إسماعيل منتصر

لا يعرف الكاتب الكبير الأستاذ صلاح منتصر أننى اخترت أن أعيش فى جلبابه وليس فى جلباب أبى!
الأستاذ صلاح منتصر أطال الله فى عمره ومتّعه بالصحة والعافية يمت لى بصلة قرابة فهو شقيق والدى – رحمه الله – أى أنه العم بالنسبة لى من حيث القرابة، لكننى تعاملت معه دائمًا على أنه القدوة والمثل والحلم الذى أسعى لتحقيقه.
القاعدة أن الأب يمثل للابن عادة القدوة والمثل والحلم الذى يسعى إلى تحقيقه.. لكن يحدث أحيانًا أن ينجرف مؤشر البوصلة.. وهذا بالضبط ما حدث معى!
بدأت علاقتى بعمى أو بدأ تعلقى به وأنا طفل صغير لم أتجاوز السنوات التسع.. وكان السبب زيارة قصيرة قمت بها بالمصادفة !
اصطحبنى والدى – رحمه الله – يومًا لزيارة عمى فى مكتبه بمبنى جريدة الأهرام القديم بشارع مظلوم فى منطقة وسط المدينة.
كانت الساعة تقترب من السابعة مساء عندما تمت هذه الزيارة ولازلت أذكر جيدًا استقباله لأبى وترحيبه به وانشغاله فى عمله فى نفس الوقت.
وأعجبنى وأدهشنى أن يعمل أناس فى غير الأوقات التى يعمل فيها الناس.
كنت أتصور أن الرجل مثل أبى يعمل من الصباح وحتى الظهر ويعود بعد ذلك إلى منزله حاملاً فى يده فاكهة الموسم!.. لكننى لم أعرف أحدًا يعمل فى المساء إلى أن رأيت عمى.
قلت لنفسى لابد أن الذين يعملون فى غير الأوقات الرسمية أناس مهمون ومميزون وهو ما أثار اهتمامى جدًّا.. وهكذا رحت أسأل والدى بعد انتهاء زيارتنا لعمى عن طبيعة عمله.
ماذا يعمل ولماذا يعمل فى هذا الوقت المتأخر؟!.. وما هو الصحفى وما هى الجريدة؟! وكيف تتحول من أوراق بيضاء بغير سوء إلى أوراق مطبوعة مليئة بالأخبار والحكايات؟!..
لم تنقطع أسئلتى لوالدى طوال وقت عودتنا من زيارة عمى إلى منزلنا، وفى الصباح رحت أمارس اللعب مثل أى طفل يلعب فى أيام إجازته الصيفية، لكننى وجدت نفسى ألعب لعبة لم ألعبها من قبل.
جلست على المكتب ووضعت أمامى أقلام وورق ورحت أقلد عمى كما رأيته خلال زيارتنا لمكتبه.
بعد قليل اكتشفت أن اللعبة لا تشبع رغباتى فقررت أن أطورها وألعبها بجد.
وهكذا أصدرت جريدة “الأسرة” المنزلية التى كنت محررها الوحيد وكاتبها ورئيس تحريرها.. وقارئها!
وأصبحت الصحافة بالنسبة لى هواية أمارسها كل إجازة صيفية.. وتطور اهتمامى بهذه الهواية فجعلت أبى وأمى – رحمهما الله – قراء جريدتى وجعلت من أشقائى زملائى.. حتى الصغار منهم الذين لم يكونوا قد عرفوا القراءة والكتابة، بعدها قمت بتعيينهم فى وظيفة سعاة فى الجريدة التى أرأس تحريرها (!!)
لم أتوقف أبدًا عن ممارسة هوايتى حتى بعد دخولى الجامعة.. فقمت بإصدار جريدة الكلية بمساعدة بعض زملائى.
مات والدى – رحمه الله – وأنا فى السنة الثانية بكلية زراعة مشتهر وقام عمى الأستاذ صلاح منتصر بخطوة لا أظن أن كثيرين قاموا بها قبله!..
اجتمع بى أنا وأشقائى، عمى الأستاذ صلاح منتصر، وجلسنا جميعا حول مائدة السُفرة، وراح يسألنا عن دراستنا وهوايتنا وأسماء أصدقائنا ومستقبلنا الذى نحلم به، وأخرج من جيبه نوتة صغيرة راح يسجل فيها إجابتنا واحد واحد!..
وعندما لاحظ دهشتنا واستغرابنا قال لنا: أصبحت مسئولا عنكم وأريد أن أعرف كل صغيرة وكبيرة عن كل واحد منكم!
وعندما جاء دورى قال لى أظن أنك الوحيد الذى يعرف مستقبله فأنت طالب فى كلية الزراعة فقلت له باستحياء وبصوت منخفض.. لكننى أعشق الصحافة وأتمنى أن أكون صحفيًا.. وابتسم عمى ولم يعقب.
.. وينتهى الاجتماع العائلى وتمر شهور ويتصل بنا عمى كعادته يسأل عن أحوالنا.. وعندما تلقيت اتصاله التليفونى سمعت منه مالم يخطر على بالى أبدًا..
قال لى إننى سمعتك تقول إنك تعشق الصحافة.. ما رأيك فى مساعدة زوجة عمك وكانت – رحمها الله – تعمل معه فى جريدة الأهرام كصحفية فى قسم التحقيقات الصحفية..
أساعدها.. كيف؟!
هى تريد أن تكتب مؤخرًا عن معاناة الطلاب وقد سمعتك يوما تقول إنك وزملاءك الطلبة تستخدمون “الكارو” للوصول إلى مبنى الكلية من طوخ إلى مشتهر.
وما هو المطلوب منى؟!
هل تستطيع أن تكتب موضوعًا عن رحلة الكارو.. هل تساعد المصور فى التقاط صورة لك ولزملائك أثناء هذه الرحلة؟!
وفعلت.. كتبت الموضوع وساعدت مصور الأهرام فى تصويره.. وعندما ذهبت بأوراقى إلى مكتب عمى بجريدة الأهرام ملأنى الرعب وهو يقلب فى الأوراق وقد تجهم وجهه..
أمسك عمى بالقلم وراح يشطب بعض ما كتبته ويعيد كتابته..
خفت أن أسأله عن رأيه وانصرفت بعد أن سمعته يقول كلمة واحدة.. شكرًا!
لم أفهم من صوته إن كان الموضوع قد أعجبه أم أزعجه، ولم تبح لى ملامح وجهه بأى انطباع عن نجاحى أو فشلى.
وتمر الأيام وأجد الموضوع وقد نشر بجريدة الأهرام بعنوان جذاب تعلمت منه الكثير.. من طلب العلا ركب الكارو!
واستمر تدريبى فى الأهرام بهذه الطريقة حتى تخرجت وانتظرت شهورًا أن يدق جرس التليفون وأسمع صوت عمى يقول لى: تعالى استلم عملك فى الأهرام..
لكن ذلك لم يحدث فسألته على استحياء فقال لى: إنه حاول بالفعل أن يحصل لى على فرصة للعمل بالأهرام لكنه لم يستطيع.
ويبدو أن الصدمة التى ظهرت على ملامح وجهى جعلته يقول لى: لا تيأس سأبحث لك عن فرصة أخرى.
وبالفعل اتصل بى يومًا وصحبنى إلى مبنى جريدة الأخبار وقابلنا الأستاذين مصطفى أمين وجلال الدين الحمامصى..
اعتذر الأستاذ مصطفى أمين وقال إنه لم يعد يملك أى نفوذ فى الجريدة إلا على المكتب الذى يجلس عليه!
واعتذر الأستاذ جلال الحمامصى بأنه لا يعين إلا خريجى الإعلام فقط، وكان عميدًا وأستاذًا فى كلية الإعلام.
تثاقلت خطاى وأنا أسير إلى جانب عمى فى طريق العودة.. وعندما عدنا إلى مبنى جريدة الأهرام وقف عمى يصافحنى وهو يقول: أظن أنه لم يعد أمامك إلا أن تعمل فى مهنتك.. مهندس زراعى.
عدت إلى منزلى سيرًا على الأقدام واكتشفت أننى كنت أبكى طوال الطريق.
ونفذ عمى ما وعد به فالتحقت بأحد المصانع الغذائية وتغير مسار حياتى تمامًا وإن ظلت الصحافة بالنسبة لى عروسًا جميلا جذابًا أراها عن بُعد ولا أقدر أن تلمسها يداى!..
وتلعب الأقدار لعبتها فأذهب يومًا بعد زواجى لزيارة عائلية وأقابل صحفيّ يعمل فى أخبار اليوم ويعرف منى كيف أعشق مهنة الصحافة، فيعرض علىّ فرصة التدريب فى مؤسسة التعاون وبالتحديد فى جريدة المصرى.. وذهبت وحصلت على فرصة للتدريب ورأيت اسمى لأول مرة فى حياتى منشورًا على تحقيق صحفى..
ثم حدث أن التقيت بأحد أقاربى فعرض علىّ فرصة للعمل فى مؤسسة الجمهورية.. وذهبت وحصلت على فرصة للتدريب فى قسم الديسك.. حيث كنت أقوم بإعادة كتابة الموضوعات وتغيير عناوينها.
وبالمصادفة وبعد عام من العمل الشاق كمهندس وردية بإحدى المصانع الغذائية والتدريب فى المؤسستين الصحفيتين فى نفس الوقت.. بالمصادفة تلقيت عرضا للتعيين فى المؤسستين الصحفيتين.. التعاون والجمهورية، وعلى الفور انطلقت لمقابلة عمى فى مكتبه بالأهرام وعرضت عليه ما عرض علىّ ليساعدنى فى الاختيار.. وفعل واختار ورأيت وجهه ينطق بالسعادة والفخر.
عدت إلى منزلى أعد الملابس التى سأرتديها وأنا ذاهب لتنفيذ اختيار عمى.. وفى المساء تلقيت منه اتصالا تليفونيا.
إسماعيل.. لا تذهب إلى أى مؤسسة.. ووقع قلبى فى قدمى لكنه أكمل حديثه قائلا: اذهب للقاء الأستاذ أنيس منصور، فهو على وشك إصدار مجلة جديدة ويحتاج إلى محررين جدد.
ثلاث فرص فى يوم واحد.. من يصدق؟
فعلت وذهبت إلى مؤسسة دار المعارف للقاء الأستاذ أنيس منصور الذى وافق على تعيينى فورًا.
وهكذا أصبحت صحفيًّا فى مجلة أكتوبر.
وتدور الأيام ويتولى عمى الأستاذ صلاح منتصر رئاسة تحرير أكتوبر خلفا للأستاذ أنيس منصور.
وأعانى الأمرين طوال فترة رئاسته فقد كان جادًا ملتزمًا لا يعرف التهاون فى العمل ولا يقبل أى تقصير.
وتعلمت منه الكثير وعندما بدأت أقرأ مقالاته أصبح بالنسبة لى الأستاذ.. ولا زلت أذكر مقالاته الرائعة.. لازلت أذكر المقدمة التى كتبها يقدم فيها لقراء مجلة أكتوبر الكاتب إبراهيم الوردانى والتى ختمها بعبارة رشيقة جميلة.. تفضل يا أستاذ!.. ثم عنوان الحديث الذى أجراه مع الفنان فاروق الفيشاوى.. كنت عبدًا للهيروين!
وتدور الأيام وتلعب الأقدار لعبتها فأجد نفسى جالسًا على نفس المقعد الذى جلس عليه عمى الأستاذ صلاح منتصر بعد أن تم اختيارى رئيسًا لتحرير أكتوبر ورئيسًا لمجلس إدارة دار المعارف.
.. وأستعيد قراءة ما كتبته فأجد نفسى مضطرًا للاعتذار للقارئ ولعمى الأستاذ صلاح منتصر فقد كان هدفى أن أكتب عنه لكن القلم شطح فوجدت نفسى.. أكتب عن نفسى (!!!)

SHARE

اترك تعليق