مصادر – دار المعارف
حاولت تركيا، التى يسيطر عليه الآن فكر “العثمانيون الجدد”، أن تجد لها موضع قدم داخل القارة الأفريقية بقدر المستطاع، وتفرض نفوذها فى عدد من دول القارة السمراء.
والسؤال متى بدأ التوجه التركى نحو أفريقيا ؟
بدأ التوجه التركى ناحية أفريقيا فى نهاية الثمانينات من القرن العشرين ولكن البداية الحقيقة كانت فى عام 2005 عندما شعر الأتراك بأهمية القارة الأفريقية وأعلنت تركيا أن عام 2005 هو “عام أفريقيا “
أجرى أردوغان 30 رحلة إلى 23 بلدا أفريقيا منذ زيارته الأولى إلى إثيوبيا وجمهورية جنوب أفريقيا عندما كان رئيسا للوزراء في نفس العام، وكانت زيارته الأخيرة في يناير 2017 إلى تنزانيا وموزمبيق ومدغشقر، وسار الرئيس التركي السابق، عبد الله غُول، على هذا النهج، فبعد زيارته كينيا وتنزانيا في عام 2009، أصبح أول زعيم تركي يزور أفريقيا.
وفي عام 2008، أعلن الاتحاد الأفريقي منح تركيا صفة الشريك الاستراتيجي للاتحاد، وأن تتعهد بتحويل مبلغ مليون دولار سنويا لنشاطها. وحصلت على صفة مراقب في جميع المنظمات الإقليمية الأفريقية وأصبحت عضوا في بنك التنمية الأفريقي من خارج أفريقيا في عام 2008، وصار لتركيا سبع سفارات في عام 2009، ثم زاد عدد السفارات في عام 2015 إلى 34 سفارة، إلى جانب قنصلية عامة في جمهورية أرض الصومال غير المعترف بها. ووفقا للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فإن الهدف النهائي لتركيا هو أن يكون لها سفارات في جميع العواصم الأفريقية.
العلاقات الاقتصادية التركية الأفريقية
بدأ الاهتمام التركى باحتياطيات السوق الأفريقية التي لم يلتفت إليها من قبل خاصة بلاد شمال أفريقيا الأقرب إلى تركيا جغرافيا وثقافيا وتاريخيا ودينيا.
و نمت الصادرات التركية إلى هذه المنطقة من 3 مليارات دولار في عام 2004 إلى 13 مليار دولار في عام 2015. ثم امتد الاهتمام إلى دول جنوب الصحراء الكبرى، ففي عام 2015 بلغ حجم الصادرات التركية 4 مليار دولار مقابل 750 مليون دولار في عام 2004.
وأكبر عملاء تركيا هذه الدول: جنوب أفريقيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، ونيجيريا، وإثيوبيا، وغانا، وكوت ديفوار.
في نوفمبر 2016 استضافت أنقرة أول منتدى أعمال أفريقي- تركي حضره 3000 مشارك، من بينهم 2000 يمثلون المجتمع الاقتصادي لـ45 دولة أفريقية. ووقعت عشرات العقود مع جمهورية جنوب افريقيا ونيجيريا وكينيا وغانا وزامبيا وتنزانيا ودول أخرى، عقد المنتدى بعد فترة بسيطة من محاولة الانقلاب في تركيا، مما يؤكد أن أفريقيا تقف على قمة أولويات تركيا من ناحية الاقتصاد والسياسة الخارجية، وجاء خطاب أردوغان في المنتدى سياسيا، وهذا يعد مؤشرا على التوجه التركي في الاستفادة من الدول الأفريقية لدعم السياسة التركية.
الصومال نموذجا
استطاعت تركيا أن تحقق نجاحا ملحوظا فى سياستها الخارجية تجاه القارة الأفريقية وتعتبر الصومال بوابة تركيا الاستراتيجية إلى عمق القارة، والذراع العسكري لها أيضا في إفريقيا.
ترجع أهمية الصومال بالنسبة لتركيا لما تحظى به من موقع استراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما أنها تشرف على خليج عدن، والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يعد واحدًا من أهم طرق التجارة العالمية، كما تؤكد التقارير وجود مخزون واعد من النفط والغاز الطبيعي في الصومال. وكذلك تجاور الصومال دولة إثيوبيا الحبيسة ذات الأهمية الكبيرة خاصة فيما يتعلق بالمياه ومنابع نهر النيل ولهذا اهتمت تركيا كثيرا بالصومال، حيث كان أردوغان أول رئيس وزراء تركي يزور الصومال خلال عقدين وكان ذلك في 2011 وعاد ليزورها في يناير 2015.
ويقول الباحث بريندون كانون في مقال له عن تقييم التجربة التركية في الصومال والدروس المستفادة منها، إن عمل تركيا مع الصومال, التي يراها الكثيرون نموذجًا للدولة الفاشلة, جدير بالملاحظة على نحو خاص بسبب النجاحات التي حققها، وأن أنقرة اتبعت نهج عالي التنسيق باستخدام أدوات القوة الخشنة والناعمة تحت تصرفها ويمكن تكراره في أماكن أخرى في القارة، يساعدها على ذلك أن الآراء الأفريقية عن تركيا إيجابية, وخاصة بعد دور تركيا في الصومال، على عكس ما يتعلق بكل من الصين والولايات المتحدة في أفريقيا، بالإضافة إلى هذا, يتطلع الكثير من القادة الأفارقة حاليًا لبدائل من الشركاء السياسيين والاقتصاديين. ربما تصبح تركيا قوة أساسية.
وهناك عدة أسباب ساعدت تركيا على النجاح في الصومال منها:
التوقيت: اختارت تركيا مشاركة في الصومال في أواخر 2011 عندما انحسر تهديد الإرهاب، وجرى انتخاب حكومة فيدرالية جديدة – هي الأولى منذ عقدين – قبل دخول تركيا مباشرة.
القدرة على المخاطرة:
كانت الظروف فى ذلك الوقت تكتظ بجهات دولية و اقليمية كثيرة تتواجد فى الصومال ولكن نجاح تركيا فى بدء مشروعات التنمية, والمصالح التجارية, والمبادرات التعليمية, والاتفاقات العسكرية، كان نوعا من المخاطرة مع إدراك أن المشروعات الخطرة تقدم عائدات كبيرة إذا تمت إدارتها بطريقة صحيحة.
القوة الناعمة: إن براجماتية تركيا في الصومال جعلتها تقود مجموعة كبيرة من أساليب القوة الناعمة, من الفرص التعليمية إلى الإخاء الدبلوماسي إلى الإجراءات الإنسانية.
غياب العراقيل: كان ماضي تركيا العثماني وهويتها الإسلامية بمثابة متغيرات رئيسية تحرك عمل تركيا مع الصومال وشرق أفريقيا، ويعزز ذلك غياب الماضي الاستعماري والإمبريالي و على الصعيد الاقتصادي, تتجنب تركيا العراقيل الرأسمالية للسوق الحرة التي تهدف لتأمين أفضل اتفاقية بغض النظر عن التكلفة، لقد مهد هذا الطريق لتركيا لكي تقتنص عقودًا مربحة مُنحت مبدئيًا للصينيين في تنزانيا, وإثيوبيا ورواندا, وكانت أيضًا بمثابة ميزة في الصومال فيما يخص عقود البنية التحتية مثل ميناء مقديشيو والمطار.
العمل الأحادي الجانب:
تعمل تركيا بطريقة أحادية وتخصص لنفسها دائرة نفوذ في الصومال وغيرها من الدول الأفريقية عن طريق استغلال الأوضاع الراهنة, وقد ساعدت تركيا نفسها وكذلك الصومال في بعض القضايا عن طريق عدم ربط إجراءاتها وسياساتها في الصومال, مثلا, بأهداف أى بعثات اخرى يتم تواجدها
القاعدة التركية العسكرية في الصومال
افتتحت تركيا قاعدتها العسكرية في الصومال على خليج عدن وتشتمل القاعدة على ثلاث مدارس عسكرية، ومخازن للأسلحة والذخيرة، وذلك على مساحة تبلغ 400 دونم بتكلفة 50 مليون دولار، وأكدت القوات المسلحة التركية، أن هذه القاعدة هي أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها.
وبالطبع فإن وجود قاعدة تركية في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة القريبة من البحر الأحمر وعلى ممرات التجارة العالمية يمثل تهديدا للأمن القومي المصري والعربي، فهي تساعد تركيا على التواجد في هذه المنطقة الاستراتيجية عسكريا بذريعة مكافحة الإرهاب..
ختاما: ترى تركيا أن قوة علاقاتها مع الصومال وغيرها من الدول الأفريقية عاملا لحصولها على مزيد من التأييد لسياستها على الصعيدين الدولي والإقليمي لدعم مشروعها الخاص وفرصة جيدة لتحقيق المكاسب الاقتصادية، وعلى جامعة الدول العربية أن يكون لها دور فاعل في دعم الصومال التي تُعد أحد الأعضاء بها ضد تدخل الأطراف الأخرى التي تضر بأمن المنطقة.
المرجع الأساسى لهذا التقرير هو دراسة أنجزها مركز “فاروس” للدراسات، ونشرها بعنوان: ” التحركات التركية في القارة الأفريقية.. الصومال نموذجا”

اترك تعليق