داليا مجدى عبد الغنى

سؤال لطالما حيرني، لماذا لا يقرأ المصريون؟!
مصر قديمًا كانت بلد مثقفين أكثر منها متعلمين، أما الآن فهي تحوي الملايين من المتعلمين، ويندر فيها المثقفون، والسبب بدون شك يتمركز في كلمة “القراءة”.
لقد كان المصريون في الماضي بمجرد تمكنهم من القراءة والكتابة يقرءون في شتى الميادين، ويُبحرون في كافة العلوم، لدرجة أننا كنا نلتقي بشخص لديه القدرة على التحدث بلباقة شديدة، ولغة واضحة، علاوة على قدرته على سرد المعلومات الثقافية، وبمنتهى السهولة والتمكن، رغم أنه قد يكون لا يحمل مؤهلات دراسية ؛ والسبب في ذلك يرجع إلى حرصه على القراءة، فالناس قديمًا كانوا يقتطعون جزءً من رواتبهم من أجل شراء الكتب، وحتى من لا يشتري كان يستعير، فقد كان يتعامل مع الورق والكتب، وما على شاكلتها على أنها كنز، ربما أغلى من الأموال والذهب، ولذا تَخَرَّجَ من مصر الكثير من الأدباء والمفكرين والفلاسفة، والشعراء، وهذا كله كان أساسه عشقهم للقراءة ونهمهم منها.
أما الآن، فلا غرابة من أن نلتقي بشخصيات تُجيد التحدث بعدة لغات أجنبية، ولكنهم حين يتحدثون بلغتنا العربية، نكتشف مدى ركاكة لغتهم واستخدامهم لمصطلحات لا ترقى لمستوى أشخاص أُمِّيين، لا يُجيدون القراءة والكتابة، فلقد غابت الثقافة، وتوارت معها الأفكار والابتكار والإبداع ؛ وكل ذلك بسبب ابتعادنا عن منبع غذاء عقولنا، وهي القراءة، فلقد استحوذت علينا وبشدة مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل التكنولوجيا الحديثة.
الكل سيطرت عليه الرغبة في المعرفة عن طريق الشبكة العنكبوتية “الإنترنت”، ولم يعد للكتاب مكان سوى في المكتبة كديكور في المنزل، ولكن رغم ذلك لا أريد أن أُحمل القراء عبء المسؤولية كاملة، فربما لم يتوصل الكُتَّاب إلى ما يحتاجه القراء في الوقت الراهن ؛ لذا لم ينجحوا في جذب القارئ كي يترك الوسائل المستحدثة التي اتجه إليها، ويعود الأسلوب الكلاسيكي القديم في تحصيل الثقافة والمعرفة، وهذا يُجبرني أن أدعو كل كاتب أن يُحاول مع الجهات المختصة بنشر العلم والمعرفة والثقافة إلى عمل حصر بنوعية الكتب التي باتت تجذب القارئ ومحاولة التزيد منها، والاقتراب إلى عقلية وفكر القارئ الجديد، سيما وأنني قرأت خبر منحني بعض الأمل في أن المصريين ربما يعودون إلى سابق عهـدهم في القراءة الجديدة، وهو أن مصر تحتل المرتبة الخامسة في معدل ساعات القراءة الأسبوعية في العالم، فتقدمت بذلك على الولايات المتحدة وأستراليا وكندا وألمانيا وبريطانيا، وهذا الكلام قد صدر عن موقع “جلوبال إنجليش إديتينج” المهتم بالقراءة وحركة بيع وشراء الكتب والنشر عالميًا.
وأرجو أن ألفت نظر كل مصري ومصرية، أنه مهما توصلتم للمعلومات عن طريق الوسائل التكنولوجية، فلن تكون قريحة ثقافية إلا من خلال الكتب، فالقراءة لها مذاق خاص، أما قراءة الأخبار بصورة سريعة، فهي مجرد وسيلة للإحاطة بالخبر، وهذا لا يمت للثقافة بصلة، والإبحار في عالمها اللامتناهي.
ولابد أن نحرص على إقامة الصالونات الثقافية لاستعادة منـاخ تبادل المعرفـة، وجذب التنافس الفكـري؛ حتى نعود كما كنا سلفًا، منبرًا للعلم، وأصل الريادة الثقافية في العالم بأكمله، فلو كنا نريد أن نسبق العالم ونخرج من محنتنا الحالية، فلابد أن نعود للكتاب، والاهتمام بالقراءة، ولا تنسوا أول آية نزلت في القرآن بدأت بكلمة “اقرأ”.

SHARE

اترك تعليق