د. قاسم المحبشى

حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما يترسخ يصير ثقافة ق.م.

لا تكمن مشكلة العنف في اضراره الواقعية المباشرة التي يحدثها في الاجساد والنفوس بمستويات مختلفة بما يتركه وينمّيه من أثار غائرة  في القلوب والأذهان وخطر موجة العنف الذي تعيشها المجتمعات العربية الإسلامية اليوم بمختلف أنماطها واشدها قسوة وهمجية ووحشية التي تفتك بحياتنا أمتنا العربية العظيمة المستمرة منذ عقود بما لم يشهد له تاريخ مثيل تعد بكل المقاييس أسوأ كارثة في تاريخ الإنسانية على الإطلاق ولا يكمن خطرها فيما نعيشه ونشاهده كل يوم من فضائع وجرائم ترتكب تحت رايات طائفية قذرة في كل مكان وما رأيناه من مشاهد دامية بالصور الثابتة والمتحركة في العراق وسوريا وليبيا واليمن وفِي كل مكان ؛ مشاهد مروعة تقشعر لهولها الابدان لا يكمن خطرها فيما خلفته من مئات الالف من الضحايا لاسيما من النساء والأطفال أكثر الشرائح الاجتماعية تضررا من الحروب والنزوح والخوف والتهديد بل إن خطرها الحقيقي الذي يفزعني حقا يكمن في تلك القيم الثقافية التي ينمطها في سلوك ومواقف واتجاهات الناس من خلال انخراطهم المباشر أو غير المباشر في ممارسة العنف والعنف المضاد الواقعي والرمزي وعبر التعايش معه على المدى الطويل بتكرار ممارسته ومشاهدته والتكيف معه بوصفه من الظواهر المألوفة في حياتنا وبحسب القاعدة التي تقول : انه كلما طال أمد تعايش الناس مع ظاهرة من الظواهر كلما تكيفوا معها واستبطنوها في في نفوسهم وسلوكهم وقيمهم وثقافتهم، وتلك هي مفارقة المعتقد كما سماها عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر بيير بورديو في كتابه المهم ( الهيمنة الذكورية ) بمعنى أن تكرار ممارسة العنف ومشاهده على المدى الطويل في مجتمع من المجتمعات يحوّله الى ما يشبه العادة وما ادراك ماذا يعني تحول العنف المقدس الى عادة وطبيعة ثانية للفاعلين الاجتماعيين الذين سرعان من يستبطنونه في حياتهم الداخلية وعلاقاتهم الاجتماعية وقيمهم الأخلاقية والجمالية ومعتقداتهم الأيديولوجية والدينية ويترسخ بوصفه ثقافة أي هابيتوس بحسب بيير بورديو الذي  يُعرّف الهابيتوس بأنه نسق من الاستعدادات المكتسبة التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى العالم الذي يكتنفه، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقا لهذا التصور يعد “الهابيتوس” جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل الوجود بالنسبة للفرد والمجتمع. وحينما يتحول العنف الى هابيتوس ثقافي للمجتمع تكون الكارثة قد حلت بكلملها الفاجع على كاهله إذ يصير ثقافة وأسلوب حياة للجماعة والثقافة ياسادة ياكرام تعني في معناها الأنثربولوجي العلمي ( ما يبقى بعد نسيان كل شيء ! وهكذا هو الحال كما تحدثنا الدراسات العلمية الميدانية للفقر على سبيل المثال؛ إذ يكون خطر الفقر فيما ينمطه من ثقافة في حياة وسلوك الفقراء المغلوبين على أمره في كل زمان ومكان! ولكن ليس هناك ما هو أخطر من العنف والتطرف والتوحش والاستخفاف بدماء وكرامة البشر حينما يتحول إلى عادة ثقافية للكائنات الاجتماعية التي تمارسه بتلقائية وحماسة وحمية وكأنما هو من الممارسات الطبيعية المقدرة على الناس المؤمنين به وبنتائجه المأساوية

بوصفها من تدبير الرحمن الرحيم جل وعلى عما يصفون ويفعلون! الا تلاحظون ان العنف المادي والعنف الرمزي صار يجرف الجميع إلى دوائره الجهنمية في جميع البلدان العربية بمستويات مختلفة وعند كل فئات السكان من ألعاب الأطفال وحتى قنابل النابل عنف الحروب والدمار المستمر وعنف الإرهاب والتطرف وعنف الفقر والجوع وعنف النظم والسياسات الفاسدة وعنف الكلام والخطابات والصور والإعلام والتواصل والاتصال وهكذا بات  العنف يحاصر الجميع في عالمنا العربي المسمم بالبؤس والجريمة في الأرض والفضاء يتدفق علينا ليلا نهارا بسيل من الوقائع والأخبار والصور من كل الاتجاهات فكيف السبيل إلى تربية الأجيال الناشئة في هذه البيئة الاجتماعية والثقافية الملغمة برموز وقيم شديدة العنف والوحشية  ؟ وليس هناك ما هو اخطر ولا افظع من ( العنف المقدس ) اقصد العنف الذي يمارس تحت رايات أيديولوجية ويستمد تبريره منها !

رغم علمنا بان العدوان متأصل في الطبيعة البشرية ولا مهرب من ذلك ، لكن يظل العنف معقول وممكن في حدود الطبيعة الإنسانية  منذ ان قام قابيل بقتل اخوه هابيل ، وهذا هو معنى ((من يفسد في الارض ويسفك الدماء)) كما جاء في التنزيل الكريم .والعنف في هذه الحالة يكتسب صيغة بشرية بوصفه عنفا بين الاخوة الاعداء،  بين بشر متخاصمين ، بين ذوات إنسانية ، بين المتشابهين في النوع والجنس والصفات لكن الخطر يكمن حينما يتحول العنف البشري الطبيعي إلى عنف مقدس بين اخيار وأشرار،  بين ملائكة وشياطين ! كما هو حال في حروب الطوائف المشتعلة اليوم في كل مكان من بلادنا العربية في  العراق وسوريا واليمن وغيرها، هنا يخرج العنف عن حدود معقوليته البشرية وطبيعته الإنسانية ليتحول إلى حالة ما قبل مقبل طبيعية وما بعد إنسانية حيث ينشب المحاربين مخالبهم بعضهم ببعض كسراطين البحر حتى الموتّ! ومن هنا يمكن لنا فهم حجم القسوة المهول الذي يتميز به هذا النمط من انماط العنف المقدس, انه لا يكتفي فقط بهزيمة الخصوم , لأنهم  غير موجودين هنا , بل هو سعي محموم لتخليص العالم من( شر مستطير ) هو الشيطان الرجيم عدو( الله سبحانه وتعالى برحمته عما يصفون ) , ومن يعتقد انه  من انصار الله او حزب الله فهو يسوس هوية الآخرين الأغيار بعدهم شياطين ! ومن يتمكن من الامساك بالشيطان , ماذا تريده أن يفعل به ؟! مع الشياطين كل شيء مباح ولا حرمات يمكنها ايقاف الغل المخزون من الاندياح ! وهذا هو ما يفسر الجرائم المروعة التي يرتكبها ما يسمى ب أنصار الشريعة أو انصار الله  الذين قدموا من كهوف مران المظلمة في صعده الشمالية انهم يحلون قتل كل سكان المدينة تضرعا الى الامام المعصوم وابتقاء الجنة  لكن المسألة تكمن في عدوى العنف وانتشاره مثل النار بالهشيم .ان العنف المقدس المتبادل بين طائفتين كل منها تعتقد انها ملاك والاخر شيطان , يشبه اللهب الذي يلتهم كل شيء يلقي عليها بغرض اطفاءه . انه غل مركب من الثأر الجاهلي والتعصب الطائفي

والذئب لا يأكل الذئب وان كان جائعا أم الإنسان فيفترس الإنسان وهو شبعانا!

………………………..

* أكاديمى وشاعر وأديب يمنى

اترك تعليق