سمير فرج

كانت الصومال من أجمل بلاد القارة الأفريقية، حتى احتلها الإيطاليون، ليتركوها خراباً، بعدما استنزفوا ثرواتها، وخلفوا شعبها، بلا تنمية، ولا تعليم، ولا رعاية صحية، ولولا حرفة الرعي، التي اشتهرت بها القبائل هناك، عبر التاريخ، لضاعت هذه البلد، بالمعنى الحرفي للكلمة، لا مجازاً. فأهل البلد يعيشون على ريع بيع قطعان الماشية، التي يرعاها أطفالهم، اعتماداً على النباتات الناتجة عن الأمطار الموسمية، دونما أي رعاية طبية، سواء للتسمين أو العلاج.

وصلت إلى الصومال، يوماً، في مهمة لمدة ثلاثة أيام، ضمن مجموعة من ضباط القوات المسلحة المصرية، منهم العقيد ممدوح الزهيري، والطلياوي، وسيد الرفاعي، لدراسة إنشاء كلية أركان حرب في العاصمة مقديشيو.

هبطت الطائرة في مطار مقديشيو، الفقيرة في كل شيء، وتوقفت محركاتها أمام باب صالة المطار، مباشرة، نظراً لعدم وجود سيارات لنقل الركاب، من داخل أرض المطار إلى صالة الوصول، وتم إنزال الحقائب، ليتسلم كل راكب أمتعته، من الطائرة مباشرة، قبل دخول الصالة، ومغادرة المطار خلال دقائق معدودة.

أقمنا ليلتنا في الفندق الرئيسي الوحيد في المدينة، المصنف ثلاث نجوم، وكل رواده من الأجانب، واستيقظنا في صباح اليوم التالي، لنجد أن وجبة الإفطار عبارة عن خروف مشوي، وعصير الجريب فروت، باعتبارها أوفر، وبالتالي أرخص، الأصناف في الصومال. فالفندق لا يملك الموارد لتوفير الأصناف التقليدية من البيض والجبن أو حتى الشاي والقهوة، التي يضاهي سعرها أضعافاً مضاعفة من سعر الخراف.

عقدنا عدة لقاءات مع ممثلي وزارة الدفاع الصومالية، قبل أن يحين موعد العشاء، في منزل وزير الدفاع، آنذاك، محمد على سمنتر، بدعوة منه. بعدما رأينا من فقر الصومال، لم نتوقع أننا على موعد على العشاء في قصر، وليس منزل، ولم نتصور ذلك الثراء الفاحش الذي رأيناه، حتى أن بناته كانوا يقدمون لنا الطعام بأنفسهم، لاستحالة دخول أي فرد، من الشعب، للعمل بهذا القصر، ورؤية هذا البذخ!

في صباح اليوم التالي، كان مقرراً توجهنا إلى المدينة الساحلية، كسمايو، لاستطلاع أهم موانئ الصومال، الموجود بها. بُنيت، كسمايو، على الطراز الإيطالي، لتكون مقراً لإقامة المستعمرين الإيطاليين، وأسسوا، هناك، أكبر مجزر للماشية، وتصنيع اللحوم في الشرق الأوسط. تقرر سفر أعضاء المجموعة إلى كسمايو بالطائرة الروسية (اليوشن ١٤)، وهي الطائرة الوحيدة لدى السلطات الصومالية، بينما كان يجب على أحد أفراد البعثة، السفر براً، لاستطلاع الطريق، ودراسة إمكانية استخدامه مستقبلاً في المشروعات التكتيكية بالكلية. وحيث كنت، أنا، أحدث رتبة ضمن أعضاء البعثة، فقد سافرت براً، في أغرب رحلة في تاريخ حياتي.

استقليت سيارة لاندروفر، واحدة من ضمن ثلاث سيارات، فقط، تملكهم الدولة، في قصر وزير الدفاع، ومعي السائق، وفي الخلف أربعة جنود، يحملون البنادق بالذخيرة، فسلكنا الطريق الغير ممهد، عبر الغابات، وسهول السافانا؛ فالصومال لا تعرف لغة ورفاهية الكباري، ووصلنا إلى أول نهر، فاندفع السائق بالسيارة، إلى مياهه، حتى غطت المياه معظم السيارة تقريباً، مما استلزم أن يرفع الجنود بنادقهم لأعلى، حتى لا تدركها المياه.

تكرر الموقف عبر أربعة أنهار، كنت قد علمت حينها أن السيارة مصفحة ضد المياه، ولم أكن أعلم سر حمل الجنود للبنادق والذخيرة، إلا أنني فهمت خلال الرحلة، أنها لازمة لإطلاق الأعيرة النارية، لتفريق فرس النهر، أثناء عبورنا، وكذلك لإطلاق أعيرة النارية، أثناء المرور بين الغابات، لإبعاد الأفيال القادرة على دهسنا في لحظات، والحيوانات المفترسة التي من شأنها القضاء علينا، دون ترك أثر.

في منتصف النهار، وصلنا إلى إحدى القرى، التي سبقنا إليها مندوب ليبلغهم بقدومي، ورأيت القبيلة كلها مجتمعة، حول نار مشتعلة، في ذات المشهد الذي اعتدنا رؤيته في أفلام الستينيات، وما أن خرجت من السيارة، حتى قاموا بذبح عجل صغير أمامي، وفي سرعة البرق، أتموا إعداده وحشوه بكمية كبيرة من الخضراوات، قبل تغليفه بالطين، وإلقائه في النار المشتعلة، وأعقبوه بخمسة عجول، أخرى، ليأكل منها باقي أفراد القبيلة. واستكمالاً للترحيب بي، بدأ فاصل من الرقص، وبعد مدة، لا أدري كيف حسبوها، أخرجوا الذبائح، ووضعوها على أوراق شجر الموز، وبضربة واحدة انفتحت القشرة الطينية، مثل حبة اللوز، ليظهر لحم العجل وقد طاب في لون وردي الزاهي، فتناولت جزءاً بسيطاً منه مع شراب جوز الهند، قبل أن أهم بالرحيل.

لا أبالغ إن قلت إنه كان واحداً من أصعب، أو أغرب، أيام حياتي؛ فبصرف النظر عن مشقة الطريق وخطورته، والتقاليد غير المعتادة التي صادفتها، إلا أنني ظللت صامتاً طيلة اليوم، فلا يوجد لغة للتفاهم مع السائق أو الجنود، الذين لا يتحدثون سوى اللغة الشعبية للدولة، وتم اختيارهم للمهمة معي، لانتمائهم لنفس قبائل المنطقة، بما يمكنهم من التواصل معهم، وحل أي مشاكل قد تواجهنا. ومع ذلك لا أنكر أنني رأيت واحداً من أروع مشاهد الصومال، وهو قطيع الغنم يتحرك من أقصى إلى أقصى مناطق الصومال، في رحلة قد تستغرق ثلاثة أشهر، يقوده ثلاثة أطفال، كبيرهم يعرف الطريق، والآخران يتدربان على يديه.

وصلت في المساء إلى مدينة كسمايو الجميلة، وتوجهنا، في اليوم التالي، إلى أكبر مصنع لحوم في الشرق الأوسط، وهناك عرفت أن المصنع يصنف اللحوم إلى خمس درجات؛ الأولى والثانية والثالثة يتم تصديرها إلى الدول الأوروبية، والنوع الرابع يتم تصديره إلى دول العالم الثالث، ومنها مصر، أما النوع الخامس فيتم تصنيعه وتعليبه للحيوانات الأليفة في أوروبا. وفي هذا المصنع تناولنا أجمل طبق لحم تذوقته، في حياتي، على يد طاه إيطالي، وعلمت أنه لا يخرج من إنتاج المصنع، أي لحوم إلى داخل الصومال، بل يتم تحميلها، مباشرة، على السفن التجارية إلى دول أوروبا … ويومها تغيرت فكرتي عن اللحم الصومالي، الذي لم يكن يحظى بسمعة طيبة في مصر، بعدما تذوقته في كسمايو.

اترك تعليق