إسماعيل منتصر

من أجمل المشاهد المؤثرة التى شاهدتها مؤخرًا.. مشهد لمجموعة من الأطفال ولدوا فاقدين لحاسة السمع.. لم يسمعوا صوتا فى حياتهم قط.. لكنهم استطاعوا عن طريقة تقنية زراعة قوقعة الأذن استعادة هذه الحاسة..
ويصور المشهد أول لحظة يستعيد فيها هؤلاء الأطفال حاسة السمع.. أول لحظة يسمعون فيها صوتا!..
فرحة هيستيرية غامرة تجعل الدموع تتساقط من عينيك.. ودهشة حقيقية تراها على وجوههم تصيبك بذهول عظيم..
الإلكترونية إلا واحدة من آلاف المخترعات التى قدمها العلم والعلماء لسعادة البشرية وتقدمها.. والحقيقة أن هذا العلم وهؤلاء العلماء لا يزال عطاءهم يتدفق بمعدلات سريعة جدًا لإسعاد البشرية وتقدمها..
وهكذا عرفنا الكثير جدًا!..
عرفنا الروبوتات الطبية التى تستخدم فى العمليات الجراحية وبفضلها اختصر وقت الجراحة وأصبح فى إمكان الطبيب إجراء العمليات الجراحية بدقة عالية جدًا..
وعرفنا شبكة الإنترنت وهى نظام عالمى ينقل البيانات عبر أنواع مختلفة من الوسائط.. وعرفنا الهواتف الذكية التى ترسل وتستقبل المكالمات التليفونية وتبعث بالرسائل وتلتقط الصور وتتحول إلى كمبيوتر.. كل ذلك بلمسة إصبع!..
وعرفنا الطائرات التى تطير بدون طيار والسيارات الهجينة التى تعمل بالوقود وبالبطاريات الكهربائية فى نفس الوقت..
وعرفنا الروبوت الزراعى أو الفلاح الآلى الذى يستخدم فى الزراعة من أجل تحسين الكفاءة وتقليل الاعتماد على العنصر البشرى..
وعرفنا أدوية وعقاقير استطاعت تدمير بكتيريا وفيروسات أصابت البشرية بأضرار بالغة..
وعرفنا النانو تكنولوجى وهو تطبيق جديد أمكن من خلاله صناعة ثلاجات لا تختلط فيها الروائح وسيارات تلمع دائمًا حيث لا يمكن لذرات الأتربة الاستقرار عليها..
وعرفنا الكثير والكثير الذى يستحيل حصره إلا فى مجلدات ضخمة.. ويكفى أن نعرف أن العالم شهد خلال الخمسين عاما الأخيرة تقدما علميا فاق معدل التقدم الذى شهده العالم خلال الألفي عام الماضية..
عاصرت دخول التليفزيون مصر فى عام 1960.. أى قبل ستين عاما.. أيامها تصور المصريون أن يوم القيامة اقترب!..
بعد سنوات قليلة ظهر الراديو الترانزستور.. وكنت واحدًا من السعداء الذين اقتنوا هذا الجهاز الصغير العجيب..
ولعدة سنوات لم يظهر فى عالمنا اختراع يلفت الأنظار ثم فجأة أصبح العلماء والمخترعين يسبقون العفاريت.. فبدأت أجهزة عجيبة وغريبة لم نسمع عنها من قبل تغزو عالمنا..
وهكذا ظهر مسجل الصوت الذى يصل حجمه إلى حجم كف اليد.. ثم بدأ حجمه يصغر حتى أصبح فى حجم الزرار الصغير.. وعرفنا الكمبيوتر الذى قلب حياتنا رأسا على عقب ثم ظهرت الألعاب الإلكترونية التى بدأت بأجهزة ساذجة ثم تطورت فأصبح الطفل يقفز أمامها ويجرى ويشوط الكرة ويسدد البندقية كأنه يعيش داخل اللعبة!..
وظهرت أجهزة الفيديو وكاميرات الفيديو.. وعرفنا لأول مرة أن التليفون لا يقتصر وجوده داخل المنازل أو المكاتب أو المحال التجارية.. وإنما يمكن أيضا تركيبه فى السيارة..
وتطورت أجهزة الاتصال بشكل سريع ومتلاحق.. فى البداية ظهر “البيجر” الذى تظهر على شاشته أرقام التليفونات التى يطلب أصحابها الاتصال بك.. ثم بدأنا نعرف أجهزة المحمول والتى سرعان ما تطورت لدرجة أن أنواعها وموديلاتها الأولى لم يعد لها مكان إلا فى المتاحف!..
وتطورت الأجهزة الطبية بشكل مذهل فزادت قدرة الأطباء على التشخيص الصحيح والعلاج الدقيق السريع..
أما الأسلحة فحدِّث ولا حرج.. صواريخ عابرة للقارات.. صواريخ تصطاد الصواريخ.. طائرات مسيرة تطير وتبحث عن أهدافها وتضربها وتعود سالمة آمنة!..
وأطاحت أجهزة البث الفضائى بالعديد من المخترعات، فأصبح البيجر والفيديو وكاميرا الفيديو فى ذمة الله.. وبدأت “الأطباق” تغزو أسطح العمارات والبنايات بعد ظهور الدش.. وحتى هذا الدش تطور بشكل أصبح معه أذكى من اللازم فأصبح قادرًا على فك شفرات القنوات المشفرة..
باختصار انطلقت سيارة التقدم والتطور العلمى إلى الأمام بسرعة فائقة.. لكن الغريب أن سيارة الأخلاق والذوق كانت فى نفس الوقت ترجع إلى الخلف (!!!)
إذا أردت أن تعرف إلى أى مدى تدهورت الأخلاق فى مصر.. اقرأ معى ما كتبه شيخ الصحفيين فكرى باشا أباظة فى الأربعينيات..
كتب فكرى أباظة يقول: إن الشاب الصفيق من هؤلاء يتعمد الوقوف على رصيف محطة الترام بالقرب من المكان المخصص لركوب السيدات.. وعندما يجد سيدة تقف بمفردها يقترب منها بمنتهى البجاحة ويقول لها دون سابق معرفة: بنسوار يا هانم (!!!)
هكذا كان المجتمع ينظر إلى الشاب الذى يقترب من سيدة لا يعرفها ويقول لها بنسوار يا هانم.. هكذا كان المجتمع يعتبره شابا صفيقا وبجحا.. وأظن أنه لم يدر بخاطر فكرى باشا أباظة أيامها أن هذا الشاب الصفيق البجح الذى يعاكس السيدات بعبارة “بنسوار يا هانم”.. هو ملاك منزل من السماء بالمقارنة بشباب هذه الأيام الذين يتحرشون بالفتيات بالهمس واللمس والعبارات الخالية تماما من الحياء!..
وما الذى كان يمكن لفكرى باشا أباظة أن يكتبه إذا سمع المصريين يتنابذون بالألقاب فى الشوارع ويسبون بعضهم البعض مستخدمين كل أعضاء الأم.. والأب؟!
وماذا كان سيكتب لو سمع عن الانفلات الأخلاقى الشنيع الذى أصبح سمة من سمات المجتمع المصرى.. أب يقتل أولاده.. ابن ينهى حياة أمه لتعاطيه المخدرات.. أخ يقتل شقيقه ويسرق شقيقته.. طلاب يعتدون على مدرسهم.. ناهيك عن ارتفاع معدلات الجريمة بشكل صارخ.. قتل وسرقة ورشوة وسب للدين وانحدار لغة الخطاب ورواج الألفاظ البذيئة وانحراف السلوك وغيرها من الجرائم والمخالفات الأخلاقية التى أصبحنا غارقون فيها!..
الذوق أيضا انحدر بشكل فظيع.. فى كل المجالات.. فى الغناء وفى السينما وفى المسرح.. حتى الملابس انحدر ذوقها فأصبحت الموضة بنطلون ممزق وتى شيرت قصير يظهر ما تحته من ملابس داخلية..
وفى إطار انحدار الذوق كان المسرح الكوميدى يعتمد على كوميديا المواقف فأصبح رأس ماله الوحيد هو الألفاظ البذيئة.. وللأسف تتزايد ضحكات المتفرجين.
أما السينما التى كانت تعتمد على القصص والحكايات التى يكتبها أعظم المؤلفين.. وعلى ممثلين محترمين.. ومخرجين يحافظون على تقاليد المجتمع فلا يظهر على الشاشة ما يخدش حياء المشاهدين.. أما هذه السينما فقد اختفت وحل محلها سينما تكسر كل قواعد الذوق وتظهر كل ما هو قبيح..
أما فى الغناء فقد انحدر الذوق وهوى إلى سابع أرض.. وبعد أن كان المطرب أو المطربة يختارون أجمل القصائد ويؤدون أجمل الألحان.. أصبحنا نستمع إلى فن هابط وضع اسمه “المهرجانات” وبعد أن كنا نستمع إلى أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش وغيرهم.. أصبحنا نستمع إلى شاكوش وحمو بيكا وغيرهما من المطربين الذين لهم القدرة على الهبوط بالذوق العام إلى أسفل السافلين!..
كانت المرأة تقول فى الزمن الجميل: وعزة نفسى منعانى.. لكنها اليوم تقول بمنتهى الوقاحة والتبجح: مش هاتنازل عنك أبدا(!!!)
لماذا تتحرك سيارة العلم والتقدم العلمى للأمام.. وفى نفس الوقت ترجع سيارة الأخلاق والذوق إلى الخلف؟..
أظن أن السبب هو خلل معادلة غذاء الروح وغذاء الجسد.. العلم والعلماء والمخترعات والتقدم العلمى.. يقدمون للجسد كل ما يحتاجه من راحة وحماية ورفاهية.. لكننا نسينا ونحن نسعى لتحقيق هذا الهدف أن الروح تحتاج إلى الغذاء مثلها مثل الجسد.. وهكذا أصبحنا نعيش فى عصر.. قلة الأخلاق وقلة الذوق.. وقلة الأدب (!!!)

اترك تعليق