اللواء سمير فرج

حوار : وليد فائق 

«غيرت حرب أكتوبر مفاهيم وأساليب ونظريات القتال في العالم أجمع» هذا ما أكده اللواء سمير فرج في حواره مع مجلة «أكتوبر» في ذكرى النصر، مشيرًا إلى أن أكتوبر من أعظم الحروب في العصر الحديث، وأنها دليل على عظمة المخطط والمقاتل المصرى، وقبل ذلك عظمة الشعب الذي صمد ووقف خلف جيشه حتى تحقق النصر.

أشار الخبير العسكرى البارز، اللواء سمير فرج إلى أن كافة تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية قبل الحرب أكدت استحالة قيام مصر بعمل عسكرى شامل، إلا أن الجيش المصرى خالف كل تلك التوقعات وعبر القناة وحطم خط بارليف وأذاق إسرائيل هزيمة قاسية اعترف بها قادتهم وقتها، مؤكدًا أنه لولا الجسر الجوى الأمريكى لما صمدت إسرائيل أمام الجيش المصرى الذى أثبت بالفعل أنه خير أجناد الأرض.

ونحن نحتفل بذكرى انتصار أكتوبر.. ماذا يحضرك فى هذه المناسبة؟

– حرب أكتوبر من أعظم الحروب التى تمت فى العصر الحديث، حيث أعادت للجيش المصرى كرامته، وللشعب أرضه واعتباره.. ولكى نعرف قيمة أكتوبر، يجب أن نتذكر النكسة، ففى 5 يونيو بعد ضرب مطاراتنا العسكرية، صدرت لنا الأوامر بالانسحاب بدون أى خطط لهذا الأمر.

كنت أعرف حجم الهزيمة، تخيل أنه تم تهجير 3 مدن كاملة وهى مدن القناة، ومع ذلك تحمل الشعب راضياً.. كان الاقتصاد المصرى كله موجهاً للحرب.. وكان الشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».. كانت تصرف للأسرة دجاجتين فقط شهرياً، ولكن كان الكل راض وصامد خلف بلده وجيشه.

حرب الاستنزاف

وبدأنا فى بناء دفاعاتنا على الضفة الغربية للقناة.. 3 شهور ونحن نحفر الخنادق ونبنى المواقع، وبدأنا نستقبل  سلاحا جديدا أخذنا نتدرب عليه، فى هذه الفترة حدثت معركة «رأس العش» التى كانت أول معركة مباشرة بين الجندى المصرى ونظيره الإسرائيلى فى 67.. حيث تصدت فصيلة صاعقة مصرية مكونة من 30 عسكريا مسلحا بـ «الآر بى جى»، ولا تملك إلا سلاحها وحبها لمصر، لسرية مشاة ميكانيكية إسرائيلية مكونة من 10 دبابات، ومنعتهم من دخول رأس العش وبورفؤاد.

دائمًا أقول إن فترة الاستنزاف كانت فترة عظيمة فى تاريخ قواتنا المسلحة، أعدنا فيها تنظيم دفاعتنا، وتسليح جيشنا والأهم استعدنا الروح المعنوية.. أؤمن دائماً بمصطلح «الحرب تعلم الحرب».. ونحن تعلمنا جيداً فى حرب الاستنزاف ، صحيح كان لدينا خبراء روس وتعلمنا منهم كثيرا، لكن التعلم الأساسى كان فى حرب الاستنزاف، وإذا كان السادات هو من اتخذ قرار الحرب، فبالنسبة لى فإن قراره بطرد الخبراء الروس قبلها بسنة كان أقوى من قرار الحرب نفسه، وهو من أعظم قرارات السادات، حتى يكون التخطيط والتنفيذ للحرب مصرياً 100%، وليس بمعرفة خبير أجنبى.

بدأنا أيضاً فى حرب الاستنزاف بناء حائط الصواريخ، ولولا هذا الحائط لما كنا قد عبرنا قناة السويس وحققنا النصر فى أكتوبر، من الذى بنى هذا الحائط؟ مهندسون وعمال المقاولون العرب، الذين كانوا يضحون بحياتهم فى بناء هذا الحائط.. وإذا كان الدفاع الجوى قد قام بملحمة فى حرب أكتوبر 1973، فقد كان وراءهم شعب عظيم وقف خلف جيشه الذى هو خير أجناد الأرض ليس بالكلام ولكن بالفعل.

عباقرة القيادة

شاركت فى انتصار أكتوبر.. ما هى ذكرياتك عن الحرب؟

– خلال حرب الاستنزاف وكنت وقتها برتبة نقيب، تقدمت لامتحان كلية أركان الحرب، كنا 1500 ضابط تقدموا للامتحان، نجح منهم 154 ضابطا، وكنت الأول فى امتحان القبول بالكلية، فى ذلك الوقت ترقيت لرتبة رائد بعد قبولى بالكلية، استمرت الدراسة لمدة سنة ونصف وكان زميلى فى الدورة اللواء عمر سليمان وكان برتبة عقيد وقتها، قبل الحرب بحوالى شهر تم إبلاغنا بأننا سوف نتخرج الأسبوع القادم، وبالفعل تم عقد امتحان للدفعة، وأيضاً حصلت فيه على المركز الأول، وبالطبع كان يجب توزيعنا على وحدات الجيش، ولأنى كنت أول الدفعة فتم إلحاقى بهيئة عمليات القوات المسلحة، وكأن الله أراد مكافأتى على تفوقى، فأراد أن التقى بالـ40 ضابطًا «العباقرة» الذين خططوا وقادوا حرب أكتوبر بكامل تفاصيلها، منذ اختيار يوم وتوقيت الحرب من خلال «صلاح فهمى نحلة»، وخطة الخداع الاستراتيجى «أحمد نبيه»، التحركات «ممدوح رضوان»، وبالطبع الفريق «سعد الشاذلى» الذى تضمن أدق تفاصيل خطة العبور واقتحام خط بارليف، كانوا كلهم جهابذة.

ولأنى كنت أصغر ضابط فى غرفة العمليات، فقد كان دورى العمل على خريطة العمل الكبيرة التى تظهر تحركات القوات، شاهدت الحرب كلها من غرفة العمليات.. وكيف تتخذ القرارات أثناء الحرب، ونتائج المعارك.. قبل الحرب بحوالى 3 أيام فتحنا مركز غرفة العمليات تحت الأرض، وذلك لاختبار الاتصالات مع قادة الجيوش ومختلف وحدات القوات المسلحة.. وبالفعل نفذنا مشروعا تدريبيا سريعا لتجهيز الاتصالات، وأن كل فرد بغرفة العمليات يعرف مهامه جيداً، فاتصلنا بقائد الجيش الثانى، والثالث، وبالقوات البحرية التى كانت فى طريقها لقفل باب المندب، وسوريا حتى نختبر إرسال صور القتال لدمشق، وأتذكر وقتها أنه كان لدينا جهاز بدائى لإرسال الصور يعمل بالنشادر، تصل الصور من خلاله بعد ساعة. قبل الحرب بيوم بدأنا نتابع ما نطلق عليه «الفتح التعبوى والاستراتيجى» للعملية، حيث تقدمت الكبارى وأخذت مواقعها بجانب القناة.. عناصر الخطة الهجومية بدأت تستعد.. بدأت المدفعية تركز مهامها.. أخذت القوات الجوية تنتشر وتحتل المطارات الخاصة بها طبقاً للخطة التى سوف تنفذها لكى تنطلق ساعة التنفيذ من مطارتها المختلفة، وتلتقى فى توقيت واحد فوق قناة السويس للقيام بمهمتها.

السادات على الجبهة

يوم 6 أكتوبر الساعة 12 الظهر، وعقب انتهائنا من الصلاة.. وجدنا اللواء عبد الغنى الجمسى يقول إن ضباط هيئة العمليات فقط يظلون بالغرفة، ويغادرها باقى الضباط.. وأتذكر أننا جلسنا مع الجمسى الذى سألنا بعد فترة «تعتقدوا عندما نعبر القناة ونصل لعمق 15 كيلومترًا، هل نكمل الخطة للممرات أم لا؟»، والحقيقة ورغم كل الإجراءات التى كنا نتخذها فلم يكن أحد يصدق أننا سنعبر بالفعل.. كان حلمًا بالنسبة لنا.. كنا نتشكك فى أنه فى أية لحظة سوف نسمع عبارة «كما كنت»، والتى تعنى إلغاء الخطة وعدم الحرب.. كنا نتساءل هل سنقتحم حقاً خط بارليف ذى الـ 32 نقطة حصينة والذى أكد الروس أننا نحتاج قنبلة ذرية لتدميره؟!.. لم نصدق أن الحرب ستقوم بالفعل إلا الساعة الثانية إلا الثلث عندما نزلت قوات الصاعقة البحرية لقناة السويس لسد فوهات أنابيب النابالم، وأخذنا التمام بذلك فى غرفة العمليات.

حوالى الساعة الواحدة جاء الرئيس السادات لغرفة العمليات، وكان برفقته عساكر يحملون صوانى بها سندوتشات وعصائر، كنا فى رمضان وصائمين.. لكن الرئيس قال يا أولادى لقد أعطانا المفتى اليوم فتوى بأننا فى حرب جهاد، وأننا يجب أن نفطر، وأرجو أن تبلغوا كل أولادنا على الجبهة لكى يفطروا لكى يستطيعوا أن يحاربوا وربنا معانا وهو الذى أعطانا هذا العذر، ومر العساكر على الضباط وكل فرد أخذ سندوتشين وعلبة عصير، ووضعهم أمامه، ولكننا لم نأكل إلا عند الساعة 8.30 مساء عقب نهاية الوردية.

موجات العبور

الساعة 2 إلا خمس دقائق بدأت الشاشة الكبيرة فى غرفة العمليات تظهر تحرك قواتنا الجوية، وعبرت 200 طائرة حربية القناة، وهنا تأكدنا أننا لن نسمع عبارة «كما كنت» أبداً، ولم تكد تأتى الساعة الثانية والربع، الا وأنا أسمع أحلى خبر فى هذا اليوم وقائد القوات الجوية الإسرائيلية يأمر قواته فى رسالة مفتوحة غير مشفرة بعدم الاقتراب من القناة لمسافة 15 كيلومترًا خوفاً من حائط الصواريخ المصرى، وقتها قلت أننا سوف ننجح، بعدها بدأت المدفعية فى الضرب، وبدأت 12 موجة عبور بالقوارب المطاطية طبقاً للتوجيه 41 الذى وضعه الشاذلى، بعدها اقتحمنا خط بارليف وبدأت النقاط الحصينة للخط فى التساقط تباعا، حوالى الساعة الثالثة جاء خبر استشهاد عاطف السادات شقيق الرئيس، وأتذكر وقتها أن السادات قال لنا عاطف لم يكن مجرد أخى، ولكنه كان بمثابة ابنى ولكن هذه مصر وكلنا نضحى من أجلها.

الجسر الجوى الأمريكى

جاءت الساعة 8 ميعاد تغيير الوردية، وبالطبع غلب علينا الحماس ولم يكن أحد منا يريد أن يترك موقعه لضباط الوردية الجديدة، فأمسك الشاذلى الميكروفون، وأمرنا كلنا أن نذهب لنستريح وننام حتى نصبح فى كامل تركيزنا فى اليوم التالى، فتركنا مواقعنا على مضض، أثناء الليل بدأ إنشاء رؤوس الكبارى لتعبر عليها الدبابات.. الكبارى انفتحت فى مواعيدها، 5 كبارى لا يوجد كوبرى تعطل أو أصيب، وبدأت الدبابات فى العبور، واستمرت العملية الهجومية بنجاح تام لأن التخطيط كان أكثر من رائع، إلى أن جاء يوم 9 أكتوبر الذى أطلقوا عليه فى إسرائيل «اليوم الأسود» أو الحزين، حيث أعلنت جولدمائير وديان فى مؤتمرهما الشهير هزيمة إسرائيل، وهناك مصادر أكدت أنهم قرروا يومها استخدام قنبلتين ذريتين تكتيكيتين واحدة لضرب الجيش الثانى، والأخرى لضرب الجيش الثالث، حيث أعتقدوا أن الجيش المصرى سوف يستكمل هجومه للحدود ويدخل إسرائيل، ومن هنا جاء الجسر الجوى الأمريكى لإسرائيل حتى إن واشنطن قررت توفيرا للوقت أن يأتى السلاح من مخازن قواعدها فى ألمانيا إلى مطار العريش رأسا، وانفتحت يومها مخازن الأسلحة الأمريكية لإنقاذ إسرائيل، خاصة صواريخ «التو» المضادة للدبابات التى كان لها دور رئيسى فى الثغرة، وكانت وقتئذ أحدث الصواريخ الأمريكية التى لم تكن منحتها لأى دولة، ولولا هذا الجسر الجوى الأمريكى لما كانت إسرائيل قد نجحت فى الصمود أمام الجيش المصرى، وفى يوم 15 أكتوبر طورنا الهجوم فى اتجاه المضايق لتخفيف الضغط على الجبهة السورية، ولكننا للأسف لم ننجح لأننا خرجنا خارج حماية حائط الصواريخ..

سقوط الأساطير

ماذا تمثل لك حرب أكتوبر؟

– أكتوبر بالنسبة لجيلنا ككل بمثابة الحلم الذى تحقق.. اكتسبت الثقة فى نفسك كضابط وجندى.. أضاعت هيبة جيش الدفاع الإسرائيلى.. كسرت رهبة هذا الجيش.. حطمت أسطورة سلاح الطيران الإسرائيلى.. تحطم على أيدى قواتك الجوية وحائط الصواريخ.. مقبرة الدبابات التى حدثت فى سيناء للدبابات الإسرائيلية بعد تدمير لواء مدرع إسرائيلى بالكامل، وأسر قائده «عساف باجورى» أمام الفرقة الثانية مشاه ميكانيكى بقيادة حسن أبو سعدة.. أكتوبر حركت قضية اللاسلم واللاحرب.. لأنك من خلال حرب أكتوبر حررت جزءا من أرضك، واستعدت الباقى بعملية السلام، بعد أن أدركت إسرائيل أنك قادر على هزيمتها.. كانت حلم حققناه، منذ يونيو 67 ونحن نسأل الخبير السوفيتى فى الكتيبة متى سنحارب؟ ونكرر السؤال كل سنة وفى كل مرة كان الخبير الذى يدعى «ميخائيلوف» يقول «انتظروا، لسه بدرى» حتى كرهناه.. كنا نريد الحرب.. تحرير الأرض.. تخيل أرضك أمام عينيك وبينك وبين العدو 200 متر، وهو رافع علمه على أرضك.. كم يساوى ذلك؟ فى أكتوبر استعدنا كرامتنا، قبل أكتوبر وكما شاهد الجميع فى فيلم الممر لم نكن نستطيع أن نمشى فى الشارع بحرية، كنا نخجل لهزيمتنا.. استعدنا كبرياءنا فى حرب أكتوبر، وعندما يأتى النصر بنفس الجيش الذى انهزم قبلها بسنوات قليلة، يكون هذا جيشا عظيما لشعب عظيم أيضاً.

أكتوبر غيرت المفاهيم القتالية فى العالم، وحتى فى حرب الاستنزاف، فمع تدمير المدمرة إيلات تغير الشكل التسليحى البحرى فى العالم كله، ولم تعد المدمرات هى المفضلة، بل الفرقاطات ولنشات الصواريخ وأصبح هناك دور للقوات الخاصة البحرية.

تكتيكات جديدة

وواصل اللواء سمير فرج: أكتوبر وضعت أيضًا مفاهيم وتكتيكات جديدة للقتال، ففى مفاهيم القتال للقوات الجوية، كانت العقيدة القتالية سواء فى الغرب أو الشرق تصنف الأوضاع القتالية الجوية إلى 3 بنود، الأول أن يكون لديك مثلا 600 طائرة، فى حين يمتلك العدو 800 طائرة، إذن فهو يتمتع بسيطرة جوية على مجالك الجوى، هناك أيضاّ بند التعادل الجوى فى حالة تساوى عدد الطائرات والإمكانيات بين الطرفين المتحاربين، أما إذا كان هناك طرف يمتلك على سبيل المثال 1200 طائرة، وخصمه يمتلك 400 طائرة فقط فنحن هنا أمام حالة سيادة جوية، المصريون فى حرب أكتوبر أضافوا بندا رابعا أطلق عليه بعدها «تحييد القوات الجوية المعادية»، وذلك بعد استخدامهم حائط الصواريخ ليمنعوا القوات الجوية الإسرائيلية التى تتمتع بتفوق عددى ونوعى من الاقتراب من قناة السويس لمسافة 15 كيلومتر والتدخل فى المعركة، ولكننا قمنا بتحييده وقطعنا ذراعه الطولى كما كانوا يطلقون على قواتهم الجوية.

القتال البري

أما عن مفاهيم القتال البرى التى غيرتها حرب أكتوبر، فكما قلت فإن إسرائيل كانت تعتمد على أسلوب الدفاع المتحرك طبقاً للعقيدة الغربية، وقد بنيت خطتها الدفاعية على أساس خط بارليف المكون من نقاط حصينة، فى حين يتواجد الاحتياطى فى الخلف منتظرا توجيهه للمنطقة التى يأتى منها الهجوم ليتم تدمير القوات المهاجمة تماماً، وللتغلب على ذلك فإن المخطط المصرى بنى خطته على الهجوم بطول الجبهة البالغة 180 كيلومتر، وبالتالى لم يستطع الإسرائيليون مواجهة الهجوم المصرى ولم يعرفوا إلى أى منطقة يوجهون بها هجومهم المضاد، وبالتالى فشلت نظرية الدفاع المتحرك على أيدى المصريين، ولذلك فإنه بعد سنتين من الحرب وفى الدور السادس من البنتاجون تم تطوير هذه النظرية، واليوم عندما تعود لمبادئ العمليات الدفاعية فى العقيدة الغربية تجدهم يذكرون نصا أنهم كانوا يستخدمون الدفاع المتحرك، ولكن ما فعله المصريون ضد هذا الأسلوب فى حرب يوم كيبور أجبرهم على تغييرة لنظرية جديدة أطلقوا عليها «الدفاع النشط»، بحيث لا يكون هناك احتياطى واحد، بل أكثر من احتياطى لمواجهة هجوم من كل الاتجاهات وعلى جبهة عريضة كما قام المصريون فى حرب أكتوبر.

هذا ما حققته حرب أكتوبر على المستوى العالمى، غيرت مفاهيم وأساليب ونظريات القتال فى العالم، سواء براً أو جواً أو بحراً.

أركان حرب كمبرلى

ما هى قصة التحاقك بكلية كمبرلى لأركان الحرب فى لندن؟

– أثناء الحرب، وفى غرفة العمليات وقف الرئيس السادات على خريطة المعركة يستفسر عن إحدى النقاط، فقيل له يا افندم العدو الإسرائيلى يتبع أسلوب الدفاع المتحرك، ونحن لم ندرس هذا الأسلوب لأنه عقيدة غربية، فى حين أننا نتبع العقيدة الشرقية فى القتال.. فتساءل السادات ولماذا لا ندرس العقيدة الغربية؟ فأوضحوا له أنه منذ صفقة الأسلحة التشيكية وما أعقبها من عدوان ثلاثى ونحن لا نرسل ضباطنا للدراسة فى الغرب، فطلب من القادة إرسال ضباط للدراسة فى أمريكا وإنجلترا، وبالفعل أرسلنا طلبات لهذه الدول، وكانت إنجلترا أول دولة ترد علينا أيامها ووسط الحرب، حيث طلبوا إرسال ضابط مصرى للالتحاق بكلية أركان الحرب بكمبرلى – وكانوا يريدون أن يتعرفوا وقتها على فكرنا وكيف خططنا وحققنا انتصار أكتوبر ووقتها وقع على الاختيار من قبل رؤسائى باعتبارى كنت الأول على دفعة أركان الحرب فى مصر، فسافرت إلى إنجلترا.

هل تريد أن تقول إن أكتوبر كانت سببا فى التحاقك بكلية كمبرلى؟

– نعم بالطبع كانوا يريدون أن يعرفوا كيف حققنا نصر أكتوبر؟ كنا فى كمبرلى 140 ضابطا من 44 دولة بينها إسرائيل، واستطيع أن أقول إنه لم توجد محاضرة ألقيت إلا وبعد انتهائها يقول المحاضر: ميجور فرج من فضلك علق لنا على خبراتكم فى العمليات الهجومية.. ماذا فعل المصريون فى الحرب فى هذه النقطة – التى كانت تدور حولها موضوع المحاضرة-؟ وكان معى الضابط الإسرائيلى ولم يسأله أحد.. عندما أرادوا تطوير خطة الدفاع المضادة للدبابات فى مسرح عمليات غرب أوروبا استعانوا بى فى تطوير هذه الخطة، وبالطبع أقسمت القسم بحفظ أسرار الخطة. وكان ذلك راجعاً فى الأساس لما قام به المخطط والمقاتل المصرى فى حرب أكتوبر، فطبقاً لخطة الفريق الشاذلى فإن الجنود المصريين كان عليهم أن يحاربوا يوم كامل خلال الحرب بدون دبابات، وهو يوم 6 أكتوبر، حيث لم تكن الكبارى قد أقيمت فى أول يوم للحرب، فى حين عبر المشاة فى القوارب المطاط للضفة الشرقية وكان عليهم مواجهة الدبابات الإسرائيلية، وكان هذا مستحيل تماماً سواء فى العقيدة الغربية أو حتى الشرقية التى ننتهجها، ولحل هذه المعضلة تفتق ذهن المخطط المصرى وهو هنا الفريق الشاذلى على تزويد المشاة المصريين بالصواريخ مضادة للدبابات (الأر بى جى)، وبالفعل تصدوا لدبابات العدو ومنعوها من التدخل حتى أقيمت الكبارى وعبرت دباباتنا فى اليوم الثانى للقتال، وبالتالى فالمخطط المصرى فى حرب أكتوبر غير مفهوم استخدام الدفاع المضاد للدبابات فى العالم كله، ولذلك اشتركت وأنا طالب فى تطوير خطة الدفاع المضاد للدبابات فى غرب أكتوبر، لأنهم كانوا يريدون الاستفادة من خبرتنا سواء فى هذه النقطة أو فى الحرب كلها.

مناظرة شارون

وما هى قصة مناظرتك الشهيرة مع شارون حول حرب أكتوبر؟

– كما قلت كنت أول ضابط مصرى يذهب إلى أنجلترا للدراسة فى كلية كمبرلى الملكية لأركان الحرب منذ 20 سنة.. وأتذكر أنه بعد أسبوعين فقط من وصولى للكلية فوجئت بصورة لى فى الصفحة الأولى لجريدة الصنداى تايمز – ولا أعرف حتى الآن كيف أحضروا هذه الصورة – ومكتوب عنوان الخبر أول ضابط مصرى يحضر كمبرلى، وفى التفاصيل أننى سوف أدرس وأعود لأقتل الإسرائيليين مرة أخرى.. مع أن الأنجليز وقتها وافقوا على أن ألتحق بكمبرلى بسبب انتصار أكتوبر لأنهم كانوا يريدون الاستفادة من خبرتنا فى الحرب، المهم فى اليوم التالى لنشر الخبر فى الصنداى تايمز وجدت مدير الكلية الجنرال «بيتش» يعتذر لى عما نشر قائلا لا تغضب فنحن فى دولة حرة، ولكنك مرحب بك هنا من قبل حكومة جلالة الملكة.

فى ذلك الوقت كان هناك برنامج حوارى يذاع فى الـ BBC يسمى «بانوراما» يقدمه المذيع الشهير «أدجار آلان»، وكان يذاع أسبوعيا يوم الأحد الساعة السابعة مساء وهو وقت الذروة لدى الإنجليز، فكان البرنامج يجتذب نسبة كبيرة من الجمهور الإنجليزى خاصة مع أسلوب أدجار المشوق وأحراجه فى كثير من الأحيان لضيوفه.

المهم فى أحد الأيام استدعانى الجنرال بيتش لمكتبه، فوجدت لديه المذيع الشهير الذى عرفنى عليه مدير الكلية، فأجبته أعرفه بالطبع فقد شاهدت معظم حلقات برنامجه منذ وصولى لندن، فأجابنى أدجار أنه يريد عمل حلقة عن حرب أكتوبر أتحدث فيها عن الحرب، خاصة أن كل من كان يتطرق للحرب من وجهة النظر المصرية فى ذلك الوقت كانوا من الضباط الإنجليز الذين درسوا الحرب ولم يشاركوا فيها.

التنسيق مع القيادة

كنت ضابطا صغيرا وشابا متحمسًا.. وربما لو كنت أكبر سناً وأكثر خبرة لكنت رفضت العرض فوراً، ولكن عندما عرض أدجار الفكرة تذكرت واقعة حدثت قبل السفر لإنجلترا مباشرة، حيث ذهبت لكى أودع المشير أحمد إسماعيل، وكان يطلق على أثناء وجودى فى هيئة العمليات أثناء الحرب لقب «الجوكر»، وبعد أن بارك لى على السفر، سألته يا أفندم سوف أسافر لإنجلترا، ولدى معلومات كثيرة فى عقلى، فما الذى يمكن أن أفصح عنه؟ وما الذى يجب ألا أقوله ؟ فأجابنى مباشرة: أنت ضابط صغير وشاطر والأول على دفعة أركان الحرب، فكل ما هو فى مصلحة مصر يمكنك قوله، وكل ما تجد أنه ليس فى مصلحة البلد لا تتكلم فيه.. تذكرت هذه الواقعة عندما عرض على أدجار اقتراحه، ومن هذا المنطلق وجدتنى أوافق على العرض ولكن لى 3 شروط، أولها ألا تكون الأسئلة على الهواء إنما مكتوبة ومعدة مسبقاً ويتم عرضها على قبل البرنامج بوقت كاف. ثانيا: إذا رفضت الإجابة عن أى سؤال يتم حذفه فوراً، ثالثاً: سوف أتواصل مع القاهرة فإذا لم يوافق رؤسائى على البرنامج فبالطبع يعتبر الاتفاق لاغيا، ولأن الحلقة كانت بالنسبة لأدجار «سبق إعلامى» كبير، خاصة أننى سأكون أول ضابط مصرى يتحدث عن الحرب فى الإعلام الإنجليزى – فى الوقت الذى كان فيه جنرالات إسرائيل وفى مقدمتهم شارون يتحدثون بصورة شبه يومية عن الحرب فى وسائل الإعلام- وبالفعل أرسلت للقاهرة عرض أدجار، وقتها كان المشير الجمسى أصبح وزير الدفاع بعد وفاة المشير إسماعيل رحمه الله، ووافق الجمسى الذى كان يعتبرنى بمثابة ابنه أن أحضر البرنامج قائلا: سمير شاطر وسيتحدث كويس» وعندما أرسل لى أدجار الأسئلة وجدت بها أسئلة لابد من الرجوع فيها للقاهرة، فأرسلت للواء عادل عبد الله مدير التدريب وقتها الذى عرض الأمر على الجمسى، فى ذلك الوقت كانت هناك إجازة عيد القيامة فى لندن فأرسلت القاهرة تستدعينى وبالفعل عدت لمصر وجلست مع لجنة من هيئة العمليات والمخابرات، وقمنا بالإجابة عن الأسئلة لأنه بالتأكيد هناك طريقة للإجابة عندما تتحدث مع الإعلام العالمى، وجهزنا الإجابات وعدت للندن.

برنامج فى اتجاهين

واستطرد اللواء سمير فرج: فوجئت عند عودتى بإدجار آلان يقترح أن يستضيف فى الحلقة جنرالاً من إسرائيل ليعرض وجهة نظرهم، معللا ذلك بأنه لا يريد أن يكون البرنامج فى اتجاه واحد، فأجبته ما المانع مصر هى المنتصرة فى الحرب، فأجابنى أنه سوف يحضر شارون، فى ذلك الوقت كان شارون شخصية شهيرة فهو يتحدث فى وسائل الإعلام بصورة شبه يومية، وكان يقول «أنا الذى أنقذت إسرائيل من الدمار بعد أن كان المصريون على أبوابها»، أنا الذى رفعت العلم الإسرائيلى على إفريقيا»، وبالمناسبة شارون كان خريج كمبرلى التى كنت أدرس فيها.

قبل الحلقة بأسبوع فوجئت بزيارة أخرى من أدجار مقترحاً تحويل الحلقة مرة أخرى إلى مناظرة، شارحاً لى أنت ستقول وجهة النظر المصرية فى الحرب، وشارون سيلقى وجهة النظر الإسرائيلية، ويحكم بينكما خبراء من المعهد الدولى للدراسات الإستراتيجية فى لندن، وهو المركز الذى يجمع خيرة الباحثين العسكريين فى مجال الاستراتيجية والأمن القومى فى العالم، وهنا أدركت أن الأمر كان فخاً ومحاولة توريط خاصة أن الوقت كان متأخرا على الرفض.

في الحلقة القادمة

اعتراف بالتفوق المصري

 

 

اللواء سمير فرج

اترك تعليق