د. ناجح إبراهيم
 في مثل هذه الأيام منذ قرابة 23 عاماً انطلق قطار مبادرة منع العنف التى دشنتها الجماعة الإسلامية والتى أعلنها محمد الأمين في قاعة إحدى المحاكم حيث لم يستطع هؤلاء القادة إعلانها بأى طريقة سوى إعلان بيانها الذي تضمن ثلاثة أفكار أساسية وهى وقف العنف من جانب واحد ودون قيد أو شرط ووقف كل ما يحرض علي العنف أو يدعوا إليه،لم يتشجع لهذه الفكرة من جانب الدولة سوى اللواء أحمد رأفت”رحمه الله”الذي كان وطنياً مخلصاً وضابطاً فذاً وعبقرية نادرة لا تعرف الغدر حتى بخصومه فضلاً عمن يضع يده فى يده،قال له كثير من رؤساءه نحن لم نقتنع بهذه المبادرة وأنت مقتنع بها فقال أنا أتحمل مسؤوليتها كاملة وسوف تفيد الدولة والأمن والجميع،قالوا له:يمكنك المضى فيها بشرط إن نجحت فلنا جميعاً وإن فشلت فهذه نهاية عهدك بالعمل الأمنى ،قال :أنا أوافق علي هذا الشرط،خاض الرجل الشجاع مع قادة الجماعة وقتها صعاباً كثيرة ذللوها بإخلاصهم لهذه القضية،خمس سنوات كاملة مضت منذ تفعيلها الحقيقي 2011 حتى استوت علي سوقها وآتت أكلها واطمأنت الدولة والجماعة معاً بنجاح أول تجربة في تاريخ مصر كله تقوم فيها جماعة بمراجعة فكرها من تلقاء نفسها وتحل الجناح العسكري الخاص بها وتسلم أسلحته وتقوم بتغييرات جذرية في كل شيء يخصها وتتحول إلي طريق السلمية.
في إحدى اللقاءات الموسعة التي جمعت اللواء/أحمد رأفت ومساعديه بقادة الجماعة الإسلامية الذين أطلقوا مبادرة منع العنف قال لهم:مهمتكم أسهل من مهمتي بكثير,لأنكم تريدون إقناع تلاميذكم بنهج المبادرة والصلح,أما أنا فمسئوليتي أن أقنع رؤسائي- وما أكثرهم-بمصداقية المبادرة وجدواها,مر علي هذا اللقاء أكثر من عشرين عاماً لقي  الرجل مع بعض الحاضرين ربهم رحمهم الله جميعاً.
كان طريق الصلح والسلام شاقاً وعسيراً,لم أكن أتخيل أن الإقناع بالحرب والعنف للشباب أسهل من الصلح والسلام,ولم أكن أتخيل أن العدول عن منهج الشك والتعذيب وإهدار الكرامة الدينية والإنسانية في السجون صعباً ويحتاج إلي سنوات. فقد قضي اللواء أحمد رأفت ومساعدوه من جهة وقادة الجماعة الإسلامية الذين أطلقوا المبادرة خمس سنوات كاملة لكي تنضج ثمرات المصالحة والمراجعة والمحبة والتسامح والألفة والثقة والسلام بين الطرفين. لقد نجح الفريقان بصدقهما وتجردهما وإخلاصهما بالعبور من نفق العنف المظلم إلي نور المصالحة,ومن ظلمة الكراهية إلي ضياء المحبة والمودة,ومن اعتقاد كل طرف في الآخر أن هذا إرهابي مجرم يستحق هو وكل من يعرفه التعذيب والتصفية أو أن ذاك الطرف طاغوت يعذب بغير حق أو يلفق القضايا أو يلقي بالأبرياء في السجون في اعتقال مفتوح,كان الطرفان لا يلتقيان إلا عبر بوابة  العنف والشدة المتبادلة. لقد تعلمت الكثير من المبادرة رغم أنني كنت أظن أنني أنا المعلم لها في البداية,فإذا بي أجد نفسي تلميذاً صغيراً في مدرسة عظيمة اسمها مدرسة الصلح والسلام,فأحببت”فقه الصلح”وحزنت لإهمال هذا النوع من الفقه ,فكتبت عنه,وأحببت رواد الصلح وعلى رأسهم محمد نبي الإسلام العظيم الذي قبل كل الشروط المجحفة في الحديبية,رغبة في حقن الدماء,وكلما فرضوا عليه شرطاً مجحفاً قبله دون تردد ,حتي حزن الصحابة الإجلاء,وإذا بالقرآن الكريم يحسم الموقف لصالح رسوله العظيم فسمي هذا الصلح”فتحاً مبيناً”.
وأحببت”الحسن بن علي”رائد فقه الصلح والتنازل عن حقه لحقن الدماء  فنال وسام”إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين عظمتين من المسلمين”وآليت علي نفسي أن أكتب عنه طوال حياتي,وقد فعلت ولله الحمد,وأحببت صلاح الدين الأيوبي والسادات لأنهما نجحا في الحرب والسلام معاً,وشعرت بما عاناه كل منهما في سعيهما للنجاح في الحرب والسلام وكلاهما بخس حقه في الأمرين.
  وتعلمت أن من يريد السلام وحقن الدماء لابد أن يتنازل,ومادام ذلك ليس في الدين فلا حرج عليه,فإن  تخسر في السلام أفضل من أن تكسب في الحرب وتريق دماء آلالاف من أبنائك وأبناء خصومك. وأدركت أن القائد الحق هو الذي يخرج الناس من السجون وعذاباتها ويحقن دماءهم,وأن الفاشل هو الذي يزج بالآلاف من أبنائه إلي السجون وأهوالها وقد كان قادراً بكلمة واحدة أن ينقذهم منها.
وأدركت أن أعظم وأقوى لحظة في حياة الإنسان هي لحظة اعترافه بالخطأ ومحاولته تصحيح هذا الخطأ ما أمكنه ذلك،وقد قلت في إحدى كلماتي أيام المبادرة أننا لا نريد أن نصنع جاهاً كاذباً علي جماجمكم وآهاتكم ويتم أطفالكم وترمل نسائكم ، بل نريد أن نبيع كل جاه كاذب من أجل حقن دماء الجميع، وألا يكون بين الناس كراهية أو أحقاد أو إحن. وأدركت أن صنع السلام وترسيخه ليس سهلاً وأنك ستشتم في طريق الوسطية والسلام أكثر مما تشتم في طريق التطرف ولكن مرضاة الله أولى من رضا الناس.
وأدركت أن معظم من يعيش خارج مصر يميل نحو التشدد لأنه لا يدفع عادة ثمناً لذلك بل يعطيه ذلك جاهاً كاذباً يسعد نفسه بالباطل وهو لا يدرى. وأدركت كذلك أن سلاح الحب والعفو والرحمة والتغافر أقوى من كل أسلحة العنف.  وقد قلت مراراً:إن أرجي ما يتقرب به العبد إلي ربه هو حقن الدماء,وأن الحرب تبدأ بكلمات ، فخطاب الحرب سيؤدي إليها ولو لم يقصد ذلك أهله,وخطاب السلام والتسامح والصلح سيؤدي إلي هذه الثلاثة حتي ولو بعد حين. وتعلمت أن من الغباء أن تطلق خطاب الحرب وأنت تريد السلام,وتعلمت إنك إذا أردت أن تنحو الدول نحو المصالحة والسلام فابدأ أنت بها أولاً,فابذل السلام ستجده,وابذل العفو ستلقاه,وراجع نفسك فستراجع الدول نفسها ولو بعد حين,الدول يأخذها الكبر ولا تتوقف عن خروقاتها إلا حينما تتوقف أنت عن خروقاتك وحماقاتك,فماذا عليك إذا راجعت نفسك لله حتي وإن لم تأخذ شيئاً في المقابل، فيكفيك أنك وصلت للحق ورجعت للصواب وتوقفت عن الغي والعنف,وصنعت ما ينبغي عليك فعله ,وتأكد أن الله سيقذف في قلب خصومك السياسيين وقتها أن يفعلوا الواجب عليهم. فعندما راجعنا أنفسنا بصدق راجعت الدولة نفسها أكثر من مراجعتنا,فإذا بها تتوقف من تلقاء نفسها عن كل الخروقات بلا استثناء ما هو معروف أو مستتر وأوقفت توسيع دائرة الاشتباه وتحسنت السجون ثم بدأ الإفراج  علي مراحل حتى أفرج عن جميع المعتقلين. وإذا بالسجون تتحول من إهدار الكرامة الدينية والإنسانية إلي أفضل سجون في منطقة الشرق الأوسط,وزار أكثر من ألف سجين منازلهم في مناسبات سعيدة أو حزينة,حتي زار بعض المحكوم عليهم بالإعدام بيوتهم وعادوا دون مشكلة.
وآخر ما توصلت إليه أن فكرة الجماعات الإسلامية الغير قانونية تحتاج إلي مراجعة من قادة هذه الجماعات فحصادها العام سلبي في مجمله علي الدين والوطن وحتى علي أهلها وذويها وأن هذه الجماعات ستصطدم حتماً مع دولها بداية من الصدام البارد وانتهاءً بالساخن العنيف الذي تراق فيه الدماء ولا يرحم أحد الطرفين الآخر ولا يفكر في قرابة أو دين أو طن يجمعهما، ويتكرر هذا الأمر تقريباً كل عشر سنوات فنكون جميعاً ممن لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وخلصت أن في هذه الجماعات أناس صالحون ومحترمون كثر ولكن انخراطهم في داخل الجماعة يجعلهم جزءً لا يتجزأ منها فيدورون معها حيث دارت ويقعون حيث وقعت،وتصيبهم كل المكاره في ذلك الطريق المحفوف بالأخطار والذي لا نجاة فيه. لقد مكثت في السجون والجميع يعلم شجاعتي ورباطة جأشي فيها وأن كل ما قلته أيام المبادرة ظللت متمسكاً به,مهما دارت الأيام وتعاقبت,لا أطلب سلطة ولا أتقرب لذي سلطان,ولا تغرني الدنيا مهما علت وارتفعت ,فهمتي محصورة والحمد لله في الطب والعلم,واعتبرهما أفضل من كنوز الدنيا كلها.
وقد مرت الآن علي المبادرة 23 عاماً كاملةً وعاش أقوام ومات آخرون واستقال من الجماعة بعض صناعها وبقي آخرون وخرج علي المعاش جيلين كاملين من صانعيها من جانب الدولة,إلا أنها تبقي الحسنة الكبرى لكل من ساهم في نجاحها أو كان له نصيب فيها,إنها باختصار أرضي أعمالنا إلي الله .

اترك تعليق