وزير الخارجية الاسبق السفير محمد حجازى

 

6 سنوات من عمر ثورة 30 يونيو هى الأهم فى تاريخ مصر المعاصر، خاضت مصر خلالها عدة معارك متنوعة الأهداف، وعلى عدة جبهات، على النحو الذى يمكن أن نصفه بأنه عبور جديد ولكن هذه المرة للداخل.

فى هذا العبور جابهت مصر تحديات جسام ولازالت.

تحدى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها بعدما تعرضت له من هزة عبر سنوات الإضطراب السياسي منذ عام ‭2011‬، فانتقلت مصر من مرحلة البناء المؤسسي واستعادة كيان الدولة إلى عملية بناء شامل سواء كان الأمر يتعلق بالبنى التحتية من مشروعات قومية عملاقة وبنية اقتصادية  من خلال برنامج هام  ورئيسى وصعب للإصلاح الاقتصادى إعاد للاقتصاد المصرى كيانه واعتباره وقدرته على المنافسة والإنتاج.

ثم انتقل لمرحلة مجابهة المخاطر الداخلية ومنها القضاء على نشاط الجامعات الإرهابية  التى كانت تنتشر فى الداخل وفىسيناء ليكون  لجيشنا الوطنى وشرطته الباسلة يد البطولة فى هذه المعركة التى حاربتها مصر نيابة عن العالم. وتستمر معارك مصر منذ ثورتها لتستعيد كيان  الوطن وتستعيد  مكانة البلاد على صعيد العمل السياسي الخارجى فتتحقق عملية دقيقة  من التوازن بين القوتين  الأعظم ليمكنها أن تطلق على علاقتها بروسيا الاتحادية وبالولايات المتحدة علاقات استراتيجيا قائمة على الاحترام المتبادل والندية والتقدير والدعم والمساندة.

بالإضافة إلى العلاقات الوطيدة بالاتحاد الأوروبي الجار والشريك التجارى الأهم  والجار التاريخى للمنطقة العربية.

هذا بالإضافة إلى أن العلاقات  العربية  تستعيد تدريجيا كيان المنطقة والحفاظ على أمنها القومى وتتصدى للتدخلات الخارجية  وخاصة الإقليمية من تركيا إلى إيران وأثيوبيا فإسرائيل كلها  تحديات تساعد فيها مصر اشقائها  للتوصل لحلول  تضمن سلامة الأوطان ووحدتها الإقليمية  ومنها كانت المبادرة المصرية السياسية الأهم على الساحة الليبية.

ونأمل أن يقود التحرك المصرى المجتمع الدولى لفرض  الحل السياسى أمام دعاة الحرب والتدخل واستغلال الوطن الليبيى والحيلولة  دون نوصل أبناءه وأقاليمه للتوافق سياسي.

وتستكمل مصر مسيرتها  فى علاقات هامة وتاريخية مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من بلدان آسيا  لتستمر عملية الانفتاح الخارجى على أسس من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.

وتقدم مصر أيضا نفسها  كنموذج للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي وتتصدى  لمحاولات زعزعة الاستقرار سواء كان الأمر  يتعلق بمفاوضات المياه مع إثيوبيا التى من خلالها  تسعى مصر لتثبيت قواعد القانون الدولى والحيلولة دون الدخول فى خلاف مع دولة إفريقية شقيقة، حيث تدعو دائما لاحترام حق إثيوبيا فى التنمية ولكن حق مصر فى المياه وهو حق مكفول وفقا للقانون الدولى وحقها فى الحياة.

هذا بالاضافة لعلاقات مصر بالقضية الفلسطينية وهى القضية الأم التى بذلت مصر عبر تاريخ القضية تضحيات جسيمة وتتصدى حاليا للتعاون مع الأشقاء لمحاولة إسرائيل ضم الأراضى الفلسطينية المحتلة وتتعامل مصر بفاعلية مع الملف الإفريقي عبر السنوات الست الماضية لتنتقل خلال عام ‭2019‬ لمرحلة نضج هذه العلاقات غير المسبوقة من التكامل والسعى المشترك لتحقيق الأمن والاستقرار فى القارة الإفريقية وإسكات البنادق ومبادرات عدة ساهمت فيها مصر مثل إنشاء منتدى أسوان ليكون محفلا لتبادل الرأى بين القادة الأفارقة حول العديد من القضايا الأمنية والاستراتيجية وثبتت مصر حقوق القارة الأفريقية لدى تمثيلها لها فى كافة المحاور الدولية سواء كان الأمر يتعلق بقضايا المناخ فى مؤتمر باريس أو فيما يخص ديون القارة على مستوى التجمعات الاقتصادية الكبرى.

كما دعت مصر لدعم ومساندة القارة وتخفيف الديون عنها ومواجهة عملية الهجرة غير الشرعية من خلال توطين استثمارات فى القارة.

كما سعت مصر مع أشقائها لتأسيس منطقة التجارة الحرة الإفريقية فى يوليو من العام الماضى لتكون بداية لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود وعملت مصر ليس فقط على مجابهة المخاطر التى تهدد الأمن والسلم العالمى والإقليمي بل تحركت لبناء وطن قادر على حماية مقدرات شعبه وحماية الأمن القومى العربى ومساندة الدول الأفريقية وإقامة علاقات شراكة وطيدة مع كافة دول العالم دون تفرقة أو الانخراط فى جبهات وتكتلات والتصدى لكل المهددات التى يتسبب فيها تدخل قوى إقليمية فى الشأن العربى.

وتأمل مصر من خلال جهدها المشترك مع الأشقاء فى استعادة عناصر فى الموقف العربى وعناصر الأمن القومى العربى لتجابه تلك التدخلات والمخاطر على رأسها فى التدخل الإيراني فى الشأن الخليجي والتدخل التركى فى شؤن ليبيا

بالإضافة إلى شمال العراق وسوريا كل هذه المواجهات الخارجية تبذل فيها مصر من خلال الدور السياسى مساعى جادة للحل بالتعاون مع الشركاء الدوليين وقد ساهمت ثورة يونيو فى استعادة الاقتصاد الوطني بالبنى الهيكلية سواء كان برنامج الإصلاح الاقتصادى الهام والصعب والناجح ولكن أيضا من خلال البنى التحتية التى شملت ليس لقط 7 آلاف كيلو متر من الطرق أو بناء عاصمة إدارة جديدة أو شق قناة السويس وازدواجها ولكن أيضا البنية التحتية لقطاع النفط والطاقة وبنية تحتية عصرية فى قطاع البنوك وكذلك تأسيس الجامعات وتأهيل قطاع التعليم وتحديثه والانتقال لعصر الرقمنة «الديجتاليزاشن» من خلال عمل البنوك والمصارف

وقد أسهمت كل هذه التحولات فى استعادة الاقتصاد المصرى لفاعليته وشراكته الدولية وسط تقدير واحترام من مؤسسات التموين الدولية.

ولم تكن ثورة ٣٠ يونيو بعيدة عن تبنى هذا المشروع القومى الذى لم يشمل فقط البنى التحتية للوطن تأسيس عاصمة جديدة وغيرها من المشروعات التى أشرت إليها ولكن المشروع الأهم الذى حظي باهتمام مصر من خلال ست سنوات من عمر ثورتها وهو الاهتمام بالإنسان وبصحته من خلال برنامج «‭100‬مليون صحة» والتخلص من «فيرس سى» فى حملة شهد لها العالم بعد أن كان من الأمراض التى كان تهدد مصلحة الوطن وأبنائه وصحتهم لتنتقل بعد ذلك مصر بالاهتمام بالتعليم وإنشاء الجامعات وتحديث نظم ومناهج المدارس حتى تكون العملية التعليمية هى مدخل لبناء الإنسان

بالإضافة للاهتمام بالثقافة والفنون مجمل هذه الاجراءات توحى بأن مصر مصرة على تبنى مشروع قومى عصرى.

وتمثل 30/6 ذكرى هامة لانطلاقة شعب نحو المستقبل وبسرعة تليق بتعويض ما فاتنا من سنوات وبناء وطن قادر على مصلحة وحماية المنطقة والحفاظ على الأمن والسلم فيها وكذلك الأمن والسلم العالمى.

……………………..

* المساعد السابق لوزير الخارجية

SHARE

اترك تعليق