– 4 محاولات لاغتيال محمد نجيب

– من محمد نجيب إلى جمال عبد الناصر.. التاريخ سوف يحكم بينى وبينك!

– نجيب يختلف مع عبد الناصر: الثوار ليسوا فلاسفة.

كتب: عاطف عبد الغنى

إنضم محمد نجيب للهيئة التأسيسة للضباط الأحرار، كان هو صاحب هذه التسمية التى أطلقت على مجموعة من الضباط وتسربت بعض أخبار هذه المجموعة، ومنشوراتها فى أوساط الجيش، تحمل اسم الضباط المناوئين للفساد، وكانت اللجنة التنفيذية لهؤلاء الأحرار، ترى أنه ليس بإمكانهم القيام بالثورة قبل سنة 1955 ، لكن توالت الأحداث مسرعة كالصخرة المندفعة على منحدر لتقدم هذا التاريخ ثلاث سنوات.. ونستطيع أن نلخص هذه الأحداث فى نقاط ثلاث:

أولا: انتخابات نادى الضباط ونتائجها المدهشة للجميع بسقوط كل من مرشحى الملك ونجاح كل مرشحى الضباط الأحرار وعلى رأسهم محمد نجيب، ماعدا جمال سالم ومحمد فوزى.

ثانيا: حريق القاهرة وتورط الملك فيه، إن لم يكن بالتآمر المباشر فعلى الأقل مهملا بتعطيل الجيش ورجاله عن إنقاذ القاهرة التى تحترق ويعبث فيها المخربون ولم يكن هذا الحادث إلا مظهراً من مظاهر الفساد التى زادت وطغت.

ثالثا: إنكشاف أمر تنظيم الضباط الأحرار حتى أنه فى يوم 20 يوليو أبلغ أحمد أبو الفتح رئيس تحرير المصرى صهره ثروت عكاشة أن هناك 14 ضابطا من ضباط الجيش ينتظرهم التشريد والاعتقال، وبالطبع كان هؤلاء هم الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار التى اجتمعت ورأت أنه لابد من التحرك سريعا لتنفيذ الخطة “نصر” بعد أن تم تقديم ميعادها فى نفس العام من شهر نوفمبر إلى أغسطس ثم إلى فجر 23 يوليو.

ليلة قيام الثورة القائد العام يصدر الأوامر

ونترك د. محمود نجيب الشقيق الأصغر لقائد الثورة محمد نجيب يكمل الرواية فيقول:

كان وقتها اللواء على نجيب الشقيق الثانى لمحمد نجيب قائد حامية القاهرة، ومن مهام منصبه الإشراف على جميع قوات الجيش الموجودة بالقاهرة، وفى الوقت الذى كان فيه محمد نجيب قائد يتزعم ويقود إنقلاب الضباط الأحرار، كان على نجيب لا يعلم أى شىء عن ذلك – وفيما بعد – عندما سألت محمد نجيب عن السبب فى عدم إشراك أو حتى إخبار على نجيب بأمر الثورة أجابنى: “حتى يبقى واحد يراعى الأسرة فى حالة القبض علىَّ وإعدامى”..

كانت الترتيبات كلها قد تمت ولم يبق إلا ميعاد التنفيذ.. ويبدو أن خبر قيام الثورة قد تسرب لبعض قادة الجيش الذين حاولوا إخافة أو تهديد محمد نجيب، فمثلا اتصل به حيدر باشا مدير سلاح المشاة يهدده بإنكشاف أمر تدبير الضباط الأحرار للإنقلاب وينصحه بعدم المشاركة لكن محمد نجيب أنكر معرفته بهذا الأمر ودلل على ذلك بوجوده فى بيته وعدم الخروج منه.. أما ماحدث ليلة قيام الثورة فقد عرفناه جميعا – (والكلام مازال لمحمود نجيب) – فهل أتاكم خبر وجود جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر بالملابس المدنية وتجوالهما بالقرب من مركز القيادة حتى أتْمت السيطرة عليه؟! وهل علمتم خبرا عن وجود أنور السادات فى السينما ليلة قيام الثورة وافتعاله مشاجرة وإثباتها فى محضر رسمى حتى يبعد عن نفسه الشبهة لو انكشف الأمر أو فشل؟!.

لقد تأكدت بنفسى من صحة هذه المعلومات من محمد نجيب..(والكلام لمحمود نجيب) ولما بدأت تحركات الجيش ليلة قيام الثورة وصل على نجيب خبر عن تلك التحركات بصفته حكمدار للعاصمة فخرج بصحبة اثنين من أركان حربه واتجهوا ثلاثتهم إلى سوارى الفرسان وهناك قابلوا حسين الشافعى فوجدوه وقد استعد بقواته فاعتقدوا أن ذلك بسبب حالة الطوارىء التى أعلنت ولم يدركوا أنه على صلة بالضباط الأحرار، فاتجهوا إلى قيادة المدفعية فى ألماظة ولما وصلوا إلى هناك وبدأوا التفتيش على القوات.. تقدم ضابطان مسلحان نحو على نجيب وطلبا منه أن يصطحباه إلى محمد نجيب بناء على إستدعاء الأخير له، وبالفعل ذهب على نجيب معهما لكنهما اتجها به إلى حيث اعتقلوه فى الهايكستب مع باقى الضباط الكبار الذين سبق اعتقالهم فى نفس الليلة ولما حاول على نجيب أن يعبر عن غضبه لما يحدث أخبروه أن محمد نجيب هو الذى أمر بهذه الترتيبات.. ومكث على نجيب فى المعتقل يومين بعدهما أمر محمد نجيب – وكانت قوات الثورة قد سيطرت على الموقف – بالإفراج عن المعتقلين وهو من ضمنهم..

..نعود مرة أخرى إلى ليلة قيام الثورة.. وكانت أول مرحلة من مراحل الخطة أن يستولى يوسف صديق بقواته على مبنى القيادة ويقبض على من يتواجد فيه فلما نجح يوسف فى تنفيذ هذه المرحلة بشجاعة وعلم محمد نجيب بذلك وقد كان مقررًا له أن ينتظر حتى يتصلوا به تليفونيا ليخبروه بذلك ويرسلوا له من يصطحبه إلى مقر القيادة.. لم يبنتظر وخرج بسيارته معرضا حياته للخطر لتتوالى بعد ذلك مراحل الخطة بنجاح كبير ويستيقظ الشعب المصرى صباح 23 يوليو ليستقبل مع تباشير الصباح أخبار وبيانات الثورة..

دكتور محمود نجيب أخو الرئيس محمد نجيب (يعمل طبيبا في لندن)

امتيازات الأسرة

ونجحت الثورة فى أيامها الأولى نجاحا ربما لم يكن يتوقعه الثوار أنفسهم وتولى محمد نجيب رسميًا منصب القائد العام للقوات المسلحة وعرفه الناس قائدا للثورة، أما وقد أصبح فى موقع المسئولية فقد زاد حرصه وبات يدقق فى تصرفاته ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون.. لكن القدر كان يخبىء له ما لم يكم يتوقعه.. وبدأت المؤامرة مبكراً جداً.. بدأوا بعلى نجيب ولم تشفع له سمعته النظيفة التى يشهد بها كل ضابط مصرى خدم معه فأرسلوه إلى سوريا سفيرا حتى يبعدوه عن محمد نجيب وعُرض على نجية أختنا (مازال الكلام لمحمود نجيب) بعثة علمية لكن محمد نجيب أقنعها بالإعتذار عنها والبقاء فى مصر ففعلت.. كان يخشى أن يكون فى ذلك شبهة مجاملة له، وهذا تقريبا يشبه ماحدث معى.. فقد كان مقررا لى أن أسافر فى بعثة قبل قيام الثورة لكن الظروف لم تتح لى ذلك وحدث بعد قيام الثورة أن عاد د. محمود حنفى هيبة من الخارج وتم ترشيحى للسفر بدلاً منه لكن محمد نجيب رفض عندما علم بهذا الترشيح معتقدا أن فى الأمر مجاملة فاستنجدت بالدكتور عبد المجيد وهبى عميد كلية الطب البيطرى الذى اتصل بمورو باشا رئيس الجامعة وأخبره بأحقيتى فى البعثة التى تأجلت أكثر من مرة، وبالفعل اتصل مورو باشا بمحمد نجيب وشرح له الأمر لكنه لم يقتنع مرة أخرى وطلب بيانا رسميا يوضح أقدميتى بالنسبة للمرشحين للبعثات وأخذت الأوراق الرسمية الدالة على ذلك وذهبت إليه (وهو أخى) أقابله فى مكتبه فطلب منى أن أتوجه بها إلى وزير المعارف ولم يكتف بكل ذلك بل عرض الأمر للمناقشة على مجلس قيادة الثورة الذى وافق أخيرا على سفرى فى إجازة دراسية – وليست بعثة.

محمد نجيب ومجلس قيادة الثورة قبل أن يحذفوه من الصور

دور محمد نجيب!

واستمهلت أنا كاتب هذه السطور الدكتور محمود نجيب قبل أن ينتقل إلى مرحلة اعتقال محمد نجيب لعل لديه إجابة عن سؤالى: لماذا حدث ما حدث بين محمد نجيب والثوار؟!..

واندفع الرجل بمرارة يقول: محمد نجيب بدأ معهم وحمل رأسه على كفيه وبعد نجاح الثورة طمع الجميع فى جنى الثمرة مبكرا جدا.. كانت الحالة المالية لمصر لا تسمح بالإسراف فتنازل محمد نجيب عن نصف مرتبه لكنه فى المقابل فوجىء بعرض غريب من جمال عبد الناصر، لقد عرض عليه أن يرسل إلى بنوك سويسرا 14 ألف جنيه باسمه (محمد نجيب) و١٠ آلاف باسم كل ضابط من ضباط مجلس قيادة الثورة لتأمين مستقبلهم ولم تكن حالة البلد قد استقرت بعد..

بالطبع كان رد محمد نجيب الغضب الشديد الذى عبر عنه بردود أقرب إلى السباب وقال له: لقد ضحينا برقابنا وخاطرنا بحياتنا فكيف نفعل ذلك وماذا يكون الفرق بيننا وبين من كانوا قبلنا؟.. ولم يقبل من عبد الناصر إدعاءه بأنه كان يختبره وأنه نجح فى الاختبار.

ومن هذا اليوم بدأ الشقاق بينه وبين الثوار، محمد نجيب كفرد وباقى المجموعة فى مقابله.

ولأن القرارات كانت تؤخذ بالأغلبية داخل مجلس قيادة الثورة فقد كان هناك شبه اتفاق للوقوف دائما ضد رغبة نجيب الذى يحاول أن يرسخ أسسا للديمقراطية ويعود بالجيش لثكناته وتبقى السياسة لرجالها.

كان أيضا محمد نجيب دائما مايرفض ترشيح الثوار الصغار (ضباط مجلس قيادة الثورة) لبعض مناصب الدولة العليا والوزارات لأنهم لا يملكون الخبرة الكافية لإدارتها، وكان عبد الناصر يستغل هذا فى تأليب مجلس القيادة عليه ومن هنا كان الموقف ضد نجيب.

شهادات الثوار

وإضطررت أن أقاطع د. محمود نجيب وأسأله؛ لكن أكثر من واحد من الذين اشتركوا فى الثورة وآخرهم حسين الشافعى فى مذكراته تحدثوا عن هامشية دور نجيب؟! فرد منفعلا قطعاً هذه بقايا الضغينة التى فى أنفسهم ضد محمد نجيب، وأضاف مؤكدا: وأكرر أنه لولا محمد نجيب وخروجه فى أول يوم للثورة ليظهر على الناس ويعرفوا أنه قائدها لما كان هناك شىء اسمه الثورة.

– وما موقف محمد نجيب من الإخوان وقد قرأت له رأيا يررشح لمصر حكم الدولة المدنية هذا مع علمى أن الإخوان ناصروا نجيبا على الأقل فى بداية صراعه مع عبد الناصر؟

أجاب الدكتور محمود نجيب: ما أعرفه أن محمد نجيب كان منحازا لحركة الإخوان وكان يؤيدها إلى أقصى درجة وهو ضد الشيوعية وكان أيضا ضد أن يحكم الضباط البلد ويتحكموا فيها مثلما حدث.

وفى صراعه مع محمد نجيب لعب عبد الناصر وربقة الإخوان بذكاء وكان لا يسانده من ثوار غير خالد محيى الدين.

– كل ماسبق جعلنى أسأل د. محمود نجيب لماذا لم يأخذ محمد نجيب حذره وهو يعلم بهذه المؤامرات التى تحاك حوله.. وماذا عن محاولات إغتياله؟!

– وهل كان يفيد الحذر فى تغيير المقدور؟

أجاب الرجل وأضاف: كان هناك أربع محاولات لاغتيال محمد نجيب.

الأولى: عندما تم استبدال الحرس الذى كان يحرس منزله بجنود موالين لهم وقبضوا على محمد نجيب بالبيجامة واصطحبوه فى سيارة إلى صحراء مصر الجديدة لولا أن رآه على هذا الوضع بعض ضباط المدفعية وكانوا فى مناورة بالقرب من المكان فلحقوهم وخلصوه من أيدى المتآمرين.

واصطحبوه معهم إلى قيادة سلاح المدفعية واتصلوا بجمال عبد الناصر ليخبروه بما حدث فأجابهم شخصا قال أن عبد الناصر نائم ولا يستطيع أحد إيقاظه فاتصلوا بخالد محيى الدين وأخبروه وبأمر من عبد الناصر حاصر سلاح الفرسان سلاح المدفعية حتى يتم التعتيم على الخبر.

المحاولة الثانية أثناء زيارة الملك سعود لمصر وأعطى لمحمد نجيب كأسا فيها شراب سام وكانت الخطة أن يتظاهر أحد الضباط الصغار محاولة إنقاذه لكن اللواء محمود الديب حكمدار العاصمة فى ذلك الوقت وهو زوج أخت محمد نجيب تدخل وأصر على الاستعانة بطبيب كبير لإسعافه.

والمحاولة الثالثة كانت بعد تمثيلية حادث المنشية الذى تصنع فيها عبد الناصر الإصابة بعدما إدعى أن الإخوان المسلمين أطلقوا عليه النار وإنكشفت التمثيلية ونشرت فى مجلة التايمز اللندية وكان الغرض وكان الغرض أن يتهموا محمد نجيب بالاشتراك مع الإخوان فى محاولة اغتيال عبد الناصر المزعومة، لولا أن جاء وفد من السودان ولم يغادر القاهرة إلا بعد أن أخذ تعهدا من الثوار بعدم التعرض لمحمد نجيب.

المحاولة الرابعة كانت أثناء الإعتداء الثلاثى وقبض على محمد نجيب وكان معتقلا فى المرج وتم تسفيره فى قطار مغلق إلى طما التى عرفها من خبرته السابقة كضابط حدود وتم حبسه فى حجرة رطبة من الطوب النيىء ولم يُسمح لمخلوق أن يعرف مكانه، وكانت الأوامر إذا أصاب عبد الناصر مكروه جراء العدوان الثلاثى يُقتل محمد نجيب ويتم إخفاء جثته ليس لمصلحة مصر ولكنه الحقد والضغينة التى زرعها الثوار لتجنى الأجيال طحها المر..

نجيب على مكتبه

ماذا يقول محمد نجيب؟

ونعود لمحمد نجيب فى كتابه “مصير مصر” ونقرأ ماذا قال عن خلافه مع عبد الناصر مع ملاحظة أن هذا الرأى قد كتب سنة 1955 تقريبا أى أن رصيد عبد الناصر فى الحكم لم يكن وقتها أكثر من عام.. يقول نجيب فى فصل بعنوان لماذا استقلت؟ “لقد كان اختلافى مع زملائى الشبان فى خطط التنفيذ ولم يكن اختلافا فى المبادىء فقد أفدت من خبرتى كرئيس لمجلس الوزراء ما أكد إيمانى بأن نجاح أية منظمة عسكرية كانت أو مدنية يعتمد على تدرج السلطة، وحكم الجماعة كما ذكرت آنفا له مساوئه كما أن له مزاياه غير أن سرعة البت ليست من هذه المزايا”..

ويقول فى موضع آخر.. “وكانت مصر يوم استقلت تحكمها ثلاثة مجالس: حكومة رسمية وحكومة غير رسمية ومؤتمر مشترك فرض أنه يمثل الحكومتين. ولما كنت بنص الدستور قائد الثورة ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فقد كان مفروضا أن أشرف على كل هذه المنظمات وما كنت فى الواقع أشرف على أى منها إذ كان الإشراف الحقيقى والسيطرة الفعلية رهنا بقرار أغلبية مجلس الثورة”..

ويضيف محمد نجيب فى موضع آخر.. “إننى لن أعدد اختلافاتى مع مجلس الثورة فى هذا المقام ويكفى أن أشير إلى أن معظم هذه الخلافات كانت تدور حول ما أسماه جمال عبد الناصر “فلسفة الثورة” غير أنى أرى أن من الأفضل أن نسميها سيكولوجية الثورة فليس فينا فيلسوف وعبد الناصر بإندفاع رجل فى سن السادسة والثلاثين يظن أنه كان بوسعنا أن نتجاهل الرأى العام المصرى حتى نبلغ أهدافنا. وكنت أعتقد بحذر من هو فى الثالثة والخمسين أننا بحاجة إلى كل المساندة الشعبية التى يمكن أن نحصل عليها وكنت أعتقد أيضا أننا يمكن أن نضحى ببعض أهدافنا أو نؤجلها فى سبيل تحقيق البعض الآخر أو بمعنى آخر أن شيئا خير من لاشىء بينما كان عبد الناصر يؤمن بأننا يجب أن ننال غاياتنا مجتمعة وأن نلقى بالحذر جانباً وسيثبت التاريخ أينا كان على حق”.. انتهى كلام محمد نجيب فى “مصير مصر” لكنه عاد بعد حوالى 30 سنة وقال فى مذكراته “كنت رئيسا لمصر” بالنص: “هل أنا المسئول عما حدث لمصر على أيديهم (الثوار).. بعد ذلك أظن أنى مسئول لقد تصورت ببراءة أن ما يفعلونه لابد أن يكشفهم ويفضحهم ويعزلهم داخل الجيش وأمام الشعب”.

وقائع من أيام الاعتقال

لقد قضى الأمر وتمت فصول المؤامرة وتم عزل الرجل وتجريده من كل مناصبه وسيق إلى معتقله وهو يتمنى لو عاملوه مثلما عامل هو الملك الفاسد حين خروجه من مصر لكن أمنيته لم تتحقق، لقد نزعت السلطة روح الضباط وزرعت مكانها الجبروت والطغيان.. يحكى اللواء حسن سالم ابن أخت محمد نجيب – بمرارة – بعضا مما حدث من وقائع أيام اعتقال محمد نجيب فى المرج فيقول: بعد أن تم اعتقاله منعوا عنا زيارته وتم نقل أسرته إلى حيث منفى عائلها وهاجموا منزله القديم بالزيتون يفتشونه بشراسة ولم يتركوا به شيئا سليما حتى المرايات كسروها والصور فضوها من أطرها – (البراويز) – ليروا ما فى ظهرها.. ولم يكن ذلك إلا من باب التخريب والإذلال وكنا بالكاد نطمئن على صحته وبقائه على قيد الحياة وحدث بعد أربعة أشهر من اعتقاله أن توفيت والدتى وكانت وفاتها فى بيت العائلة بالمنيل وطلب محمد نجيب أن يلقى عليها نظرة أخيرة لتوديعها ووافقوا على طلبه وفوجئنا بحى المنيل كأنه قد تحول إلى منطقة عسكرية قد تم حصارها بقوات الجيش وأتى محمد نجيب يصطحبه قائد البوليس الحربى فى ذلك الوقت واسمه أحمد أنور وأوقفوا محمد نجيب بالخارج وتقدم أحمد أنور وكشف وجه المتوفاة ليتأكد بنفسه من وفاتها ثم ألقى الغطاء بإهمال بعدها أمر جنوده أن يسمحوا لمحمد نجيب بالدخول ولم يكد يدخل يلقى نظرة ويترحم على المتوفاة التى هى أخته حتى أمره ضابط البوليس الحربى بعنجهية: “يالا.. يالا” وأركبوه إحدى سيارتهم وانصرفوا به سريعا ليعيدوه لمنفاه.

ويتدخل الدكتور محمود نجيب فى الحديث ويضيف: بعد مدة من الزمن عندما سمحوا لنا بزيارته كان علينا أن نمر أولا بكوردون الحراسة البوليسى حول المرج والذى لابد أن يتصل بضباط الجيش المكلفين بحراسة القصر حتى يسمحوا لنا بالمرور ثم ننتظر مرة أخرى أمام باب سرايا المرج حتى يأذن الضابط الموجود داخلها بالزيارة.. وفى البداية كان مقررا أن يتواجد معنا حارس داخل الحجرة التى نقابله فيها لكن محمد نجيب رفض هذا الوضع وثار فاضطروا أن يسحبوا الحارس، وبالرغم من كل ذلك فقد كان الرجل هادئا فى منفاه مؤمنا بقضاء الله وتصاريفه وإرادته.

خطة للهروب

ويبقى سؤال لابد أن يشغل الذهن..

ألم يحاول محمد نجيب الهروب من مصر وهو يرى المؤامرات تحاك من حوله وتهدد مصيره فى أية لحظة؟

لقد ذكر أحد الضباط الذين قاموا على حراسته فى قصر المرج واقعة مؤادها أن جمال سالم قد قام بصفع محمد نجيب (وهو رئيس الجمهورية) وأعاده من على سلم الطائرة وهو يحاول الهرب أثناء توديعه للملك سعود..

وينفعل اللواء حسن سالم وهو يقول للأسف لقد قرأت هذا الكلام الذى لم يستطع قائله أن يدلل على صحته وكل سنده أنه سمعه من مصدر آخر أما أنا فقد قمت بالاتصال بمجموعة من رجال الثورة ومعاصريها أمثال الأخ مصطفى نصير وهو حى يرزق ويمكن سؤاله وكذلك اللواء أركان حرب وفاء جلال واللواء عصمت عيسى وجميعهم استنكروا هذه الواقعة ونفوها تماما. وأقول للسيد الحارس لو كانت روايتك صحيحة وحدثت بمثل هذا السيناريو الذى كتبته لعرفها من فى مصر جميعا فى ذلك الوقت فهى لم تحدث فى حجرة مغلقة ولكن حسب زعمك حدثت فى مطار فيه ضباط وجنود وطيارون وعمال مدنيون وعسكريون..

ثم لماذا يهرب محمد نجيب وهو رئيس جمهورية ولم تكن أزمته ق استحكمت مع الثوار؟ لقد عرض عليه.. فيما بعد.. باوره الخاص المرحوم اليوزباشى محمد أحمد رياض خطة للهروب إلى السعودية وكانت حلقات المؤامرة قد اكتملت وصار الخطر يهدد حياته لكنه رفض.. وحدث فى سنة 59 وكان نقيباً بالجيش وأثناء تفقدى لأرض جبلية مناخمة للمرج لإجراء تدريبات عسكرية فيها أن تقدمت بالعربة الجيب واعتقد حرس القصر أننى من قوة الحراسة ودخلت بكل سهولة إلى داخل القصر ولم يعترضنى أحد وقابلت الرجل وما كان أسهل تهريبه لو أردنا ذلك أو أراد هو..

انتهى..

لقد تحمل الرجل مصيره بشجاعة.. وإذا كان ثمة مأساة فى قصة حياة محمد نجيب فقد امتدت أثارها لتطول أولاده.

وهذه حكاية أخرى

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

اترك تعليق