نهى المأمون

منذ أن قررت الإستقلال و الإنتقال للمعيشة و العمل بالعاصمة ،بعيدا عن الاسكندرية الماريا ببحرها و هواها و ترابها الزعفران، وأصبحت الوحدة رفيقي الاجباري ،الرفيق اللدود و الونس الموحش ،بالطبع لدى الكثير من الزملاء و الأصدقاء سواء من العمل أو خارجه ،ولكن يظل البعد عن الأهل وحدة و غربة و حياة قاسية .

ظل هاجس الموت وحيدة في منزلي يطاردني لفترات طويلة، حتى أنني اعتدت في سفرات العمل الا احكم غلق باب غرفتي بالفندق،ليكون من السهل الوصول إلى ،فكرة سخيفة و قاسية لا تناسب شابة مثلي في ربيع العمر و لكننا لا نختار ما يسكن بعقلنا الباطن مهما تظاهروا من الخارج بالحيوية و الإنطلاق و حب الحياة

الى أن استيقظت اليوم على خبر وفاة الفنان ابن فناني المفضل أحمد زكى ، مات وحيداً بمنزله ،بعد حياة مليئة بالوحدة و اليتم و الغربة و فقد الأحباء تباعاً واحداً تلو الآخر ،ورأيت كيف تحولت قنوات السوشيال ميديا إلى صفحات نعى و عزاء لهذا الشاب الجميل الطيب الذي من المؤكد أنه الآن على موعد مع أهله بدار الحق.

و لكن لماذا لا نعبر بكل هذا الحب الا بعد الفقد و الرحيل، لماذا يصر الجميع على الترك و الهجر و القسوة و يندمون وقت لا ينفع الندم ، أليس من الأفضل أن تخبر من تحب انك تحبه و هو على قيد الحياة ،ان تشعره بهذا الدفء و الونس و تشاركه حياته القاسية فضلاً عن الرثاء ،فما فائدة حديقة من الزهور على قبرى و أنت لم تسأل عنى يوماً في حياتي ،لم تزور بيتي يوماً ولا تعلم كيف أضحى و أمسي ،كيف تمر أيامي في المرض ،و ليالي الشتاء الباردة.

أتعجب لطبع الإنسان، لماذا لا يعلم قيمة الأشياء الا عندما تذهب بلا رجعة ولا يقدرها إلا بعد أن تودعه الوداع الأخير، الدنيا دار لهو ولكن أتمنى ألا يلتهى عنا احبائنا حتى يستيقظوا يوماً ليجدوا أننا أصبحنا بمكان بعيد يصعب الوصول إليه، ولا يملكون سوا الدعاء و بعض كلمات الرثاء و باقة ورد لا تسمن ولا تغني من جوع … تمسكوا بأحبتكم جيداً و عبروا لهم بكل السبل عن هذا الحب ، فالحياة وحيداً هي الأصعب والأقسى على الاطلاق ،كما أقول دائما أن تقتلني برصاصة خير لي من أن تتركني وحيدة في هذا العالم القاسي، الوحدة التى هى حقا أشد من القتل

اترك تعليق