الفريق أو خسرها.

فى بداية الستينيات انحدر مستوى فريق الأهلى وكاد أن يهبط من مسابقة الدورى العام الممتاز لدرجة أن ترتيبه وصل إلى العاشر من اثنى عشر فريقا.. لكن ذلك لم ينتقص من أعداد مشجعيه.. ولا مشجع واحد.. والطريف أن المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية فى ذلك الحين وكان يعتبر كبير مشجعى الزمالك تدخل وأقام معسكرًا لفريق النادى الأهلى، وحوَّل لاعبيه إلى كتيبة عسكرية التزمت بكل قوانين العسكرية ومنها تقصير الشعر إلى درجة “الزيرو” كما هو معروف فى عملية التجنيد!

المهم أن مشجعى الأهلى ظلوا متمسكين بتشجيع فريقهم والوقوف وراءه حتى تجاوز محنته.. ولم يحدث أبدا أن تحول مشجع أهلاوى لتشجيع فريق الزمالك خلال هذه المحنة!

وفى السنوات الأخيرة خسر فريق الزمالك العديد من البطولات، ومنى بأكبر عدد من الهزائم من فريق الأهلى.. ورغم الخسارة ورغم الإحباط لم يفقد نادى الزمالك مشجعًا واحدًا من مشجعيه.

وأقصى ما يفعله المشجع إذا زاد حجم الإحباط، وزادت مساحة الخسائر أن يعلن المشجع غضبه على الفريق الذى يشجعه ويحاول التعبير عن هذا الغضب بأى طريقة.

الأستاذ صلاح منتصر وهو من الكُتّاب الصحفيين المرموقين.. كتب يقول إنه سيقوم بتجميد تشجيعه لفريق الزمالك حتى ينصلح حاله.. تماما كما تقوم الدول أحيانا بتجميد علاقاتها بدول أخرى.. لكنه لم يسمح لغضبه أن يصل إلى درجة تشجيع الفريق المنافس.. فريق الأهلى(!!!).

وإذا كان الإنسان يولد فيجد نفسه مسلمًا أو مسيحيًا.. أو يجد نفسه مصريا أو أجنبيا.. لكنه يولد بدون أى انتماءات كروية.. ليختار بنفسه انتماءه الكروى بسبب ظروف وأسباب ومواقف.

لعبت الكرة مع أقرانى من الجيران فى الشارع كما يفعل الملايين من المصريين.

كنت أتصور أننى لاعب موهوب لكن سرعان ما اقتنعت بالعكس.. واكتفيت بمتابعة أخبار الكرة من خلال الصحف التى لم أكن أقرأ منها إلا صفحات الرياضة.. أو من خلال الإذاعة التى كانت تنقل وصفا تفصيليا لمباريات الكرة خاصة مباريات الأهلى والزمالك.

ذات يوم سمعت المرحوم بدر الدين أشهر معلق رياضى إذاعى عرفته مصر.. سمعته ينقل وصفا لمباراة أقيمت بين الأهلى والزمالك.

كان وقت المباراة على وشك الانتهاء عندما انفرد لاعب الزمالك أحمد سليم بحارس مرمى الأهلى الأشهر فى تاريخه.. عبد الجليل.

تصدى عبد الجليل لمهاجم الزمالك وانطلق صوت المعلق بدر الدين منفعلا.. برافو جيلا (اسم الدلع لعبد الجليل) أنقذ فريقه من التعادل.. وهكذا انتهت المباراة بفوز الأهلى على الزمالك بهدفين لهدف واحد.

فكرت فى الكلمات التى قالها المعلق بدر الدين.. أنقذ فريقه من التعادل، لم ينقذ فريقه من الهزيمة وإنما من التعادل وهو ما فهمته على أن أقصى ما كان يتمناه فريق الزمالك هو التعادل مع الأهلى (!!!)

هكذا اتجهت فى صباى لتشجيع الأهلى.. وعرف والدى بذلك وأراد أن يضيف لعلاقتنا نوعا من الحيوية فزعم أنه زملكاوى!.. مع أننى كنت أعرف أنه لا يحب الكرة ولا يتابعها.

استمتعت كثيرًا بمسرحية التنافس الكروى التى كنت أمارسها مع والدى.. لكن المسرحية تحولت فى النهاية إلى واقع فترسخ فى قلبى حُب الأهلى وتشجيعه وتحول والدى إلى مشجع زملكاوى حقيقى!

وأظن أن كل مشجع كروى يستطيع أن يعرف كيف ومتى أصبح مشجعًا للفريق الذى يعشقه لو فتش جيدا فى ذاكرته.

ومشجعو الكرة فى الحقيقة لا يقفون على نفس درجة سلم التشجيع.. فهناك مشجع بدرجة محب.. وبدرجة متعاطف.. أو متحمس أو مجنون.. وحتى مجانين الكرة درجات، فهناك مجنون أول ومجنون ثان ومجنون جدًا!.. وفى النهاية فإن هذا التنوع هو أحد أسباب سحر كرة القدم.

والحقيقة أن اللقب الذى تشتهر به كرة القدم.. الساحرة المستديرة.. اسم على مسمى.. العالم كله يعشق كرة القدم، العالم كله تسحره الساحرة المستديرة.

وفى أفريقيا تحديدًا هناك سحرة متخصصون فى سحر الساحرة المستديرة!.. فمعظم الفرق الأفريقية تضم إلى أطقمها الفنية سحرة مهمتهم حضور مباريات الفريق ومساعدته على الفوز وإخفاء مرمى الفريق عن عيون المهاجمين فلا يتمكنوا من رؤية المرمى فتطيش كراتهم!.

وليس غريبًا بعد ذلك أن نعرف أن  كرة القدم تحولت إلى صناعة عالمية تفوق اقتصادياتها تجارة السلاح والمخدرات.

زمان كان أقصى ما يحصل عليه لاعب الكرة وجبة غذاء عقب التدريب ويوم المباراة.. اليوم أصبح اللاعبون يتقاضون الملايين وتحصل أنديتهم على الملايين.. وهناك الآن حقوق البث الفضائى وحقوق الرعاية.. وهناك إعلانات إما على ملابس الفرق الرياضية أو خلال وقت إذاعة المباريات، هناك أيضا سماسرة متخصصون فى تسويق اللاعبين ومراهنات ومكافآت وجوائز.. كل ذلك يقدر بالمليارات وليس بالملايين.

ولا أحد يعرف على وجه التحديد سر الساحرة المستديرة.. أسباب كثيرة قد يكون من بينها أنها تعبير مهذب عن رغبة غير مهذبة!.. فالنزعة البشرية تدعو البشر إلى الحرب والقتال والسعى لتحقيق الانتصار.. وإذا كانت كل هذه الرغبات غير المهذبة أصبحت ممنوعة بحُكم الحضارة والقانون والدين فإن كرة القدم يمكن أن تكون البديل المشروع لتحقيق هذه الرغبات المحرومة!

وربما لهذا السبب تقترن رياضة كرة القدم بكثير من حوادث العنف الدامية.

من بين هذه الأحداث ما شهدته مدينة مارسيليا الفرنسية من صدام بين مشجعى إنجلترا ومشجعى روسيا فى المباراة التى أقيمت بين الفريقين فى تصفيات كأس أوروبا عام 2016.. وقد تبادل مشجعو الفريقين قذف الزجاجات وعلب المشروبات التى كانوا يحملونها، لكن الشرطة الفرنسية تدخلت ونجحت فى تفريق الجمهورين.. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث قام الجمهور الإنجليزى فى اليوم التالى بمهاجمة قسم الشرطة والاصطدام برجال الأمن.

ويحظى الجمهور الإنجليزى على وجه العموم بشهرة واسعة فى مجال الشغب الكروى لكن من النادر أن تخلو ملاعب العالم من هذه الظاهرة السيئة.

لكن هل يمكن أن تؤدى حوادث شغب ملاعب كرة القدم إلى ما هو أسوأ من الشغب؟.. الإجابة نعم، فقد اندلعت حرب حقيقية بين دولتين فى أمريكا الجنوبية بسبب كرة القدم.

كان ذلك فى نوفمبر من عام 1969 حيث تقابل فريق السلفادور مع فريق هنداروس فى التصفيات المؤهلة لكأس العالم.. ورغم فوز فريق هنداروس بهدفين نظيفين إلا أن مشجعى الفريق الهندوراسى قاموا بالاعتداء على جمهور السيلفادور.. وعقب المباراة طارد الجمهور الهنداروسى أبناء جالية السيلفادور فى الأحياء التى استقبلتهم كمهاجرين.. واندلعت الحرب بين الدولتين واستمرت ستة أيام سقط خلالها 2200 جندى من الجانبين.. ولم تتوقف هذه الحرب اللعينة إلا بعد تدخل ليندون جونسون الرئيس الأسبق لأمريكا.

ولا تخلو ملاعب الكرة فى مصر من حوادث الشغب والسبب هو التعصب الكروى الذى وصل إلى نقطة اللا عودة والذى صنعه الإعلام الرياضى غير الواعى.

كان معظم مشجعى كرة القدم فى مصر يتمتعون بروح رياضية عالية.. على سبيل المثال كنت عضوا بنادى الزمالك وجمعتنى صداقة بأعضاء النادى الزملكاوى.. بل كنت صديقا للمدرب الشهير حنفى بسطان ولاعب الزمالك الشهير أحمد رفعت.. رحمهما الله.. وكنت أحضر كعضو فى النادى المباريات التى تقام على ملعب الزمالك.. حيث كان يخصص لأعضاء النادى أحد مدرجات الملعب.. ورغم أن كل من كان يجلس حولى من مشجعين هم من أعضاء نادى الزمالك، لكن ذلك لم يكن يمنعنى من تشجيع الفرق المنافسة للزمالك وأحيانا كنت أصرخ بأعلى صوت وأهتف ضد لاعبى الزمالك.. لكن تعبيرى عن حبى للأهلى وتشجيعى له لم يفسد للود قضية!

اليوم اختلف الحال وأصبح من واجبات أجهزة الأمن الفصل بين الجماهير خلال المباريات خوفا من صدام لا تحمد عقباه.

كل ذلك صنعه الإعلام الذى نجح فى تحويل الهزيمة الكروية إلى عار يخجل منه مشجعو الفريق المهزوم ويتمنون لو أن الأرض ابتلعتهم!

فاز الأهلى يوما على الزمالك بهدفين مقابل هدف فصدرت جريدة المساء فى اليوم التالى بعنوان لازلت أذكره “وكسر الأهلى عين الزمالك”(!!!).

هكذا زرع الإعلام بذرة الشر فى ملاعبنا!

SHARE

اترك تعليق