حقوق الإنسان

كتب: هيثم سعيد

أوضحنا فى الحلقة السابقة تاريخ نشأة مؤسسات حقوق الإنسان في مصر، فى مرحلتها الأولى ووصفنا هذه النشأة بأنها كانت غير سوية، حيث أتت وفق مخطط استراتيجي أمريكي للتوغل داخل أعماق الدول، وزعزعة أمنها واستقرارها.

ونستعرض في هذه الحلقة المرحلة الثانية فى تاريخ تلك المؤسسات في مصر، والذي بدأ عقب انتهاء حرب الخليج بين الكويت والعراق 1991، واستمر حتى أحداث 11 سبتمبر 2001، التي شكلت واقعاً آخر  غاية في الخطورة على الدول العربية.

المرحلة الثانية: بداية التمويلات الأجنبية وسط صراعات مشتعلة

بدأت المرحلة الثانية فى تاريخ حقوق الإنسان في مصر، فى أعقاب حدثين عالميين شكلا معاً تغيرات سياسية جذرية على الصعيدين العربي والدولي.

وخلال الفترة التي تبعت حرب الخليج “فبراير 1991” ضد العراق بمشاركة 33 دولة تحت قيادة أمريكية ثم انهيار الاتحاد السوفيتي “ديسمبر 1991″، شهدت الكثير من دول العالم خاصة الأقطار العربية طفرة تضخمية غير مسبوقة في أعداد المنظمات المدنية غير الحكومية.

وتُعرف منطمات المجتمع المدني على أنها المؤسسات العاملة في المجتمع دون تدخل الدولة، ووفق مبادئ وأهداف معلنة اتفقت عليها شرائح مجتمعية معينة ضمن برامج معدة، ويحكمها النظام الداخلي والهيكل التنظيمي الذي تنتمي له، وتشمل الكيانات السياسية والنقابات والاتحادات المهنية والجمعيات الخيرية والإنسانية والأهلية.

نواة قبول التمويل الأجنبي

مع نشوب حرب الخليج عام 1991 واجتياح العراق للأراضي الكويتية، انقسمت الدول العربية بين مؤيد ومعارض، وتبعها توقف التمويل الكويتى للمنظمة العربية لحقوق الإنسان ومن ثم للمنظمة المصرية.

وعند تلك اللحظة بدأت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان التفكير في قبول التمويل الأجنبي، وكانت أولى مراحل الانقسام وشق الصف داخل هيكلها التنظيمي.

انقسمت المنظمة المصرية إلى فريقين، الأول يرى ضرورة قبول التمويل الأجنبي والآخر عارض بشدة، وبين هذا وذاك ظهر تيار ثالث وسطي تزعمه الحقوقي عبدالله خليل والمرحوم محمد السيد سعيد ونادى بقبول التمويل مدعوماً بثلاثة شروط: ” عدم قبول التمويل الأجنبي من الحكومات، وأن تكون الجهة المانحة مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني في استعادة أراضيه، ويتم الإعلان عن مصادر التمويل”.

وفتحت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان خزينتها للتمويل الأجنبي لأول مرة، فحصلت خلال تلك السنة على تمويلات وفيرة من الجهات التالية:

_ المنظمة الهولندية للتعاون الإنمائي ” نوفيب”

_ هيئة الكنيسة السويدية

_ منظمة ” أوكسفام”

_ الصندوق الأوروبي لحقوق الإنسان

_ مؤسسة “جلوبال” للنساء

_ المركز الدولي لحقوق الإنسان وتنمية الديمقراطية

_ الصندوق السويدي لتمويل المنظمات غير الحكومية

احتدام الصراع بين الناصريين واليساريين

وتأسست المنظمة العربية لحقوق الإنسان عام 1983، كأول منظمة دولية تهتم بتعزيز حقه في الدول العربية، وبدعوة من قيادات الفكر القومي واليساري فى ذلك التوقيت، على رأسهم محمد فايق رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان حاليًا، والدكتور  سعد الدين إبراهيم، والراحل الدكتور يحيى الجمل، وغيرهم من القوميين واليساريين.

وتأسست المنظمة المصرية لحقوق الإنسان عام 1985، كفرع للمنظمة العربية تحت مسمى ” الفرع المصري للمنظمة العربية لحقوق الإنسان”.

وترأسها الراحل محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق وضم مجلس أمنائها أغلبية من قيادات اليسار والناصريين، على رأسهم بهي الدين حسن الذى انتخب أول أمين عام، ونجاد البرعي الذي تولى منصب أمين الصندوق، وعضوية أحمد نبيل الهلالي قديس اليسار المصري، وعايدة سيف الدولة، وهاني شكر الله، ومحمد السيد سعيد، وغيرهم.

 وفي عام 1993، أسس الثنائي اليساري أحمد سيف الإسلام، وهشام مبارك ” مكتب المساعدة القانونية لحقوق الإنسان”، وانقسم عقب وفاة مبارك عام 1999، إلى مركز ” هشام مبارك للقانون” لسيف الإسلام ، ومركز ” المساعدة القانونية” لعماد مبارك.

وفي نفس العام، أسست عايدة سيف الدولة، مركز “النديم” للتأهيل النفسي لضحايا التعذيب.

وفي يناير 1994 كانت الحركة الحقوقية على موعد مع أول انقسام سياسي بين قيادات وأعضاء المنظمة المصرية من اليساريين والناصريين.

وبعد صراع مرير تغلب الناصريون في النهاية، حيث فاز السفير نجيب فخري بمنصب رئيس المنظمة، ونجاد البرعي بمنصب الأمين العام، والقيادي الناصري أحمد عبدالحفيظ أمينًا للصندوق، وضمت قائمة مجلس أمناء المنظمة عددًا من القيادات الناصرية “مصطفى بكري، أميرة بهي الدين، محمد منيب جنيدي، ياسر حسن، حسنين كروم”.

وبعد هذا الفوز الناصري الكاسح انسحب اليساريون واتجهوا إلى العمل المنفرد، حيث تقدم بهي الدين حسن باستقالته، وأسس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان كمنظمة غير حكومية إقليمية مستقلة.

وعاد حلمي شعراوي إلى مركزه ” مركز البحوث العربية”، وأسس المحامي أمير سالم ” مركز المعلومات والدراسات القانونية”.

واستقال المحامي اليساري هشام مبارك رئيس وحدة العمل الميداني من المنظمة المصرية، وبعد حصوله على جائزة “ريبوك” عام 1994، والمقدرة بـ 25 ألف دولار، افتتح مركزه الخاص ” مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان”، ومعه اليساري الآخر  أحمد سيف الإسلام.

وقدم المرحوم المحامي سيد فتحي والناشطة الحقوقية منال الطيبي والناشط جمال عيد استقالاتهم وانتقلوا للعمل مع هشام مبارك في مركزه الجديد.

وتولى حافظ أبوسعدة “الرئيس الحالي للمنظمة المصرية”، منصب مدير وحدة العمل الميداني ومحمود قنديل نائبًا له، ومعهما المحاميان الناصريان رضا عبدالعزيز وسيد الطوخي القيادي بحركة الكرامة الآن.

ظهور صراع آخر بين الناصريين أنفسهم

بعد تنحي اليساريين وتقديم استقالاتهم تباعاً من المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ظهر صراع آخر داخل المنظمة بين الناصريين أنفسهم، بعدما انقسموا إلى فريقين متناحرين والذي عُرف وقتها بـ”صراع الأجنحة الناصرية”.

الفريق الأول كان مجموعة الناصريين الميثاقين، وتزعمهم “نجاد البرعي، أحمد عبدالحفيظ، ناصر أمين، حافظ أبوسعدة، بينما كان الفريق الثاني هو مجموعة المنهجيين الذي تزعمهم “ضياء الدين داوود، والمحامي محمد منيب والإعلامي محمد بسيوني”.

انتهى هذا الصراع بفوز مجموعة المنهجيين وتقدم نجاد البرعي باستقالته، وتولى محمد منيب منصب الأمين العام.

هدنة مؤقتة وسط الحرب ثم انفجار الصراع

اشتد الصراع بين المنظمة المصرية التي تحكم فيها الناصريون، ومركز المساعدة القانونية الذي ضم اليساريين المنفصلين عن المنظمة.

ظهرت بوادر هدنة مؤقتة بين الثنائي المتناحر بدعوة من المفكر الليبرالي الدكتور سعيد النجار مؤسس جمعية “النداء الجديد”، ومعه الدكتور سعد الدين إبراهيم مؤسس “مركز ابن خلدون”، للتنسيق من أجل تنفيذ أول حملة لمراقبة الانتخابات التشريعية في مصر عام 1995.

وتكونت الحملة من ” جمعية النداء الجديد، ومركز ابن خلدون، والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ومركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، ومركز المحروسة برئاسة فريد زهران”.

 ورغم توزيع العمل بين فريق الحملة إلا أن سرعان ما دب الخلاف بين المنظمة المصرية ومركز المساعدة، وأصدر كل منهما تقريرًا منفصلًا دون تنسيق مما أشعل فتيل الأزمة، ولم تهدأ حدة الصراع بينهما إلا بعد الموت المفاجئ لهشام مبارك مدير مركز المساعدة.

وانقسم مركز المساعدة القانونية بعد وفاة هشام مبارك، فينسحب كرم صابر لتأسيس “مركز الأرض”، وانتقل المحامي سيد فتحي للعمل بمكتب المحامي نبيل الهلالي، وغادر ناصر أمين لتأسيس مركزه ” المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة”.

ثم ينقسم مركز المساعدة القانونية الذي أسسه هشام مبارك ليصبح مركز “هشام مبارك للقانون” وضم فريقه جاسر عبدالرازق وأحمد سيف الإسلام وخالد علي، وجمعية “المساعدة القانونية لحقوق الإنسان” بقيادة محمد عبدالمنعم وطارق خاطر وسمير الباجوري.

وفي تلك الفترة التي شهدت التناحر والصراع بين الناصريين واليساريين، تأسست مؤسسة قضايا المرأة المصرية عام 1995، بهدف تقديم الدعم والمساندة القانونية للمرأة المصرية، وتم إشهار المؤسسة تحت رقم 1829 لسنة 2003 وفقا لقانون الجمعيات الجديد رقم 84 لسنة 2002.

وأسس محمد زارع ” جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء” عام 1997، كشركة مدنية غير ربحية، هدفها تقديم المساعدات القانونية للسجناء وتطالب بإصلاح أوضاع السجون حتى تصبح أماكن مناسبة للإصلاح والتأهيل.

واختتمت الحركة الحقوقية في مصر عصرها الثاني مع إلقاء القبض على سعد الدين إبراهيم في سبتمبر عام 2000، ووجهت إليه أربع اتهامات هي “تلقى تمويلات من الخارج دون الحصول على ترخيص حيث تلقى 271 ألف يورو من الاتحاد الأوروبي بغير ترخيص سابق، واذاعة بيانات كاذبة وشائعات مغرضة تتعلق ببعض الأوضاع الداخلية للبلاد، النصب على الاتحاد الأوروبي بتقديم أوراق مزورة بهدف الحصول على أموال، والاتفاق الجنائي على تقديم رشوة”.

وفي حلقتنا المقبلة نستعرض المرحلة الثالثة فى تاريخ حقوق الإنسان في مصر، والذي بدأت على أنقاض تفجيرات 11 سبتمبر 2001، وإطلاق كولن باول وزير الخارجية الأمريكية مبادرته التي عرفت بمبادرة الشرق الأوسط الكبير، ورصد 30 مليون دولار لمنظمات المجتمع المدني للتوغل في أعماق السياسات الداخلية.

SHARE

اترك تعليق