د. ناجح إبراهيم

البعض يصر على المشاغبة مع الدين وعلمائه، ويصر على المشاغبة كذلك مع المساجد والكنائس دون أن يكون لهما علاقة بالموضوع الذى يتحدث عنه، وبعضهم كتب مغرداً «الكورونا أثبت أن عدد المستشفيات لازم يبقى أضعاف دور العبادة وأن تبرعاتك لغرفة عناية مركزة أفضل ألف مرة وأكثر ثواباً من التبرع لبناء جامع أو كنيسة».

وكأنَّ هناك تناقضاً بين المسجد والكنيسة والمستشفى والعناية المركزة، ومع أنها جميعها لها رسالة سامية، وكّل يكمل الآخر، فلن يعيش الناس دون إيمان ويقين ولجوء إلى الله ومحبة للمحبوب الأعظم وهو «الله» وثقة به من خلال دور العبادة، ولن يعيش مجتمع بصحة جيدة دون مستشفيات متطورة ومراكز صحية متقدمة، فالصحة لا تُغنى عن الإيمان وإلا كنا فى أجساد البغال وقسوة الحجارة وغلظتها.

كان بإمكانك أن تنصف الدين مرة واحدة لو قلت إن كل هذه الإجراءات التى اتخذها العالم فى موضوع «كورونا» أخبر عنها الرسول منذ أكثر من 15 قرناً وهو يتحدث عن عدوى الطاعون «إذا سمعتم الطاعون بأرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض، وأنتم فيها، فلا تخرجوا منها»، ولكنك للأسف لا تنصف المسجد والكنيسة ولا الرسل، فى مواقف تفزع فيه كل الأمم إلى دينها وأنبيائها ورسالاتها لتستمد منهم المدد الروحى.

فهذا «ترامب» رأس العلمانية يدعو أمريكا للصلاة، وهذا «ستالين» خصم الأديان ورأس الشيوعية يفتح المساجد والكنائس بعد غزو «هتلر» لبلاده. وهذا رئيس وزراء إيطاليا الآن يقول بعد تفشِّى «كورونا»: «انتهت حلول الأرض الأمر متروك للسماء». هؤلاء يعلمون قدر السماء وقدر الله أكثر من بعضنا، لأن حيلتهم البشرية قد عجزت، نريد ألا نعبد الأسباب، ولا نتركها فى الوقت نفسه، نهتم بالمصل ولكن لا نقدمه على الله، أو نعبده من دون الله. لا تعارُض بين المسجد والكنيسة والمستشفى، لو قام كل منها بدوره، فالمسجد والكنيسة هما المستشفى الأكبر والأشمل والأعم. ويكمل صاحبنا مشاغباته مع الدعاء والذكر ويقحمهما فى أمر لا علاقة لهما به فيقول: «الفيروس لن يحترم دينك ومذهبك، ولكنه سيحترم مناعتك ووقايتك ولن يخشى الفيروس دعاءك وأذكارك، ولكنه سيخشى لقاحك ودواءك».كلام ظاهره نافع وباطنه يوشى بأن الذكر والدعاء واللجوء إلى الله لن تنفع الإنسان بشىء سواء فى مواجهة المرض أو غيره، المهم لقاحك ودواؤك، إذاً فماذا عن آلاف الأمراض التى ليس لها لقاح ولا دواء؟ ماذا عن القوة المعنوية التى يبثها الإيمان والتى أثبتها الطب وهى أقوى رافع للمناعة؟ ولك أن تراجع كل أطباء الأمراض النفسية. الأديان أمرتنا بالبحث عن اللقاح والدواء، فاللقاح مهم، ولكنه ليس كل شىء، الطب مهم ولكنه ليس كل شىء، وأخطر ما تصنعه هو صناعتك لخصام مفتعل بين الدين والحياة، والواجب والواقع، والمسجد والكنيسة والمستشفى، والنص والعقل. ذكر الله واللقاحات والأمصال، الدعاء والتداوى، كلاهما من الله الواحد الأحد، كلاهما أمر الله به، كلاهما من مصدر واحد. هذا الخصام النكد لم يأتِ من الدين، بل أتى من عند أناس لم تتذوق قلوبهم حلاوة الذكر الذى هو أعظم الطاعات قاطبة وأسهلها «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ»، فلم تهِم قلوبهم بالمحبوب الأعظم سبحانه فظنوا التواصل معه نوعاً من العبث واللهو أو كراهية الحياة. يا قوم أعظم من يعمرون الحياة وينيرونها هم أصحاب الوصال الحق مع المحبوب الأعظم سبحانه. وبيوت الله تزيد أهميتها على المستشفى، لأنها المستشفى الأكبر الذى يعالج الناس من الأدواء الباطنة مثل الحقد والشح والغلظة والقسوة والأنانية والغرور والكبر، أما المستشفى فهو يعالج فقط الأمراض الظاهرة.

القياس الصحيح الذى نسيه ويصر على نسيانه البعض هو أن عدد المستشفيات وأقسام العناية المركزة لا بد أن تكون أكبر من المقاهى والكافيهات، لا بد أن تكون أهم من أقدام لاعبى الكرة الذين يباع ويشترى الواحد منهم بالملايين، وأوْلى عند الناس من تجارة المخدرات التى ينفق الشعب المصرى المليارات عليها وتدمر صحته وعافيته، لا بد أن تكون أوْلى من التدخين والشيشة التى تباع بمليارات. ويمكن لهؤلاء المشاغبين مع المساجد والكنائس أن يراجعوا مليارات المصريين التى أنفقوها على المخدرات والدخان والشيشة العام الماضى وهى تكفى لبناء آلاف المستشفيات.

مشكلة الناس ليس لدعائهم واستغفارهم ولكن لنقص الدعاء والذكر مع قصور العلم والفهم، فقد قصرت أمتنا فى الأمرين معاً «الإيمان والعلم، والدعاء واللقاح، والذكر والمصل» لقد فقدت أمتنا الأمرين معاً «النص والعقل، الإيمان والعلم».

اترك تعليق