دار المعارف 

إعداد: 
أحمد سمير – نجلاء علاء الدين – محمد سعيد

عيدهم فى السماء، هذا هو العيد الحقيقى للشهداء، شهداء الشرطة تحديدا من نقصدهم فى هذه التقدمة، وأجرهم عند الله، الذى لا يضيع أجر من أحسن عملا سبحانه.

أيام قليلة وتحل ذكرى أبطال مصر الأوفياء الذين لاقوا ربهم، وهم يدافعون عن رمز الوطن، عن حصنهم، مديرية أمن الإسماعلية، وسقطوا واحد وراء الآخر قابضا على سلاحه، ولم يجبن أو يحنى هامته للمستعمر الإنجليزى، فكان يوم الشرف هذا الذى مر عليه ما يقرب من ثلاثة أرباع قرن من الزمان، مناسبة خلدت عيدا للرجال، فصار عيد الشرطة يحل علي مصر فى الخامس والعشرين من شهر يناير من كل عام.

شرطة مصر ورجالها المخلصين، الذين جبلوا على التضحية بأرواحهم، عنهم تحدث ولا حرج، فمصنع الرجال لم يتوقف عن إنتاج أبناء وأحفاد حملوا المسئولية وواصلوا تقديم التضحيات، كانوا ومازالوا.

وخلال الأعوام الثمانية الفائتة قدم رجال الداخلية أمثلة رائعة، أظهروا فيها شجاعة، وسطروا بطولات، ولم يتراجعوا، ولم ترتعش أيديهم، بعد زيادة وتيرة العنف والإرهاب، وسقوط المئات منهم، خلال السنوات التالية لهذه الثورة والتى تقترب من 5 سنوات، فى أعقاب ثورة الشعب الصرى فى 30 يونيو 2013، حين اختار المصريون إزاحة جماعة الخراب والدمار والإرهاب المسماة “الإخوان” من الحكم.

ومع احتفالنا القادم بعيد الشرطة، فمن الواجب علينا أن نستعيد ذكرى من رحل منهم وهم يؤدون واجبهم تجاه وطنهم وأهليهم، ونترحم عليهم، وندعو لذويهم، بأن يربط الله على قلوبهم وينزل عليهم السكينة والصبر والسلوان.

وفى التالى من سطور نقدم قبس من سيرة الرجال “شهداء الواجب” هذه السيرة التى أصدرتها “دار المعارف” فى مجلد ضخم، وننشرها نحن على 4 حلقات.

ضحى بنفسه..للحفاظ على الاستقرار

اللواء محمد البطران

برغم ما أثير حول مقتله من علامات استفهام كثيرة إلا أن الحقيقة المؤكدة هو أنه استشهد أثناء تأديته واجبه حيث كان اللواء البطران كما جاء على لسان من عملوا معه شخصية شديدة الذكاء متفانى فى أداء واجبه يعرف ماله من حقوق وما عليه من واجبات تقتضيها طبيعة عمله وقد تتدرج فى الرتب حتى رتبة لواء مساعد وزير الداخلية بعد أن شغل أكثر من منصب كان فيه هو القائد والمسئول حتى تولى منصب رئيس قسم المباحث الجنائية بقطاع السجون وكان لديه مبدأ راسخ فى أعماقه وهو أن المسجون إنسان أخطأ فى حق نفسه وحق المجتمع وبحكم المحكمة لقى جزاء عمله وهو فى السجن يؤدى العقوبة المفروضة عليه ولكنه برغم كل هذا إنسان له حقوق يجب مراعاتها فليس هدف السجن هو التنكيل والإضرار بنفسية هؤلاء المساجين ولكن دوره الأصيل هو الإصلاح والتهذيب وتنفيذ عدل الله فى أرضه ليخرج للمجتمع بعد ذلك إنسانا صالحا للتعايش مع من حوله بعد تخليه عن السلوك المنحرف وظل هذا المبدأ أمام أعين اللواء البطران دائمًا ليؤصل لهذا الأساس السليم ليصبح معيارًا لعلاقة السجين بالقائم على أمر سجنه ولأخلاقه الكريمة كان معشوق المساجين يحبونه ويحبهم وإذا علم أن لأحدهم حقا يعطيه له على الفور وينصفه فكان بمثابة الأب قبل أن يكون قائما على أمر حبسهم وبعد اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011م سادت السجون حالة من الفوضى العارمة وكانت هناك حالة من التمرد والإشارت بين الحين والآخر بإمكانية هروب المساجين من السجون وخروجهم للمجتمع لتزداد حالة الفوضى والذعر بين الناس وكان اللواء البطران يعلم حقيقة الأمر جيدًا بأن هذا لو حدث ستصبح كارثة بكل المقاييس فهناك بالفعل بلطجية يروعون المواطنين فى الشوارع والأمر لا يحتمل هروب المساجين وخاصة بعد إنهاك أجهزة وزارة الداخلية فى التصدى وقمع المتظاهرين وكما روت شقيقته أنه فى آخر مكالمة دارت بينها وبين اللواء البطران الساعة التاسعة والنصف صباح يوم 29 يناير 2011م وهو نفس يوم استشهاده فى محاولة منها للاطمئنان عليه أكد لها أنه لن يسمح بخروج المساجين من السجون حتى لا تزيد الفوضى فى البلاد ويزيد الخطر على المواطنين الآمنين وأنهت شقيقته المكالمة معه ولم تكن تعلم أن هذه المكالمة ستكون هى آخر مكالمة بينها وبين أخيها وبعدها تلقى اللواء البطران إشارة من سجن (قطا) بالقليوبية بأن هناك حالة من الهياج والتمرد لدى المساجين فى محاولات متكررة للهروب وفور تلقى اللواء البطران هذه الإشارة قرر أن يذهب بنفسه لسجن (قطا) ليهدأ المساجين وأن يمنع هذه الكارثة وبالفعل قطع حوالى أربعين كيلو مترا ما بين القاهرة ومكان سجن (قطا) بالقليوبية ووصل إلى هناك وبدأ يعاين الموقف على الطبيعة ويحاول أن يهدئ المساجين ويمتص تمردهم ويعطى تعليمات مؤكدة بعدم إطلاق النيران إلا على من يحاول الهرب فعلاً والتمسك بضبط النفس لأقصى درجة ممكنة وأثناء هذه المحاولات لاحتواء الموقف والحيلولة بعيدا عن الصدام مع المساجين كانت مازالت حالة التمرد والهيجان مستمرة لدى بعض المساجين فى محاولة للفرار من السجن فأطلقت أبراج الحراسة الأعيرة النارية عليهم وقد أصيب اللواء البطران فى أثناء الأحداث ورحل عن عالمنا ولكن ترك فى أذهان كل من خدموا معه بل والمواطنين العاديين نموذجًا محترمًا لضابط الشرطة المخلص لعمله ولوطنه فتحية عرفان وتقدير لهذا البطل الشهيد.

مطاردة أدت لاستشهاد

العقيد هشام رفعت الحسينى

عندما ورد إخطار بقيام مجموعة من الأشخاص الملثمين بالسطو المسلح على عدة محطات بنزين بطريق/ مرسى علم قام العقيد هشام رفعت الحسينى هو ومجموعة من الضباط بمطاردة السيارة التى كان يستقلها المتهمون وأثناء هروبها بادر المتهمون بإطلاق النار فى اتجاه القوات فأصيب الضابط واستشهد متأثرا بإصابته.

ولد هشام فى 19 يونيو 1968م بقرية مبيت الصارم التابعة لمدينة المنصورة وله شقيقتان وشقيق واحد.

التحق هشام بكلية الشرطة وعمل لمدة سنتين بديوان المديرية بالغردقة حتى نقل إلى القصير كمفتش لمباحث القسم وهو متزوج من أستاذة إيناس يحيى وتعمل بالضرائب وأنجب منها 3 أطفال فى مقتبل العمر كالزهور.

أولهم (هنا) بالصف الثالث الابتدائى وأخرهم (محمد) الذى كان عمره 11 شهرا عند استشهاد والده الذى كان مثالا للبطوله فى الدفاع عن وطنه للنهوض به من الكبوة التى كانت تمر بها البلاد ولكن الله اختاره ليكون أحدا شهدائه ويكون فخرا لأهله ووطنه.

زفاف فى الجنة

الرائد يوسف محمد الشافعى

أثناء تواجد الرائد يوسف محمد الشافعى الفرت بقسم ثان العريش قامت مجموعات إرهابية خارجة عن القانون وبحوزتها أسلحة نارية ثقيلة مختلفة الأعيرة مستقلين 150 سيارة قادمة من مدينتى الشيخ زويد ورفح.

قاموا باحتلال مواقع متعددة محيطة بالقسم وقاموا بإطلاق وابل من الأعيرة النارية وأسفر ذلك عن استشهاد الرائد يوسف أثناء تأدية عمله.

حيث عم الحزن كل بيت فى قريه إبشواى الملق واكتست باللون الأسود حدادا لرحيل أحد أبنائها المشهود لهم بحسن الخلق وعراقة الأصل وطيب المنشأ حيث تحدث خاله عنه وهو يقول لقد شاءت إرادة الله أن نودع ابننا الشهيد فى موكب جنائزى عظيم قبل أيام قليلة من حفل زفافه على عروسه حيث توفى فى 30 يوليو كان حفل الزفاف 5 سبتمبر اى بعد شهر وخمسة أيام.

وكان كل أهل القرية يشهدون له ولكل إخوته بالتربية الحسنة فله شقيقان يعملان بالشرطة وشقيق أصغر بالمرحلة الثانوية وشقيقته متزوجة من رئيس نيابة ببورسعيد وكان الشهيد نموذجا يحتذى به فى الاجتهاد وإخلاصه فى العمل وحبه لأهله ووطنه حتى قضى نحبه واستشهد لرفعة هذا الوطن.

 

ترك مهنة البناء من أجل الشهادة

قوات الأمن المركزى.. أرشيفية

مجند سعيد عبد النبى محمد معوض الشعيرى من الأمن المركزى استشهد فى يوم 13 سبتمبر 2012م أثناء تواجده ضمن قوة من قطاع الأمن المركزى بشمال سيناء بخدمة العلامة الدولية رقم (11) دائرة قسم شرطة رفح حدث تبادل لإطلاق النيران مع بعض المهربين مما نتج عن إصابته واستشهاده داخل مسقط رأس الشهيد تعالت صرخات وأحزان أقارب الشهيد وأهالى القرية التى ارتفعت بها صرخات وعويل النساء..

“رضا فوزى محمود” صهر الفقيد أكد بأن الشهيد كان ذا سمعا طيبة وأخلاق حسنة، والقرية كلها كانت تحبه نظرا لأخلاقه العالية “ياسر” و”وائل” أشقاء الشهيد أكدوا بأن شقيقهم كان يستعد لإتمام زفافه على عروسه، وذهب للتجنيد منذ عام، وبصعوبة بالغة أكد والد الشهيد “عبد النبى الظنى” 54 سنة عامل باليومية بأنه يحتسب نجله عند الله شهيدا، وأن الشهيد كان المقرب إلى قلبه من بين أشقائه وكل مايطلبه هو القصاص لنجله، ومعرفة من وراء قتل نجله بطريقة غادرة، “شعبان سمير” نجل خالة الشهيد أكد بأن الشهيد لديه شقيق أصغر منه، ولم يُكمل دراسته بالمرحلة الثانوية الأزهرية حتى يُساعد والده فى تربية أشقائه، وأضاف بأن الشهيد تلقى الرصاص الغادر ومعه زميله مُجند آخر أصيب فى قدمه، ووسط تعالى الصرخات تم تشييع جثمان الفقيد إلى مثواه الأخير.

الشهيد كان يعمل فى مهنة البناء قبل التحاقه كمجند بقوات الأمن وكان يستعد لإعلان خطوبته بعد خروجه من الخدمة العسكرية التى كانت قد قاربت على الانتهاء، وله 6 أشقاء ذكور ويقع ترتيبه الرابع بعد أشقائه وائل 38 سنة موظف بأحد المصانع بالعاشر من رمضان، وياسر يعمل بمهنة البناء، ومصطفى، ومحمد، ثم شقيقه عماد، وله أخ سادس من أمه المتوفية، ووالده يعمل بمهنة البناء.

 

السوق السوداء سبب استشهاده

سولار – أرشيفية

خرج المساعد محمد على محمد فرج شهيد الواجب من قرية أصيلة من قرى مصر وهى قرية (أبو سنيطة) التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية وكان لديه أسرة مكونة من زوجة وثلاثة أبناء أكبرهم أحمد (21 سنة) وهو مجند فى الجيش و(على ) الذى يبلغ ثلاث سنوات وأخيرًا ( محمود) الذى يبلغ من العمر سنتان وقد كانت واقعة استشهاد البطل واقعة مؤلمة لأسرته وعائلته بل وكل قريته لأن الشهيد كان محبوبا بين جيرانه والجميع يشهد له بدماثة الخلق وسمعته الطيبة فقد استشهد البطل فى يوم 17 سبتمبر 2012م عقب القبض على بعض الأشخاص المتهمين بتجميع سلعتى السولار والبنزين المدعمتان من قبل الدولة للإتجار بهما فى السوق السوداء مستخدمين سيارة فنطاس أثناء سيرها بطريق ( شبين الكوم – الباجور ) دائرة مركز الباجور.. حيث تم التحفظ على السيارة وتعيين الحراسة اللازمة عليها وإصطحاب قائدها لاستكمال الإجراءات إلا أن بعض الأشخاص المجهولين قاموا بالاستيلاء على السيارة بالقوة والهروب بها من داخل المحطة. انتقلت على الفور قوة من مركز الباجور وتم ملاحقة السيارة ومستقليها وتمكنت سيارة الشرطة من تخطيها والوقوف أمامها بنهر الطريق بمسافة مناسبة لإجبارها على التوقف.. إلا أن قائد السيارة النقل تعمد الاصطدام بسيارة الشرطة فى محاولة للهروب واستمرت القوات فى ملاحقة السيارة وتم ضبطها وضبط مستقليها ونجم عن ذلك إصابته واستشهاده فى يوم 17 سبتمبر 2012م.

وقد حرص على المشاركة فى تشييع جثمان الشهيد فى مسقط رأسه من مسجد سيدى محمد مشعل بالقرية اللواء شريف البكباشى مدير الأمن وااللواء مجدى سابق مساعد مدير الأمن للأمن العام تقديرًا لدور هذا البطل.

ابن موت

جنازة عسكرية – أرشيفية

ودعت أسوان واحدا من خيرة أبنائها من ضباط الشرطة كما أن جهاز الشرطة فقد شخصية محترمة ومهذبة قلما تتكرر، فقد كان الرائد الشهيد محمد أبو النصر صالح كما يقولون ابن موت من فرط مايحرص عليه من محبة وحسن فى التعامل ولعل جنازته المهيبة والحزن الشديد للأفراد والأمناء وانهيارهم أبلغ دليل على طيبته وحسن أخلاقه، الشهيد النقيب محمد أبو النصر معاون مباحث مركز شرطة أسوان، لقى وجه ربه عن عمر يناهز السابعة والعشرين بمستشفى القوات المسلحة بالمعادى فى يوم 12 نوفمبر عام 2012م، بعد تلقيه رصاصة غدر أثناء قيامه بتأمين مراسم دفن شاب توفى فى مشاجرة بين عائلتين بنجع الشيخ على بمركز أسوان.

ووسط حالة من الحزن الشديد تعرض عدد كبير من زملاء الشهيد إلى حالة من الانهيار التام وسقط بعضهم مغشيا عليه فور وصول الجثمان إلى مطار أسوان الدولى، بينما هتف الآلاف وهم يحملون الشهيد ملفوفا بعلم مصر لا إله إلا الله.. الشهيد حبيب الله.

النقيب محمد مشالى

وكان النقيب الراحل محمد مشالى قد تعرض للإصابة بعيار نارى أعلى الركبة أثناء قيامه بتأمين جنازة الشاب إسلام محمد محمود السقعان، الذى توفى متأثرا بجراحه إثر مشاجرة نشبت بين عائلتين متجاورتين بنجع الشيخ على بمركز أسوان، الأولى تنتمى إلى جزيرة راجح بإسنا، والثانية للمنصورة بمحافظة الدقهلية، حيث قامت الأولى بالاعتداء على الثانية التى سقط منها الشاب القتيل، وأثناء إجراء مراسم الدفن فوجئ المشيعون بوابل من الرصاص ينهمر عليهم من بعض أهالى جزيرة راجح بحجة أن هناك شبابا قام بإلقاء الطوب عليهم مما أدى إلى إصابة على عاشور 22 عاما، وفى الوقت الذى سارع فيه الشهيد لإنقاذه صارخا فى المعتدين بوقف إطلاق النار استقر عيار نارى فى قدمه اليمنى أعلى الفخذ، وتم نقله إلى مستشفى أسوان الجامعى لوقف النزيف الشديد الذى تعرض له، وعلى الفور قرر اللواء أحمد جمال الدين وزير الداخلية نقله إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى بالإسعاف الطائر، حيث اضطر الأطباء لبتر القدم بعد تعرضها للتسمم، وظل يصارع الموت حتى توفى، شقيق الشهيد أحمد كان فى حالة ذهول وصدمة وغير مدرك تماما بأن شقيقه وتوأم روحه قد فقده إلى الأبد، أما صالح مشالى ابن عم الشهيد وعضو مجلس الشورى السابق فقال أن محمد كان مثالا فى الأخلاق وقدوة للشباب.

وقال جيرانه إن مشالى على الرغم من صغر سنه كان شيخ عرب يحرص على أداء الواجب الاجتماعى، حيث اكتسب ذلك من عادات عائلته العريقه عائلة مشالى ومن والده اللواء أبو النصر مشالى قائد السجن الحربى السابق فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

SHARE

اترك تعليق