قيادات الإخوان

جاءت إيميلات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في حكومة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لتؤكد ما نشرته «أكتوبر» عبر سلسلة مقالات لرئيس التحرير منذ أكثر من عام، والتي كشفت المؤامرة الأمريكية على حكومات وشعوب الوطن العربي وتحالف «الولايات المتحدة» مع تنظيمات وجماعات إرهابية مسلحة لتغيير الأنظمة السياسية في المنطقة والتي تعارض السياسة الأمريكية أو تقف في طريق سيطرتها على المنطقة.

تحت عنوان «مخطط تفكيك الدول» نشر رئيس التحرير دراسة تحليلية وثائقية تكشف الكثير من جوانب المؤامرة «الأمريكية – الغربية – الصهيونية» على الأمتين العربية والإسلامية، وذلك فى سلسلة من المقالات بدأت فى العدد رقم (2239) الصادر بتاريخ 22 سبتمبر 2019 وحتى العدد (2254) الصادر بتاريخ 5 يناير 2020، وكشفت المقالات محطات مهمة فى المؤامرة على المنطقة العربية وفى القلب منها مصر، حيث إنه منذ أبريل عام 2004 بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن طريق للإطاحة بالرئيس الأسبق مبارك إثر حوار دار بينه وبين الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش بمزرعة الأخير فى كروافورد بولاية تكساس عام 2004، حول الديمقراطية ومستقبلها فى مصر، فى ذلك الوقت كانت الإدارة الأمريكية تسير بخطوات محددة باتجاه مصر.

استطاعت سفارة واشنطن بالقاهرة توطيد العلاقة مع المعارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان الإرهابية المرتبطة بالسفارة الأمريكية ارتباطًا وثيقًا، وهو ما اعترف به السفير الأمريكى بالقاهرة منذ 26 أغسطس عام 2005 وحتى 2008 «فرانسيس ريتشاردونى».

اعترافات ضابط الاتصال

ونشرت «أكتوبر» اعترافات ريتشاردونى، عن العلاقة بين جماعة الإخوان الإرهابية والقيادة الأمريكية، حيث أكد فرانسيس أنه خلال فترة عمله كضابط اتصال بالخارجية الأمريكية (تم تعيين ريتشاردونى بالخدمة الأجنبية عام 1978 وانتقل خلالها فى العديد من دول الشرق الأوسط، وكان المسئول عن لقاءات شباب الجماعات الأصولية)، التقى بثلاثة من مرشدى جماعة الإخوان (عمر التلمسانى، محمد حامد أبو النصر ومصطفى مشهور)، كما التقى بشباب الإخوان وقتها ومنهم د. عصام العريان.

التقارب بين الإخوان وإسرائيل

وتكشف مقالات «مخطط تفكيك الدول» عن دور الولايات المتحدة المباشر فى تدشين ودعم ما يسمى بـ «الربيع العربي» والذى جاء ضمن المؤامرة الأمريكية لتصعيد عملائها لسدة الحكم فى البلدان العربية، لدعم طفلتها المدللة فى المنطقة «إسرائيل»، حيث إنه «فى أغسطس 2010، قبل 6 شهور من انطلاق ما عرف بثورات الربيع العربى «ثورة الياسمين التونسية، ثورة يناير فى مصر وثورة 19 فبراير فى ليبيا والثورة اليمنية والثورة السورية» على يد منظمات غير حكومية أمريكية، شملت «الصندوق الوطنى للديمقراطية» و«مؤسسات سوروس» و«بيت الحريات» وغيرها، وقَّع الرئيس أوباما توجيهات رئاسية حملت رمز (PDS-11)، يأمر فيها الوكالات الحكومية الأمريكية بالاستعداد للتغيير فى منطقة الشرق الأوسط.

تمحور التغيير بحسب خطة أوباما حول دعم واشنطن جماعة الإخوان وشبكاتها الأصولية السرية فى جميع أنحاء العالم الإسلامى فى الشرق الأوسط، بالتزامن مع إطلاق العنان لعهد جديد من الإرهاب من شأنه أن يساعد فى تحقيق هدف الخطة المنشود.

وبحسب شهادة الرئيس السابق للجنة الاستخبارات المنتخبة الدائمة فى مجلس النواب الأمريكى (بيتر هوكسترا) التى أدلى بها أمام الكونجرس، لا تزال خطة أوباما المعروفة باسم (PSD-11) سرية للغاية، وذلك ووفقًا لشهادته؛ (وجهت خطة الحكومة الأمريكية بإعداد تقييم واسع لآفاق الإصلاح السياسى فى الشرق الأوسط ودور الإخوان فى هذه العملية)».

حجم الدعم المالى واللوجستى غير المحدود، الذى قدمته الولايات المتحدة للإخوان أثار شهية تنظيمات وأحزاب أخرى، فعرضوا أنفسهم على الإدارة الأمريكية حينها، فى إطار الصراع على صدارة «مشهد الخيانة والعمالة» بين تلك الحركات والجماعات طمعا فى الأموال والمناصب.

ورصدت المقالات الاتصال بين حزب النور والإدارة الأمريكية، حيث إنه عقب نجاح الثورات فى تغيير أنظمة الدول المستهدفة عدا سوريا التى تحولت إلى ساحة حرب بالوكالة، وقامت روسيا بدعم قوى لحليفها (بشار الأسد)، مع إفلات مصر من مخطط الفوضى، بدأت عمليات زيادة حجم الدعم المقدم لتنظيم الإخوان الإرهابى وعدد من حركات المعارضة والأحزاب الأصولية التى التقت بالسفيرة الأمريكية بالقاهرة قبل سفر عناصرها إلى واشنطن عدة مرات ومنها حزب النور السلفى الذى كان يسعى وقتئذ لتقديم نفسه لواشنطن كبديل عن جماعة الإخوان مبررًا ذلك بالأجواء المشحونة ضد الجماعة فى الشارع المصري، إلا أن مسئول بالإدارة الأمريكية والذى كان مسئولًا عن الترتيب لهذا اللقاء رفض مقترح مسئولى حزب النور، (عُقد اللقاء فى أحد الفنادق بولاية «ماساتشوستس» الأمريكية).

التقى مسئول حزب النور بوزير الخارجية الأمريكى السابق جون كيري، كما التقى بوزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبى ليفنى فى 16 إبريل 2016 خلال زيارتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتقت ليفنى مسئول حزب النور داخل الجامعة بناء على طلب الأول عقب محاضرة ألقتها فى جامعة هارفارد».

«خطة تسليم مصر»

وكشف المقالات بُعدا آخرًا فى المؤامرة، حيث إنه عقب سيطرة الإخوان على البرلمان ظنت الإدارة الأمريكية أنها نجحت فى تنفيذ خطتها لتسليم مصر إلى الجماعات الإرهابية، الأمر الذى كان له بالغ الأثر فى الاتجاه بالدولة المصرية نحو مخطط التفكيك من الداخل، خاصة أن الجماعات الاسلامية كانت متهيئة لإحداث أزمات مع الأقباط، وهو ما سيشكل ذريعة للتدخل الخارجى فى الشئون المصرية.

كانت «آنا باترسون» السفيرة الأمريكية بالقاهرة فى ذلك التوقيت شبه مقيمة فى مكتب الإرشاد، بل إنها كانت أحد المشاركين لهشام قنديل رئيس حكومة الإخوان فى لقاءات بعض المرشحين لتولى حقائب وزارية فى عام 2012 عقب تولى مرسى الحكم».

وعقب فوز الإخوان بالبرلمان، بدأت ممارسة ضغوط الجماعة الإرهابية على حكومة د. كمال الجنزورى والمجلس العسكرى للفوز بمجلس الشورى من ناحية ومن ناحية أخرى ضمان وصول أكبر عدد من العناصر الإرهابية العائدة من تنظيم القاعدة أو التى حصلت على عفو بعد أحداث يناير أو الهاربة من السجون ليستقروا فى سيناء ويصبح لدى الجماعة القدرة على تهديد الدولة المصرية حال حدوث ما يعيق تنفيذ مخطط «أخونة» مؤسسات الدولة للسيطرة على مفاصلها.

عرض الإخوان على الولايات المتحدة مجموعة من الخطوات لضمان أمن إسرائيل، وعُقد لقاء فى مكتب الإرشاد بالمقطم وعدد من قادة حماس والسفيرة الأمريكية بالقاهرة لإرسال رسالة طمأنة للإدارة الأمريكية للاستمرار فى دعم الإخوان للوصول إلى الحكم.

تسارعت الأحداث وواصلت الجماعة الإرهابية والأمريكان ضغوطهم فى الوقت الذى كانت العناصر الإرهابية التى قد وصلت سيناء بحلول مارس 2012 بلغت أكثر من 4000 عنصر ما بين قادمين من الخارج وقادمين من أبناء الصعيد والوجه البحرى».

 رسائل الدعم الأمريكي

وقدمت الإدارة الأمريكية لجماعة الإخوان عدة رسائل تؤكد دعمها لهم عندما أرسل البيت الأبيض مدير المخابرات الأمريكية فى ذلك الوقت «جيمس كلابر» (James Clapper) إلى الكونجرس مؤكدًا أن جماعة الإخوان «منظمة معتدلة» و «علمانية إلى حد كبير» و«تجنبت العنف» وليس لها هدف توسعى، على الأقل دوليًا.

كما ذكر «كلابر» أمام جلسة استماع عقدتها لجنة الاستخبارات بالكونجرس يوم 2 أكتوبر 2011 ردًا على سؤال للنائب سو مايك، «أن جماعة الإخوان فى مصر ليست متطرفة؛ لقد سعوا وراء غايات اجتماعية لتحسين النظام السياسى فى مصر».

وعن سر اختيار مرسى ليكون هو الواجهة التى تسيطر بها الجماعة ومن ورائها أمريكا على رأس الحكم فى مصر، كشفت المقالات أن قسم الأنشطة الخاصة ومجموعة العمل السياسى (SAD/PAG)، التابعين لوكالة الاستخبارات الأمريكية، رشح خمسة أسماء كان فى مقدمتهم د. محمد مرسي، وأرجعت ذلك إلى سابقة التعامل بينه وبين المخابرات الأمريكية فى القضية الشهيرة المعروفة بـ «الكربون الأسود» والتى أبلغ فيها مرسى المخابرات الأمريكية عن صديقه العالم د. عبدالقادر حلمي».

العلاقة بين المخابرات الأمريكية ومحمد مرسى سهلت عملية التفاهم حول خطوات مرحلة ما بعد 2011 وتم إعداد سيناريو أشرف عليه قسم الاتصال بالسفارة الأمريكية داخل مكتب الإرشاد حيث تم الدفع بمرسى ليكون رئيسًا لحزب الحرية والعدالة الذراع السياسى للجماعة الإرهابية فى ذلك الوقت، مما أتاح لمرسى عقد لقاءات متعددة مع عدد من المسئولين الأمريكيين فى القاهرة وخارجها تحت ستار رئاسته حزبًا سياسيًا».

 تصعيد مرسي

وبعد أن تم التجهيز للدفع بمرسى لتصدر المشهد فى الانتخابات الرئاسية، عرضت السفيرة الأمريكية خارطة طريق للانتخابات الرئاسية وكيف ستدفع الجماعة بمرشحها المستهدف لخوض الانتخابات والذى سبق تأهيله لهذا الدور.

بدأت الخطة باجتماع فى مارس 2012 بمكتب الإرشاد عرضت خلاله السفيرة «آن باترسون» والتى كان يرافقها فى تلك الزيارة أحد ضباط الاتصال بالمخابرات الأمريكية وقالت باترسون أن المجلس العسكرى لن يسمح للإخوان بالانقضاض على رئاسة الدولة خاصة بعد السيطرة على البرلمان ومجلس الشورى وبعد نجاح مخطط الضغط على المجلس العسكرى بالتظاهرات المستمرة وضغط الإعلام من جانب قنوات الجزيرة والجزيرة مباشر مصر واليرموك و25 يناير وغيرها من أدوات الجماعة الإرهابية للتعجيل بإجراء انتخابات مجلسى النواب والشورى وسيطرة الجماعة وحزب النور على 150 مقعدًا.

كان وليام بيرنز، مساعد وزير الخارجية الأمريكية وجون كيرى، رئيس لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس الشيوخ، وجيمى كارتر الذى زار مكتب الإرشاد فى 14 يناير 2012 والتقى المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد و«مرسى» خلال النصف الأول من عام 2012 قد اجتمعوا بالقاهرة أكثر من مرة قبل ذلك ومعروف عن كارتر أنه مؤسس ما عرف بالمجاهدين الأفغان.

عرضت باترسون أن يتم الدفع بخيرت الشاطر (الذى اتفق مع أحد مسئولى الإدارة الأمريكية فيما بعد على تقديم سيناء وطنًا بديلًا للفلسطينيين مقابل أن تحصل الجماعة على 8 مليارات دولار؛ ففى اجتماع للكونجرس يوم 8 مارس 2016 وُجِّهت الاتهامات إلى أوباما بإهدار ثمانية مليارات دولار وطالبه باسترداد المبلغ الذى استلمه خيرت الشاطر دعمًا لجماعة الإخوان المسلمين مقابل تسليم 40% من مساحة مصر للفلسطينيين التابعين لأعضاء حماس، ولما أصبح خيرت وأعوانه خارج السلطة أصبح أوباما فى ورطة لعدم إتمام الصفقة، وهذا هو الحرج الأساسى فى موقف أوباما الذى أثار حفيظة أعضاء الكونجرس.

يُذكر أن الوثيقة المتفق عليها وقع عليها كل من الرئيس المعزول مرسى ونائب المرشد العام خيرت الشاطر ومستشار الرئيس للشئون الخارجية عصام الحداد).

تم تقديم بديلين للشاطر حال خروجه من السباق، (وهو ما كان توقعته الجماعة) وهما محمد مرسى والذى كانت تميل له المخابرات الأمريكية أكثر من وزارة الخارجية، وعبدالمنعم أبو الفتوح الذى اعتبرته تقارير أمريكية أنه بمثابة الوجه الجديد لجماعات الإسلام السياسي.

لاقى الطرح الأمريكى استحسان مكتب الإرشاد، ولم يكن فى الحسبان أن يصدر حكمًا من المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان؛ ففى 14 يونيو 2012 أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمها بإبطال عضوية ثلث نواب مجلس الشعب، ما ترتب عليه حل المجلس بأكمله.

ولأن الجماعة الإرهابية والإدارة الأمريكية تجيدان استغلال الفرص، فى ذلك الوقت كانت الانتخابات الرئاسية تستعد لجولة الإعادة بين محمد مرسى وأحمد شفيق يومى 16 و17 يونيو 2012، فتم توجيه الكتائب الإلكترونية للجماعة والقواعد الحزبية لحزب الحرية والعدالة لحشد الأعضاء والمحبين، كما تم التوجيه بضرورة إقناع الناخبين بأن قرار المحكمة الدستورية العليا مؤامرة من جانب المجلس العسكرى على السلطة التشريعية، وهو ما يستوجب الاصطفاف خلف مرشح حزب الحرية والعدالة (محمد مرسي)، كما روجت الجماعة وحلفاؤها من التيار الدينى وبعض الحركات الثورية أن فوز أحمد شفيق هو بمثابة إعادة إنتاج نظام مبارك.

 وعود أمريكية

فى يوم 15 يونيو التقت السفيرة الأمريكية بالقاهرة مع المرشد العام للجماعة وعدد من أعضاء مكتب الإرشاد والمرشح الرئاسى محمد مرسى لتطمئن الإدارة الأمريكية على قدرة الجماعة على تأمين إسرائيل والتعهد بعدم قيام حركة حماس بإطلاق صواريخ باتجاه المستوطنات. وتعهدت الجماعة بإيجاد حل للقضية الفلسطينية على أرض سيناء.

فى ذلك الوقت أبلغت السفيرة الأمريكية وزارة خارجيتها أن اختيار العنصر (محمد مرسي) لتأدية المهمة كان موفقًا.

وقدمت باترسون وعودها لمحمد بديع المرشد العام قائلة: «سنقدم لكم كل الدعم من أجل الخروج من الأزمة مما يمكنكم من الاستمرار فى السلطة لسنوات»؛ وهو ما وافق هوى الجماعة التى كانت تصبوا إلى ذلك.

على مدى ثلاثة أيام لم تتوقف خلالها الاتصالات بين الإدارة الأمريكية والقاهرة وبالتحديد السفارة الأمريكية والمقطم (مكتب الإرشاد). وطلبت واشنطن من مكتب الإرشاد إعلان النتائج فجر اليوم التالى للإعادة خلال مؤتمر صحفي، فأعلن حزب الحرية والعدالة المنبثق عن جماعة الإخوان فى مصر يوم الاثنين 18 يونيو 2012 فوز مرشحه محمد مرسى وذلك لاستباق النتيجة والضغط على المجلس العسكري»

SHARE

اترك تعليق