سمير-فرج

بتاريخ 14 يناير 2016، عرضت مقالة بعنوان “أخطر وثيقة أمريكية عن مصر 2020″، أشرت فيها إلى اطلاعي على دراسة سرية، أجرتها أحد مراكز الأبحاث الاستراتيجية في واشنطن، لصالح الإدارة الأمريكية، تؤكد أن مصر تعيش على بحيرة من الغاز الطبيعي، شمال الدلتا، وشرق البحر المتوسط، وهو ما سيحقق لها الاكتفاء الذاتي، من الغاز الطبيعي، بحلول عام 2018.

وأضافت الدراسة، أن مصر ستبدأ في تصدير الغاز الطبيعي اعتباراً من 2020، حيث ستصبح مصر، آنذاك، من أكبر الدول المنتجة للغاز الطبيعي، في منطقة البحر المتوسط، وهو ما سيتيح لها القدرة على إنشاء خط لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا، عبر قبرص واليونان، وأن كلا الدولتان سوف تشاركا مصر في استخدام هذا الخط لتصدير الغاز الطبيعي.

وأوضحت تلك الدراسة أن الإدارة المصرية تسير في هذا الطريق بخطى ثابتة، مدللة على ذلك بنجاح الرئيس السيسي في ترسيم الحدود البحرية بين مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، مما عاد بعظيم الأثر على فتح الطريق، للشركات العالمية، للبحث والتنقيب عن الغاز، والبترول، في المنطقة، لأنه وفقاً للقوانين الدولية، لا يجوز لأي شركة، الشروع في أعمال التنقيب، في أي مكان في العالم، إلا إذا كان هناك ترسيم واضح للحدود البحرية، معتمد ومصدق عليه من الأمم المتحدة، يؤكد عدم وجود نزاع، وهو ما حصلت عليه مصر.

واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة سنوات، تحقق معظم ما جاء في هذه الوثيقة، ولعل أبسط مثال، هو تهافت الشركات العالمية على لقاء السيد المهندس طارق الملا، وزير البترول، أثناء مشاركة سيادته في المؤتمر الدولي للغاز في البحر المتوسط، الذي نظمه مرصد الطاقة المتوسطي، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، في باريس، مؤخراً، لعرض رغبتهم في الاشتراك في عمليات التنقيب عن الغاز، في شرق المتوسط، داخل مناطق الامتياز المصرية، حتى أن بنك كريدي أجريكول، الفرنسي، صرح، خلال هذا المؤتمر، بأن البنك يدرس المساهمة في تمويل المشروعات الكبرى في قطاع البترول، في مصر، بعد هذه الاكتشافات.

ولقد أكد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في الشهر الحالي، ارتفاع صادرات مصر من المنتجات البترولية، خلال الأشهر الماضية، مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن قيمة واردات مصر من المنتجات البترولية قد تراجعت بنسبة 3,1%، مقارنة بنفس المدة من العام الماضي.

كما وافق مجلس الوزراء، خلال الأسبوع الماضي، على 17 اتفاقية، جديدة، للتنقيب على البترول والغاز، في مصر، وشرق المتوسط. ولم يقتصر دور وزارة البترول على البحث عن الاكتشافات الجديدة، فقط، بل عنيت بتدريب الكوادر المصرية الشابة، كأحد الأهداف الرئيسية لها، فوقعت الوزارة اتفاقات، أخرى، مع أكبر الشركات العالمية العاملة في مجال التنقيب والبحث عن الغاز الطبيعي والبترول، وهم شركات “أباتشي”، و”بي بي”، و”كويت أنرجي”، لتدريب العناصر المصرية الشابة، بهدف إيجاد أجيال قادرة على حمل تلك المهام المتطورة مستقبلاً. كما يؤيد ذلك كله انضمام الهيئة المصرية للبترول، إلى المنظمة العالمية لمنتجي الزيت والغاز، (IGOP)، وهو ما يؤكد ثقة المنظمات العالمية، حالياً، في مؤسسات وهيئات وزارة البترول، بعد الطفرة الكبيرة التي تحققها الوزارة في مجال الكشف والإنتاج والاستخراج.

وفيما يخص التصدير، فإن الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية، “إيجاس”، عرضت ثلاث شحنات من الغاز الطبيعي المسال المصري، للتصدير من محطة إدكو، في هذا الشهر. وهكذا ترى أن عملية تصدير الغاز المصري قد بدأت، بالفعل، لكن الأهم توضيحه هو أن مصر، في الفترة القليلة القادمة، ستصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الغاز الطبيعي والبترول إلى أوروبا، حيث سيتم تجميع فائض الغاز الإسرائيلي، عبر خط الغاز القديم، إلى دمياط، كما سيتم تجميع فائض الغاز من قبرص، ليتم تحويله إلى سائل “Liquid Natural Gas” (LNG)، في أحدث محطة لإسالة الغاز في المنطقة، والتي تمتلكها مصر، وتصديره، بعد ذلك، إلى أوروبا، وهذا هو الشكل العام الجديد لاستغلال الغاز المصري في شرق البحر المتوسط.

وتشير الدلائل إلى أن نجاح المصريين في سرعة استخراج الغاز قد بدأ في تحويل المركبات في مصر للعمل بالغاز الطبيعي، ومن المقرر أن تصدر وزارة المالية، قريباً، حزمة من الحوافز المالية، لتشجيع المصريين على استخدام الغاز الطبيعي، في السيارات، بما يحقق وفراً في استخدام البدائل البترولية الأخرى، بما ينعكس إيجاباً على المؤشرات البيئية. وهو ما يتسق مع اتجاه مصر، حالياً، لاستخدام مولدات، ومحطات الكهرباء، العاملة بالغاز الطبيعي مستقبلاً، بدلاً من المحطات التي تعمل بالوقود السائل، بما يحقق وفراً في استيراد المواد البترولية، وبالتالي وفراً في النقد الأجنبي.

ودون الاستفاضة في التفاصيل، أود عرض بعض الأرقام، والمؤشرات، لما لها من دلالات؛ فقد تم استثمار نحو 10,6 مليار دولار، 3 منها خلال العام الجاري، لتنمية حقل “ظهر”، لإنتاج الغاز الطبيعي، الذي يعد أكبر حقول إنتاج الغاز الطبيعي، في منطقة المتوسط. ووفقاً لمعدلات الإنتاج الحالية، بحقل “ظهر”، فإنه من المتوقع أن يتخطى إنتاجه، بنهاية العام، أكثر من 3 مليار قدم مكعب، كما أكد وزير البترول هذا الأسبوع، أن إجمالي إنتاج مصر من الغاز سيزيد العام المقبل، ليصل إلى 7,5 مليار قدم مكعب، بدلاً من سبعة مليارات في هذا العام، وهذا علاوة على عدد من المشروعات للتنقيب التي تتم، حالياً، في منطقة شرق المتوسط، داخل الحدود المصرية، التي يصل عددها إلى أكثر من 70 حقل اكتشافات، وهو عطاء من الله، نرجو من منه أن يديمه علينا، باكتشافات مستقبلية، كثيرة، تضاهي حقل “ظهر”، وتتخطاه.

وبعد هذا العرض، المبسط، لا يفوتنا التأكيد، على ضرورة وجود القوة العسكرية القادرة على حماية، وتأمين، هذا الحجم من الاستثمارات، والاكتشافات، وهو ما عززته الإدارة المصرية، ببعد نظرها، عندما رفعت كفاءتها العسكرية، لتأمين هذه الاستثمارات، سواء على مستوى قواتها البحرية، بتدبيرها لأحدث حاملات المروحيات “الميسترال”، وأحدث الغواصات الألمانية، أو على مستوى القوات الجوية، بإضافة المقاتلات الفرنسية، “الرافال” إلى أسطولها الجوي، لردع، والتصدي لأي محاولة لتهديد لهذه الثروة القومية، خاصة من جانب تركيا، التي كررت تحرشها بقبرص، في مياهها الإقليمية، ولكن مادام لمصر قوة عسكرية بحرية فإنها ستكون قادرة على تأمين كل استثماراتنا في شرق المتوسط.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق