مرة أخرى تقابلنا بعد مرور ١٥ سنة، بوجهه البشوش وابتسامته الصافية وروحه المرحة التي لم تتغير أبدا، حتى بعد عودته لقضاء إجازته، حيث يعمل في ألمانيا مهندسًا بمجال علوم الفضاء، إنه واحد من أعز أصدقائى وأكثرهم قربًا مني. فور اتصالي به لتهنئته على سلامة الوصول لأرض الوطن أصر على دعوتي للغداء في منزله بالقاهرة، ولعل أكثر ما لفت نظري خلال زيارتي له هم أبناءه وسلوكهم الراقي، لم أكن أتخيل أن حفاوتهم وترحيبهم بي هي عفوية وتلقائية منهم وليست توجيهًا وأمرًا مباشرًا باحترام وإكرام الضيف .

ربما تحدثت كثيرًا في مقالات سابقة عن أهمية توعية الأجيال المعاصرة وأهمية التقرب منهم ودفعهم لتصحيح مسارهم بنصحهم المستمر وتصدير التجارب والخبرات لهم، ولعل السؤال الملح علينا، دائمًا ما يبدأ بكيف؟ .

كيف نستطيع إقناعهم بضرورة مساعدتهم في إدارتهم لأمور حياتهم المتداخلة ! ، في ظل احتضان التكنولوجيا الحديثة لهم وسيطرتها عليهم بشكل كبير وصادم ، للدرجة التي أصابتهم بجنون العظمة لمجرد نجاحهم في إدارة جهاز كمبيوتر وإضافة بعض البرامج وحذف أخرى بل والقدرة على تطوير بعض الأفكار. التقنية التي تثبت كل يوم أننا نمتلك طاقة بشرية مهولة، ولكننا لا نستطيع أن نتحكم بها ونحفز طاقاتها المتقدة؛ لنفشل في ايصالهم إلى بر الأمان، وهم الآن أشبه بالربوت المفعم بالذكاء الاصطناعي المبرمج. لا يوجهه ويأمره إلا صاحبه، وللأسف أيضا أننا فقدنا قدرتنا على توجيههم بعدما دفعناهم فرحين للاستقلال التام بعيدًا عنّا ، ليتركوا تواصلنا القاصر في نظرهم ويفضلوا علينا تواصلهم الصامت مع مواقع التواصل وغيرها.

صديقي المغترب فاجأني بوصوله لحل المعادلة الصعبة، عندما تبادلنا أطراف الحديث عن الأجيال الجديدة، قائلا لي وهو يبتسم: إن تلك المشكلة لا تعاني منها مصر فقط بل كل الشعوب العربية تقريبا، وهي من وجهة نظره كفقدان رائد الفضاء للإتصال بالأرض، فسألته ضاحكا: وهل نجحت مركبتك الفضائية في الإتصال أخيرا بمركزها على كوكبنا؟ ، فقال واثقًا: هل رأيت مدى قرب أبنائى منك عند دخولك المنزل وهم يمرون بأصعب فترات حياتهم وأعقدها اجتماعيًا ونفسيًا وهي فترة المراهقة، وهم أيضًا الذين ولدوا وعاشوا بمجتمع أوروبي وعادات وتقاليد بعيدة مهما بلغت من تقدم ورقٍ كل البعد عن حميميتنا العربية ودفئها. فعاجلته بالسؤال، ما السبب؟ . فأخبرني أن أبناءه طلبوا منه قبل زيارتك أن يدلهم على كتاب يقرأونه عن اتيكيت معاملة الضيف في مصر ، كي لا يقصروا في استقبالك.

وأضاف قائلًا: وهل تعرف أيضًا أن بحثهم ونهمهم للقراءة الجادة والمثمرة هي في الأساس نبتة صغيرة زرعتها فيهم منذ نعومة أظفارهم ، فما أن تعلموا وأجادوا القراءة والكتابة وفرحوا لذلك، حتى أثقلت فيهم ملكة البحث والاطلاع، وكانت مكتبتي الصغيرة التي بدأتها ب ٥ كتب متنوعة مناسبة لمداركهم الناشئة هي كلمة سر ارتباطهم بقيمة الحصول على المعلومات المفيدة دينيًا وثقافيًا وتوعويًا، وكيفية اكتشافهم للآخر المختلف معهم وأهمية احترامهم لهذا الاختلاف المنطقي وحدود هذا الاحترام وكذلك قدرتهم على تحديد المسافة المطلوب الحفاظ عليها بينهم وبينه، بل وقمت بتشجيعهم وأقمت لهم مسابقات حول ما قرأوا من كتب، ومنحت في النهاية كلا منهم جائزة تقديرًا لمجهوداتهم ، وقصدت أن أضع لهم كتابًا واحدًا بين الكتب شاذا في أفكاره وبه معلومات غير مفهومة ومغلوطة، وسألتهم جميعًا عن كتاب وجدوا أنه مختلف ويصعب عليهم تدارك بعضا مما جاء فيه ، وما أهم ما استوقفهم خلال القراءة ، فأجمعوا على هذا الكتاب. لأبلغهم بذلك أن ليس كل ما يقع تحت أيدينا من معلومات سيكون صحيحًا مئة بالمائة ولذلك شذ هذا الكتاب عن مضمون ما عرفوا وقرأوا، بل توجد بعض الكتب قد يكون الهدف منها هو النيل منهم ومن مقدراتهم بخلط الحق بالباطل وعليهم أن يكونوا حذرين، ولا بد من التواصل مع الأكبر سنًا من المتخصصين وأهل الثقة وضرورة الحوار مع الأب والأم لمعرفة بعض الحقائق التي يدس خلالها السم في العسل عن قصد، وتابع صديقي الملهم حديثه معي وأنا مندهش من فلسفته في احتواء أبنائه وطريقته العبقرية، قائلًا: إنه لم ينس إقحام أدوات التكنولوجيا الحديثة بنفسه في حياتهم ولكن شيئا فشيء، عندما أخبرني أنه وبعد تأكده من إدمان أبنائه للبحث عن الحقائق، أحضر لهم جميعًا جهاز لاب توب وقسم وقت استخدامه بينهم وبدأ يتأكد بنفسه دون أن يعرفوا أنهم اهتموا بتحصيل المعلومات وقراءة الموضوعات المهمة والمناسبة لمراحلهم السنية، ليهادي كل منهم بجهاز مستقل، بعدما أصبح في النهاية بمقدورهم قيادة التكنولوجيا بحكمة وليس العكس .

وربما ما فعله صديقي مع أبنائه هو ما يفسر الكيفية الصحيحة لإبداع أفكار اتصالية خلاقة ترسخ حميمية الترابط المثمر بين الأجيال، لينتصر أخيرًا ويستطيع أن يفك شفرة المستحيل التي أوهمتنا بها سلبيات التقدم التقني والتكنولوجي والتشكيك في قدرتنا على وضع خطة لتقويض الأهداف غير الشرعية لتفكيكنا وهلهلة مجتمعاتنا شيئًا فشيء .

SHARE

اترك تعليق