إسماعيل منتصر
هذه مجموعة من الحكايات القصيرة آخر ما أستهدفه من روايتها تسلية القارئ.. وإنما هدفى أن أدعوه ليفكر معى فى إجابة عن السؤال التالى.
هل نعيش نحن وأمثالنا على نفس الكوكب الذى يعيش عليه أمثالهم.. أم أن هناك كوكب أرض آخر لا نعرفه ولم يسبق لنا العيش فوقه؟!
فقط أنصح القارئ قبل أن يقرأ إذا كان يعانى من مرض ضغط الدم أن يحتفظ بحبة من دوائه وهو يقرأ.. وحتى لو لم يكن مريضا بالضغط.. من الأفضل أن يحتفظ بحبة من دواء مهدئ.. اتفقنا.
.. هيا بنا نقرأ..
الحكاية الأولى من اليابان وتقول الحكاية إن شركة السكك الحديدية اليابانية ارتكبت خطأ شنيعًا فظيعًا قررت معه أن تقدم اعتذارًا رسميًّا للركاب نشرته فى الصحف وأذاعته فى الفضائيات.
الخطأ الشنيع الفظيع الذى ارتكبته الشركة لم يكن تأخر أحد القطارات عن موعده بعدة ساعات مما أدى إلى تعطيل مصالح الركاب.. ولم يكن انقلاب أحد القطارات أو خروجه عن القضبان.. الخطأ الشنيع الفظيع كان أكبر من ذلك بكثير.. حيث انطلق أحد القطارات قبل موعده بخمسة وعشرين ثانية.. نعم ثانية!
الشركة لم تكتف بالاعتذار ولكنها قررت إجراء تحقيق موسع يشمل عددًا غير قليل من المسئولين لمعرفة المقصر بعد أن تكرر وقوع هذا الخطأ الشنيع الفظيع.. ففى العام الماضى حدث أن انطلق أحد القطارات قبل موعده بعشرين ثانية (!!!)
الحكاية الثانية من اليابان أيضا وقد سمعتها بنفسى من الراحل الدكتور أسامة الباز المستشار السياسى للرئيس الأسبق حسنى مبارك.
قال الدكتور أسامة الباز إنه طلب من المسئولين خلال إحدى زياراته لليابان زيارة أحد المصانع الكبرى ليرى بنفسه كيف يعمل اليابانيون.
استجاب المسئولون لطلب الدكتور الباز، لكنهم طلبوا منه الحضور إلى المصنع المقرر فى وقت مبكر لأنه سيكون هناك إضراب عام فى الساعة الثانية عشرة ظهرًا.
ذهب الدكتور الباز فى موعده وقام بجولة واسعة لكنه لاحظ أن العمال استمروا فى عملهم رغم أن الساعة تجاوزت الثانية عشرة.. موعد الإضراب الذى تحدثوا عنه.
سأل الدكتور الباز مرافقه لماذا تأخر وقوع الإضراب حتى الآن.. لكنه فوجئ بمرافقه يقول له مندهشا.. الإضراب بدأ فى موعده تماما.. ألا ترى الشارات الحمراء التى وضعها العمال فوق أيديهم؟!
لكن العمل لم يتوقف.. كان ذلك هو سؤال الدكتور الباز.. ورد المرافق ولماذا يتعطل العمل ويتوقف بسبب الإضراب؟!
يقول الدكتور أسامة الباز إنه شعر بأن رأسه تدور وكأنه تعرض لإغماءة سريعة (!!!)
الحكاية الثالثة من قرية اسمها هوبرت بجزيرة تسانيا الأسترالية.. وإذا أردت أن أختار لها عنوانا فسيكون العنوان المناسب هو الأشجار تثمر ثيابًا!
بطل القصة صبى صغير اسمه أوليفر إدواردز.. قرر أن يجمع تبرعات هو وأمه لشراء ثياب ثقيلة لفقراء قريته تحميهم من برد الشتاء.
جمع ادواردز التبرعات المطلوبة وقام بشراء الثياب ولأنه يعرف أن أبناء قريته يصعب عليهم أن يمدوا أيديهم ويقبلوا الإحسان نظرًا لما يتمتعون به من عزة نفس.. فكر ادواردز فى طريقة يحصل فيها المحتاجون على ما يحتاجون دون جرح مشاعرهم.
وهكذا قام الصبى الصغير هو وأمه بلف الملابس الثقيلة حول جذوع الأشجار وفوق كل منها خطاب صغير يقول: تستطيع أن تحصل على هذا الثوب إن كنت محتاجا له.. وهكذا نجحت فكرة الصبى الصغير فى ارتداء الفقراء للملابس الثقيلة الغالية دون أن يهينوا كرامتهم!
رحم الله الإمام محمد عبده الذى قال بعد زيارته لأوروبا.. رأيت إسلاما ولم أر مسلمين (!!!)
الحكاية الرابعة من ألمانيا التى أعلنت مؤخرًا إفلاسها.
لم تعلن ألمانيا إفلاس بنوكها أو إفلاس اقتصادها ولكنها أعلنت إفلاسها من القمامة.. نعم لم تعد ألمانيا تجد القمامة مع أنها تحتاج إليها(!!!)
الحكاية أن ألمانيا قامت باستهلاك كل ما تحتفظ به من مخزون القمامة.. والقمامة فى ألمانيا إما أن يعاد تصنيعها من جديد أو تستخدم كوقود فى محطات توليد الكهرباء.. ويحقق ذلك لألمانيا أرباحًا تصل إلى مائة مليار يورو سنويا.
ولأن الحكومة تريد استمرار مصانع تدوير القمامة فى عملها.. ولأنها لا تزال تعتمد على القمامة كوقود.. قررت الحكومة الألمانية استيراد القمامة من الخارج.. وقد بدأت بالفعل فى استيراد القمامة من إيطاليا بسعر مائة يورو للطن الواحد.. وتجرى حاليًا مفاوضات مع هولندا والدانمارك لإمداد ألمانيا بما تحتاجه من قمامة (!!!)
بقى أن تعرف أن القانون الألمانى يلزم أصحاب المنازل بوضع قمامتهم فى أربعة أكياس كل منها مخصص لنوع من القمامة.. كيس لبقايا الطعام وكيس للأوراق وكيس للبلاستيك وكيس للزجاج.. أما بطاريات الأجهزة الكهربائية وأسلاك الكهرباء وما شابهها فيتم استدعاء موظفين مخصصين لجمع هذه المواد الخطيرة على البيئة والتخلص منها فيما بعد بطريقة آمنة (!!!)
الحكاية الخامسة من ألمانيا أيضا وقد رواها لى أستاذى وصديقى الدكتور حسن الشريف أستاذ علم الوراثة بكليات الزراعة.. قال لى الدكتور حسن إنه سافر إلى ألمانيا للحصول على الماجستير والدكتوراه وذلك فى منتصف الستينيات وأنه استقر هناك وتزوج من سيدة ألمانية.
أقام الدكتور حسن فى إحدى الشقق السكنية وكانت شقيقة زوجته تقطن فى الطابق الذى يعلو طابقه.
كانت شقيقة زوجته حاملاً فى شهرها الأخير عندما اضطر زوجها للسفر فى عمل فجاءت أمها تقيم معها.
ذات ليلة وبينما كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحا ظهرت علامات الولادة على شقيقة زوجته فاستنجدت به حماته.
ارتدى الدكتور حسن ملابسه بسرعة واصطحب معه فى سيارته حماته وشقيقة زوجته.
بالقرب من منزله كان هناك تقاطع رئيسى وكانت الإشارة حمراء.. نظر الدكتور حسن يمينا ويسارا فلما تأكد من عدم وجود أحد كسر الإشارة وانطلق مسرعا إلى المستشفى.
وصلت الأحداث لنهايتها السعيدة وعادت شقيقة زوجته إلى منزلها بصحبة مولودها.. وبعد أسبوعين تقريبا وبينما كانت الأسرة كلها مجتمعة حول المولود وصل خطاب للدكتور حسن من إدارة المرور يخبره بضرورة دفع غرامة (هائلة) لأنه كسر الإشارة يوم كذا الساعة كذا عندما كان ذاهبا بشقيقة زوجته إلى المستشفى.
ضرب الدكتور حسن كفًّا بكف وقال بصوت عال وكأنه يكلم نفسه: من الذى رآنى فى هذا الوقت المتأخر؟.. من الذى أبلغ عن المخالفة التى ارتكبتها.. ولم تكن أيامها كاميرات المراقبة قد انتشرت؟..
فوجئ الدكتور حسن بحماته تقول له: أنا يا حسن التى أبلغت عنك لأنك ارتكبت خطًأ كبيرًا كان من الممكن أن يعرض حياتنا وحياة الآخرين للخطر (!!!)
لم أفهم حتى الآن، هل هى “قلة أصل” من حماة الدكتور حسن أم أنه شعور عميق بالانتماء والمسئولية والتحضر؟!
الحكاية السادسة من أمريكا وقد رأيت فيها العجب..
زرت أمريكا فى فترة الثمانينيات ضمن وفد صحفى مصرى لتغطية الانتخابات الرئاسية.
كان مقررًا أن تستمر زيارتنا شهرًا بأكمله نزور خلاله ست ولايات أمريكية.. وفور وصولنا إلى العاصمة واشنطن وقبل أن نصعد إلى غرفنا فى الفندق الذى نزلنا فيه تسلم كل واحد منا ورقة مطبوعة تشمل جدول زياراتنا ولقاءاتنا والأماكن التى سنذهب إليها طوال مدة إقامتنا بأمريكا.
لفت نظرى أن الورقة مطبوعة وأنها كانت توضح بدقة بالدقيقة وبالثانية مواعيد لقاءاتنا والأماكن التى سنذهب إليها.. ليس فى العاصمة واشنطن وإنما فى كل الولايات الست الذى زرناها.
تضمن الجدول المطبوع لقاءات مع أعضاء للكونجرس وصحفيين وزيارات للبيت الأبيض ووزارة الخارجية ومبنى الكونجرس وحضور مؤتمرات انتخابية واحتفالات.. ولم يحدث على امتداد الشهر الذى قضيناه فى أمريكا أن تغير موعد واحد.
الجدول كله الذى تم إعداده قبل وصولنا تم تنفيذه بمنتهى الدقة بدون أى تأخير وبدون أى إلغاء.. كيف؟ لا أعرف الإجابة حتى اليوم!
سافرنا يوما بالسيارة من العاصمة واشنطن إلى ولاية فيرجينيا القريبة.. لاحظت أن الطريق ينقسم إلى ثلاث حارات.. حارة واسعة فى الوسط وحارتين أضيق يمينا ويسارا.. سألت المرافق فشرح لى السبب.
قال إن الحارتين اليمنى واليسرى يتم استخدامهما مثل أى طريق.. أما الحارة الوسطى فهى تستخدم للذهاب من فيرجينيا إلى واشنطن فى الصباح والعكس فى المساء!
لماذا؟.. لأن الغالبية تسكن فى فيرجينيا ويذهبون للعاصمة فى الصباح ومن ثم يكون اتجاه الطريق من فيرجينيا إلى واشنطن.. أما فى المساء وعند انصراف الموظفين وعودتهم إلى منازلهم يصبح اتجاه الطريق من واشنطن إلى فيرجينيا.
ومضى المرافق يوضح لى حقيقة الأمر فقال إن الحارة الوسطى الواسعة والتى يتغير اتجاهها صباحا ومساء لا تستخدم إلا بالنسبة للسيارات التى تحمل أربعة ركاب على الأقل وذلك بهدف تشجيع أبناء الحى الواحد على توفير سياراتهم الخاصة وتبادل استخدامها سويا للاستفادة من ميزة الحارة الوسطى الأوسع والأسرع!
هكذا كانوا يفكرون فى الثمانينيات ولا أعرف اليوم إلى أين وصل بهم تفكيرهم!
الحكاية السابعة والأخيرة من أمستردام بهولندا.. والحكاية هى سوق الخضار الذى تدخله فينشرح قلبك من منظر الفاكهة والخضر والسوق كله لا يعمل به أى موظف.. وكل المطلوب منك إذا أردت الشراء أن تمد يدك وتأخذ ما تريد من عبوات مغلفة وتضع نقودك فى صندوق مخصص لذلك.. وإذا كان لك باقٍ.. افتح الحقيبة الموجودة بجوار الصندوق وستجدها مليئة بالفكة الصغيرة فتحصل منها على حقك!
انتهت الحكاية التى أردت أن أرويها لك.. فهل تصدق؟!
لا أسألك إن كنت تصدق هذه الحكايات وإنما أسألك هل تصدق أننا وأنهم نعيش فوق كوكب واحد؟!
SHARE

اترك تعليق