عاطف عبد الغنى

على الأقل هناك جيلان (الجيل 33 سنة والأجيال تتداخل) من الأفارقة تشوشت صورة مصر القائدة فى أذهانهما، فالرجال والنساء الذين عاصروا سنوات الحضور المصرى المؤثر سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا فى بلدان القارة السمراء خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين غابت كثرتهم عن المشهد إما بالانتقال إلى السماء أو تراجع التأثير بُحكم السن إذا كان أحد منهم مازال على قيد الحياة.

وخلال سنوات الغياب المصرى عن إفريقيا نبت فى أرض الأخيرة زرع جديد من البشر، وحاولت دول عديدة من خارج القارة وداخلها، منها الصديق لمصر، ومنها العدو، أن تحصد هذا الزرع وتكسبه استثمارا لصالحها وصالح قضاياها، إسرائيل مثلاً غزت القارة بقوة خلال السنوات الماضية لتملأ الفراغ الذى تركته مصر والعرب وقد أدركت مبكرًا (ربما قبل إعلان قيامها عام 1948) أهمية إفريقيا الكبيرة وهناك ألف دليل على هذا.

(1)

من العمل السياسى السرى إلى العمل الدبلوماسى المعلن فى إفريقيا زادت جرأة إسرائيل وخاصة بعد أن تولى الوزير اليمينى المتطرف أفيجدور ليبرمان حقيبة الخارجية قبل ما يزيد على 10 سنوات وتوجه بقوة نحو دول إفريقيا يحمل بضاعة إسرائيل المغشوشة من التاريخ الزائف للعلاقات مع القبيلة المفقودة، يهود الفلاشا، إلى أسطورة المصاهرة بين نبى الله سليمان (سلام الله عليه) والملكة بلقيس التى كانت تحكم الحبشة، وكان ملك إثيوبيا السابق «هيلا سيلاسي» يعتبر نفسه الملك رقم ٢٥ من زواج ماكيدا (بلقيس) لسليمان، ولسنوات طويلة يتم ابتزاز مشاعر الأفارقة بترويج أسطورة التآخى فى المظلومية ما بين اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد فى العصر الحديث والزنوج الذين تعرضوا للعبودية خلال تاريخهم المشترك مع العرب.

وفى جانب آخر راح الإسرائيليون يروجون لدى الأشقاء الأفارقة أنهم يمتلكون خاتم سليمان العصر الحديث، المسمى التكنولوجيا، وأنهم يستطيعون معاونة دول القارة فى بناء السدود على مجارى الماء لتوفير الكهرباء للتنمية، ويعظمون من إنتاج محاصيل الأرض أضعافًا باستخدم الهندسة الوراثية فيقضون على الفقر والمجاعات، واستغلال كل قطرة ماء من خلال إعادة تدويرها فلا يعد جفاف، وزادت كثيرًا زيارات المسئولين الإسرائيليين للبلدان الإفريقية، وكان نتنياهو يذهب إلى الدولة الإفريقية بصحبة جيش صغير يستثمر ويبيع فى كل شىء وأى شىء رافعًا شعار «إسرائيل تعود إلى إفريقيا».

وبات من الواضح أن إسرائيل تسعى بجد للانضمام إلى الاتحاد الإفريقى، إما لتفتيته، أو اختراقه وكذا خلق كيانات إقليمية موازية، وفى خطوة لا توصف إلا بأنها جرأة وقحة أعلنت الخارجية الإسرائيلية منتصف العام قبل الماضى عن تنظيم أول قمة إسرائيلية إفريقية فى توجو وكان شعارها: «بناء جسور نحو رخاء مشترك للأفارقة وإسرائيل» وكان خلف الإعلان حشد كبير تجهز له الدولة العبرية مستعينة بقوتها الضاربة فى أمريكا، مجلس الصداقة الإسرائيلى الأمريكى «إيباك» و«الرابطة اليهودية الأمريكية» أحد جماعات الضغط على السفراء الأفارقة فى الأمم المتحدة، وهنا كان على العرب أن يستفيقوا ويبذلوا مجهودًا كبيرًا لإلغاء هذه القمة، ونجحت الجهود العربية فى ذلك لتوجه صفعة لنتنياهو المغرور، ووزير خارجيته، ليبرمان وجهود الدولة العبرية التى تسعى لمحاصرة العرب من كل اتجاه وطردهم من إفريقيا.

(2)

كان يجب أن نسأل أنفسنا – بشكل عملى – ماذا يريد الأفارقة؟!.. الإجابة: يريدون اكتساب خبرة تشغيل طائرة بدون طيار.. انتظر ولا تندهش.

طالعت خبرا على موقع أجنبى منشور بتاريخ 25 فبراير الماضى جاء فيه أن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الموجود فى بابوا بجمهورية غينيا الجديدة اتفق مع شركة غربية متخصصة تحمل اسم «weRobotics» لتنظم له برنامجًا تدريبيًا على تشغيل وصيانة طائرات تعمل بدون طيار وذلك لمكافحة انتشار مرض شلل الأطفال فى «بابوا» بغينيا الجديدة، والذى رشح الشركة لهذه المهمة هو منظمة جيل جديد (Gen- next) وهذه المنظمة ترعاها منظمة «كويليام» التى يرأسها شخص يدعى ماجد نواز بريطانى – باكستانى، كان له ماضى مع «حزب التحرير» وهو منظمة يمنية متطرفة، وسجن فى مصر، قبل أن يتحول إلى معسكر التطرف المضاد ويظهر كراهية للمسلمين والعرب، وهو صاحب نظرية بناء حركات ديمقراطية شبابية تطغى على السياسة، تبعًا لنظرية «Geass Roots»، وكان لــه ولمنظمتــه دور بشكل كبير فيما حدث فى مصر فى 25 يناير 2011، (هذه قصة أخرى).

(3)

خبرة تشغيل الطائرة «الديونز» الطبية التى تحتاجها غينيا الجديدة تشير إلى أن إفريقيا تحتاج إلى التكنولوجيا الحديثة ليس للرفاهية، ولكن كبنية أساسية لعلاج مشاكلها وأمراضها، وقد تحتاج إلى متطلبات وخدمات ومنتجات أخرى مادية، نستطيع أن نوفرها لها، أو لا نستطيع، ويسبقنا الغرب وإسرائيل فى هذا، لكن أهم منتج – من وجهة نظرى – لابد أن نصدّره الآن لإفريقيا هو الثقة، وإعادة المشاعر الدافئة تجاه مصر بلد الأزهر والزعيم عبدالناصر، والسيسى الرئيس الذى وصل ما انقطع حين قرر وعمل على أن يعيد غرس جذور مصر مجددًا فى إفريقيا، وهذه الجذور تتمثل فى الشباب الإفريقى، قادة المستقبل.

«جراس روتس، Geass Roots» والترجمة الحرفية للتعبير هو جذور العشب أو النجيل لكن المقصود بالاسم هو التكتيكات التى تعتمد على زرع أجيال جديدة من خلال المبادرات والحملات الشعبية، والنظرية جزء من عمل الدبلوماسية غير الرسمية، الدبلوماسية العامة ويتم من خلالها الوصول إلى الشعوب فى بلادها ودفعها لتبنى أفكار ورؤى من خلال المجتمع المدنى والقادة غير الرسميين (الشعبيين) والمنظمات المحلية وغيرها من الأساليب بغرض الاستمالة والتوظيف، وقد يكون هذا التوظيف إيجابيا أو سلبيا، وأبرز مثال حاضر فى الذهن على توظيفها السلبى هو استخدام حركات «الأولتراس» سياسيًا فى وقت من الأوقات، فيما عمل الرئيس السيسى على إعادة هذا الشباب إلى العمل على مصالح وطنه، والحفاظ على دولته ضد من يريد هدمها، وفى البداية توجه الرئيس بقوة إلى شباب مصر من خلال عديد من النشاطات، ومن خلالها انبثقت فكرة دعوة شباب العالم، فكان منتديا شرم الشيخ لشباب العالم، والآن يعقد ملتقى الشباب العربى الإفريقى فى عاصمة الثقافة والسلام الدائمة لإفريقيا ..أسوان.

(4)

خريجو الأزهر من الأفارقة كانوا دعاة فى بلادهم للإسلام الوسطى المعتدل وأيضًا دعاة لنشر محبة مصر بلد الأزهر والمشارك من شباب إفريقيا فى ملتقى أسوان، بالتأكيد سوف يعود إلى بلاده بخبرات من المشاعر والأفكار عنوانها الأول والأساسى مصر.. وفى المستقبل القريب والبعيد سوف يساند مواقف مصر، ويدعو لذلك، هذا ما يتم التأسيس له وعليه وفى جملة أخيرة: «بناء أجيال إفريقية جديدة تحب مصر وتبنى معها.

SHARE

اترك تعليق