إعداد: أ.د. نسيم الخوري
باحث وأستاذ في المعهد العالي للدكتوراه

المقدّمة

ترشدنا ظواهر الإختلاط المتنامي للعرب والمسلمين مع الغربيين في عواصم العالم ومدنه إلى بروز اشكاليات كبرى وتحدّيات متجدّدة حافلة بإشاعة الخوف والحذر ويقظة العصبيّات.

وتدفعنا هذه المظاهر إلى التفكير بمستقبل العلاقات الدولية عندما نرى تحديدًا، وعلى سبيل المثال، أنّ سودانيًا من ثلاثة أو سوريًّا أو لبنانيًّا أو مصريًّا أو عراقيًا أو ليبيًا أصبح خارج بلده مؤقتًا و/أو نهائيًّا، والأمر قد ينسحب على الكثير من أبناء الدول الأخرى مثل إيران وتركيا وأوروبا الشرقية، وقد صارت طاقاتهم الشبابية خارج أراضيهم. ينقسمون بين عشق الغرب أو نبذه وكرهه أو التوفيق بين الوجهتين بهدف السلامة والعيش والاستقرار.

يقوى هذا التفكير لدى من يتابع بدقّة تلك الأجيال التي يتدفّق بعضها أيادٍ عاملة نحو العالم، ويشغل البعض الآخر أعلى درجات سلّم المسؤولية فيه بعدما أدارت ظهرها لأوطانها الضيّقة بما تدعو إليه الشاشات من حرية ومسؤولية.

لقد تشوّهت المشاهد أكثر مع كوارث وموروثات “الربيع العربي”، فبدت الكثير من شعوب البلدان العربيّة تجمعّات جاهزة للنزوح والهجرة واللجوء والإرهاب في زمن قصير لا يتجاوز العقد (منذ الـ2001 تاريخ سقوط البرجين وبعدها).

تبرز هذه المشاهد واضحة وحادّة في المطارات والقطارات والساحات العامة والمدارس والمقاهي، كما في المواقف السياسية المتناقضة وفي أعين رجال الشرطة والسلوك الاجتماعي العام والمؤلّفات والكتابات اليومية الحادّة والمسارح ودور السينما ووسائل التواصل الإجتماعي وغيرها من أنماط الثقافة الرخوة المتحرّكة.

 وأقصد بالثقافة المتحركة، هنا، الإضاءة على حراك البشر القوي والسهل والسريع في عصر الفضاء والعولمة لا بسبب الهروب من الحروب، بل بقصد السياحة والاكتشاف والتبادل والأعمال التسويقية التي تنظر إلى الأرض بكونها سوقًا واحدة، وهو ما لم نشهده في عصور غزو البشرية لليابسة والمحيطات.

هناك، إذًا، استعادة واضحة للأحقاد والعنصرية يصعب ضبطها واستحضار فكري للقراءات الملتوية التي عادت تنبش التواريخ القديمة بين الشرق والغرب محكومة بخلفيات الصراع المدموغ بلحظات مرّة حافلة بالتشويه والانتحال والتناقض والتلويح بتجدّد دائم للصراعات الدموية.

لنفترض اليوم أنّنا على طريق الخروج من العنوان البائس أعني به “صراع الحضارات”، وقد جسّدته مآسي”الربيع العربي” المستورد والمقيم، فإنّنا نفترض أيضًا سلوك طريق مغاير للمشاهد البائسة، عبر التشديد على اختلاط الثقافات وتداخلها وتزاحمها وصعوبة أو استحالة انتمائها إلى حضارة ضيّقة في عالم تتداخل فيه الحدود بين الإنتاج والاستهلاك وتزول النتوءات لا بمعانيها الماديّة وحسب بل بالقيم والتجارب التي تختزنها والتي تستفيد منها كل الشعوب. يمكن القول، إذًا، أنّ الحضارات بمعانيها الزاهية التقليدية قد فقدت هوياتها بحثًا عن تعريف جديد لها يجمعها كلّها في حضارة واحدة هي التكنولوجيا التي تحوم حولها وتنخرط فيها الشعوب.

وتكاد تغيب في هذا المجال اليوم “النصوصٍ البريئة” Les discours innocents التي لطالما دعا إليها “رولان بارت” أستاذي في الكوليج دو فرانس، بحثًا عن تنظيف العلاقة بين الشرق والغرب لا بالمعنى الديني والسياسي وحسب بل بالمعنى الثقافي.

 تعني البراءة هنا محاولات تخليص العقل والسلوك من ترسّبات الأحكام السلبيّة المتبادلة والمتوارثة أو التأثيرات الإيديولوجية القاسية التي تقدّم الغربيين والمسلمين وكأنّهما قوى انتشار ثابتة يصعب التفكير بتغيير علاقاتهما نحو الكثير من الإيجابية.

كيف؟

لقد خلّص الإسلام، تاريخيًا، العرب من الجاهلية والوثنية وكان له قوة انتشار نهائية في بلاد العرب وتركيا وإيران وغيرها والشرق الأقصى وحقّق انتشارًا مؤقّتًا في جنوبي أوروبا عبر اسبانيا كما حقّق انتشارًا جزئيًا في بيزنطية. ونشر العالم الغربي في بلاد العرب والمسلمين قوى تغيير وإخضاع عسكري وسياسي، ولكنّه وضع قوّة ابتكاراته ومنتوجاته وانتشاره بتصرّفهم وإظهارهم اليوم مدنًا معاصرة واختلاط ثقافات غربيّة وإسلاميّة منضبطة إلى حدّ كبير عبر استراتيجيّات الإنتاج والاستهلاك تحقّقها مجموعات بشرية هائلة من الشركات الكبرى متعدّدة الجنسيات والتأثر والتأثير الثقافي والفكري الخفي بل المعلن واللذيذ بين الشعوب.

تخفي استراتيجيّات الإنتاج والاستهلاك مجموعات هائلة من أسباب التنافس وعدم التوازن والاستبداد الخفي، بل المعلن، بين الشعوب والحضارات.

صحيح أنّ الوجه الطاغي لهذه العلاقات هو اقتصادي محض يكاد يفرّق الشعوب والدول إلى صنفين: منتجة ومستهلكة، إلا أنّ طاقات الإنتاج والإبداع والتطوير تكاد تصبح ذات هويّة عالمية متشابكة بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب، بما يخرجها من هويّاتها الوطنيّة الجغرافية الضيّقة، إلى مستويات معقّدة ومساحات واسعة في فهم العلاقات الدوليّة.

وعندما تتصفّى الجذور والترسّبات في ما يتجاوز الاقتصاد وحركة الأسواق المتشابهة في العالم، نجد أنفسنا مجدّدًا أمام إشكاليات جديدة ومعقّدة أيضًا بحثًا عن تعريف الحضارات أو فهمها بكونها واحدة عالميّة أو متعدّدة.

أوّلاً: استراتيجيات الإنتاج والاستهلاك

صحيح أنّ الوجه الظاهر والطاغي لهذه العلاقات هو اقتصادي محض يكاد يفرّق الشعوب والدول إلى صنفين بعيدين منتجة ومستهلكة، إلاّ أنّ طاقات الإنتاج والإبداع والتطوير تكاد تصبح قطعًا ذات هويّة عالمية متشابكة بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب بما يخرجها من هويّاتها الوطنيّة الجغرافية الضيّقة إلى مستويات معقّدة ومساحات واسعة في فهم العلاقات الدوليّة.

وعندما تتصفّى الجذور والترسّبات والتجارب في ما يتجاوز الإقتصاد وحركة الأسواق المتشابهة في العالم نجد أنفسنا مجدّدًا أمام إشكاليات جديدة ومعقّدة أيضًا بحثًا عن تعريف الحضارات أو فهمها بكونها واحدة عالميّة أو متعدّدة.

أطرح هذه المسائل الجديدة في تلاقح الإنتاج والإستهلاك، وأنا أفكّر بمعضلة الإندماج العظيم الحاصل بين أبناء الثقافات والشعوب المتنوّعة والتي تضمّها الأنظمة الديمقراطية والفدرالية إذ ينصبّ الانتماء على الانخراط في دورة الحياة يظلّلها الاحترام الهائل للحقوق والواجبات والعمل الدائم على تحقيق العدالة والاستقرار بين المواطنين.

وفي المجال، قد نصادف حتمًا دولا وأممًا أخرجتها الطبيعة والظروف التاريخية والجغرافية لأسباب غامضة من أعباء الإنتاج أو الانخراط في دوراته إبداعًا وتطويرًا، لأنّ كنوزها الأرضية ربّما منحتها قوّة وحضورًا أرضيًّا وسماويًا هو على ارتباط بالمصادفة أو الحظ الذي يغيّر أحيانًا وجه التاريخ.

نخرج من هذه المشاهد المتناقضة في تناقضها بسلبيّاتها وإيجابيّاتها، إلى الافتراض بأنّ العرب مثلا واقعون تاريخيًا في دوائر المجتمعات الاستهلاكية الموفورة أو “الإهلاكية” بالمعنى الحضاري العام.

تتقدّم حقوق الكسل والاستهلاك ظاهريًا على حقوق العمل والإنتاج والإبداع.

هي فكرة ترشدنا إلى إشكاليّات حضارية عميقة تقع في الصورة النمطيّة للعلاقات مع دول العالم في الشرق والغرب بشكلٍ عام، وتطرح السؤال الكبير:

ما العمل لإخراج هذه المساحات من مرمى نيران الحروب المقيمة فيها تصديرًا واستيرادًا، وفي تبادل قسري كريه يتجدّد بين الشعوب إلى حدود تخطّي الأديان والمعتقدات والأفكار وتفريغها من قيمها الإنسانية؟

إنّها قضيّة تدفعنا، وبشجاعةٍ مطلقة، إلى التفكير بإعادة النظر الشاملة، بمجمل القيم والمفاهيم والنظم السائدة، ومحاولة كشف الأغطية عن الأسس الفكرية والإيديولوجية التي”تستمدّ” منها هذه المجتمعات مواقعها وتطوّرها وديمومتها بين الأمم.

إنّ حوار الشرق والغرب، والشمال والجنوب، كما الحوار بين الأديان وتحديدًا الحوار الإسلامي المسيحي، وحوار أهل الإنتاج والاستهلاك، كلّها محاولات وأشكال تعكس مآزم هائلة، وحروبًا متشابهة تتراكم في معضلات الحوار الحضاري وعناوينه في بذرتها الأصغر، أعني العلاقة بين الواحد والآخر، مهما كان حجم تلك البذرة، فردًا، جماعةً، دولةً أو أمّة. هذه الأنواع من الحوارات قد تستبدّ بها النتائج المتناقضة المتعايشة التي تجمع التعارف والتواصل والإختلاط والتنابذ والتقسيم والإلغاء في حدودٍ متفاوتة، فلا تقدّم الكثير من التفاعلات والمتغيّرات والأفكار الجديدة التي تميّز على الأقل، بين تحديث المجتمعات بالمنتوجات المعاصرة، وحضارة شهقة الأبراج المتنافسة في علوّها والتي تعيدنا إلى تذكّر برج بابل وكلّها تراكم الأفكار والتجارب والخبرات في الورشة العالمية المتنامية.

وهنا سؤال: لقد ولدت القومية من رحم الثورات الصناعية التي جعلت الدول قوية وضعيفة منتجة أو مستهلكة، لكنّ هل يمكن التفكير في قدرة التكنولوجيا على سحب القوميات التدريجي نحو الديانات وخلط الحضارة بالثقافات؟

ثانيًا: الاختلاط لا الخلط بين الثقافة والحضارة

لست أدّعي إيجاد حلول منطقيّة لهذه المسائل، لكنّني أرى وجهها المظلم في ضوء ميزات العصر الجديد الذي نعيش حيث تتزايد الصعوبات للتمييز بين الثقافة والحضارة في عصر العولمة.

كيف؟

كان يمكن المحاججة الفكرية حول خطورة الخلط بين الثقافة والحضارة على اعتبار أنّ إمكانيّة التمييز بينهما كانت واسعة، خصوصًا إذا اعتمدنا الهوية الثقافية لا بكونها المحصلة المعرفيّة والقدرة على الابتكار أو القوّة التي يتمتّع بها فرد أو جماعة أو شعب، بل بكونها تجعل تلك المحصّلة مطبوعة في طرائق العيش والتقاليد والأفكار وقدرات التفاعل بها مع الآخرين والتأثير بهم. فالشعوب المستغرقة في بدائيتها المحكومة بالغريزة أو الفطرة، هي صاحبة تقاليد بعيدة أو مجهولة وخاصة جدًّا، ويستحيل خلطها في المنظومة الثقافية يقابلها الشعوب التي كانت الثقافة تشغل حيّزًا متقدّمًا من حضورها. كانت الحضارة على ارتباط وثيق بشيوع المدنية ونشوء الدول وتفاعل ثقافاتها. إنّنا نجد أنفسنا، في هذا العصر، منصاعين للاعتراف بالاختلاط الحاصل بين الحضارة والثقافة، بعدما حسرت فيه الأغطية عن الشعوب والأوطان بفضل التواصل. إنّنا في عصر عرض الثقافات الكثيرة عبر الشاشات المتنوّعة وخروج الحضارات من أطرها التقليدية المعروفة إلى البحث، عن تعريفات جديدة للحضارة.

تخرج الثقافات تباعًا، في هذا العصر الاتّصالي، من أطرها الذاتية والوطنية أو القومية المتنوّعة وتلفّحها الرياح العالمية مهما حاولت الحفاظ على خصوصياتها. وإذا ما تشبّث شعب ما بثقافته وتاريخه أو حاولت مجموعة أو أقليّة فيه تأكيد هويتها وثقافتها الخاصة فإنّها قد تحكم على نفسها باستجلاب المخاطر والاندثار. إلّا أنّ أقطار العالم باتت محكومة ومتزاحمة، في عصر العولمة، للمزيد من تحقيق الانفتاح والتحديث والتجديد، وفتح النوافذ لثقافاتها إلى جانب ثقافات العالم، والاختلاط بها، وإلّا فإنّها مهدّدة بفقدان حضورها ومقعدها وقدراتها الذاتية في التأثير، سواء في حيّزها الضيّق أو في الثقافات العالمية.

وليس هناك من ثقافة لا تتطلّع إلى العالمية، مع أنّ الوصول إليها يختلف من دولةٍ إلى أخرى وفق تمتّع أنظمتها بالقيم الإنسانية التي ترفعها من مستنقعات الصراعات الضيقة، سواء كانت محلية أو إقليمية أو عالمية، توخيًّا للإنخراط في الحضارة العالمية. وقد يقود الوضع الانغلاقي الذي يكبّل رياح تفاعل الشعوب مع الخارج إلى انفجار سريع أو انقلاب وطني، أو إلى صراعات وحروب سهلة داخلية بين المجموعات متنوّعة الثقافة في الوطن الواحد أو في الأوطان المتعدّدة المتجاورة. وهذا ما يجرّ، غالبًا، إلى المزيد من الانحطاط والتراجع والصراعات، بدلًا من أن يكون طموحًا، إلى المشاركة في الثقافة الإنسانية بكونه الطريق الأسلم في قرع أبواب الحضارة العالمية.

طبعًا، لا يفترض أن يقودنا هذا الاختلاط بين الحضارة والثقافة إلى الإقرار بالمساواة بين المصطلحين، لأنّ الحضارة ليست مستوعبًا جاهزًا للقيم الهائلة التي تختزنها أو يتبادلها أبناء الثقافات في الشاشات. هناك إشكالية أكبر تدفعنا إلى إعادة النظر في مضامين الكثير من المصطلحات ومعانيها. وقد لا نجازف إذا ما قلنا أنّ الثقافات تتقدّم وتنتشر كثيرًا في عالم الفضاء الافتراضي، مقابل تراجع الحضارات أو أفول معانيها التقليدية المعروفة. باتت المظاهر الثقافية هي الحامية والحاملة لبقايا الحضارات بدلًا من أن يكون الأمر، كما عهدنا واعتدنا عبر التاريخ، عكس ذلك عندما تحمل الحضارة الثقافة بأبعادها المتجدّدة، وبهدف تأمين ديمومتها وحضورها واللحاق بها عبر التاريخ، من دون خسارة مصالحها في أرجاء العالم.

ونلحظ في العقدين الأخيرين نوعًا من النقد اليومي والقاسي لكلّ ما يعرف أو له علاقة بالمجتمع الدولي أو الأسرة الدولية. وهناك دعوات يومية لإصلاح الخلل الفاضح في المؤسسات الدولية والأمم المتّحدة ومجلس الأمن، وكأننا على أبواب عالم تميل فيه كبريات الدول مثل الولايات المتّحدة الأميركية ودول أوروبا إلى التراجع نحو القوميات الضيّقة، خلافًا لمجريات ما يحمله عصر الانفتاح. وقد يوحي المشهد بأنّ الثقافات مهما كانت معاييرها ومرتكزاتها، متدفّقة أمام الانتباه العالمي والأذهان، وليس هناك من اهتمام عالمي كبير بالبحث مجدّدًا عن مسمّيات أو مصطلحات  يفترض حشوها بالقيم عند الكلام عن الحضارة، لتصبح حاجة أو ظاهرة عالمية.

تتراجع الحضارة العالمية مجدّدًا في استقطاب انتباه الثقافات البشرية والطموح إلى الإندماج فيها، لأنّ وجوه الدول العظمى المظلمة لا يعنيها امتزاج الثقافات. إنّها على ارتباط بالمغالاة في عنف الحروب وتضاعف المصالح وتقاسم بقايا الثروات وتشظّي الأوطان بالعنف وبقوّة السلاح وفعالياته الهائلة. وهكذا تقدّمت وتيرة الإنتاج والاستهلاك، وصار من السهل اقتناء وسائل الحضارة وأدواتها وأنظمتها العلمية والتقنية من دون أن يكون لها تأثير كبير في نشوء الصناعة وتراكم الخبرات وتحقيق التطوير من ردم الهوّات بين نهضة المجتمعات أو تخلّفها.

ثالثًا: نحو ملامح الإنسان الرقمي L’homme Numérique

في ضوء ما تقدّم، تنقشع الظلمات، وتنكشف مواقع الجماعات والشعوب بين من هو مسترخٍ على ضفاف الأرض، ومن يسابق الشمس التي باتت وكأنّها لا تغرب عن الأرض على الإطلاق بالمعنى التواصلي والتعاضدي في مختلف المجالات. نشير هنا بالخطوط العريضة إلى التحوّلات الهائلة التواصلية وأجهزة الاتصال الشبابيّة التي لا حدود لبراعتها وإبداعاتها وأجيالها في اختصار الرقعة الأرضيّة ملعبًا للأجيال الجديدة التي تميل إلى حمل الهويّات المائعة.

أيبالغ من يعترف بأنّ الفصل بين البشر في منتوجاتهم واستهلاكاتهم صار أمرًا مستحيلًا إلى درجة الصعوبة في ضبط الحاجات المتشابهة أو التفريق في ما بينها أو البحث عن إشباعاتها ؟

ما معنى أنّ سائحًا من أيّ بلدٍ كان، وفي عصرٍ تتضاعف فيه “حضارة” السياحة وتلين اليابسة أمام حركة البشر في عصر الفضاء، يشتري مجسّمًا صغيرًا مثلًا للبيت الأبيض وهو خارج منه، ويقرأ عليه إذ يقلبه: Made in China أي مصنوع في الصين، وقس على ذلك في مجالات الإنتاج والاستهلاك التي يستحيل حصرها ومعرفة صانعيها ومروّجيها ومستهلكيها؟ من وكيف نحدّد دوائر الإنتاج والاستهلاك في عصر اختلاط الأجناس البشرية المتقاربة؟

ألا نلحظ الحضور الدائم والغريب لـ”الإنسان الإنترنتّي”، والأفضل تسميته بالإنسان الرقمي L’homme Numérique في ميادين الشاشات حيث تتقدّم الغرائز الفجّة في قوّتها على العقول المنضبطة، بالإضافة إلى تحوّل الرغبات مثلًا إلى حاجات كالاتّصال الذي صار في خانة الحاجات بما يوازي أو يتساوى مع الحاجات البيولوجية الأربع (المأكل، المشرب، النوم والجنس)؟

ويفترض نجاح ما يمكن تسميته بالإنسان الرقمي في هذه الألفية الثالثة، بإمتلاك الأفراد لمثلّث المعرفة (العلم) والخبرة (التجربة) والشجاعة (المبادرة في التخطيط والإدارة وإتخاذ القرار)، فإنّ فقدان أحد الأضلاع الثلاثة يتسرّب الفساد وتختَل المجتمعات ويحضر التخلف.

أطرح هذه المسائل للتفكير والتغيير أكثر منها للتعبير والنقد، وأتصوّر بأنّ الأفكار والنظريات والعقائد والأديان، اضطلعت وتضطلع دورها سلبًا و”إيجابًا”، وعلى مدى العصور، في ترابط متين مع التلاقي والتعارف والتبادل في أساليب العيش والحضارة. وكان لا يمكن إغفال الفكرة بأنّ الصناعات وتقنيات المعرفة والتواصل وتكنولوجيات القرن الراهن قد سخّرت الأرض والبحار والفضاء ومعارف البشر، في تداخلات يظلّلها الوجه القاسي الدموي الذي تورثه نكبة البحث عن الموارد والمصادر، تحقيقًا للمصالح المتنامية إلى حدود مساحة الأرض والكواكب بهدف تكديس الأرباح وأدوات القوة والاستفادة طبقيًا وقوميًا ودوليًا، إن لم نجازف بالقول إلى مستويات التحكّم بالإنسانيّة الذي يبقى مستحيلًا وراقصًا فوق حبال المفاتيح النووية المركونة في أقبية بعض الدول وأدراج حكّامها، خوفًا من مخاطرها التي باتت تثير قلق الألفية الثالثة.

وهنا ملاحظة معترضة واقعية:

يقودنا انحسار الأحادية الدولية الأميركية، وتعدديّة العظمة الدولية، والعبث بأقاصي الشرق، ومشاعية الحروب والنفخ المدروس والمقنّن برهاب الأديان والكراهية في العالم إلى معادلة أو تحذير أو مقدّمة أو نداء جديد في العلاقات الدولية:

لا يفترض بنا الاستهانة بالدول الصغيرة فقد “يشعّل الأحراش عود ثقابٍ صغير”. ويبدو القوي ضعيفًا بسبب جشعه الأبدي وتردّده وهزائمه أحيانًا، ويبدو الضعيف قويًّا بسبب جرأته وتهوّره وجروحه التاريخية التي تتناقلها أجيال شعبه. أربط هذه المعادلة الآن بالرعب النووي الشائع منذ هيروشيما إلى بيونغ يانغ، حيث تتطلّع الدول الصغيرة والمجموعات الإرهابية إلى اقتناء هذا السلاح المحظور والتهديد به، بعدما فتحت خزائن العلوم والأذهان والحروب المتنقّلة في فوضى كان لا يمكن أن تصلها البشرية بهذه السرعة.

لقد أفضى عصر الفضاء بإبداعاته الاتصالية الهائلة إلى مثلّث عالميًا غير متساوي الأضلاع. تبحث الدول الكبرى عن نبش الموارد والأسواق فتخلق دورة إنتاج ذات هوية عالمية أو متعدّدة الجنسيات، لكنها مبعثرة أو موزّعة على الدول والمجتمعات الكثيرة، بهدف الاقتصاد ووفق تنظيم وتوازن دقيقين. ويفضي اكتساب الخبرات في عصر تتجاوز فيه الخبرات المعارف إلى تراكم الرغبات في الإنتاج، وهي قد تصل إلى الشهوة النووية المتنامية وكأنّ إشباعها بات مسألة ليست عسيرة في عصر من التحدّيات الدولية المفتوحة إلى ما قد يتجاوز العودة إلى الحروب الباردة.

رابعًا: مثلّث غير متساوي الأضلاع

إذا كان تراكم الإنتاج – الإبداع والإستهلاك – التسخير يشكّلان زاويتي المثلّث الظاهري، لكنّه العملي الذي يتحكّم بعلاقات المجتمعات البشرية المعقّدة فلا يوحّدها، فإنّ الإختصار- الإعلام- التواصل التلميحي السريع هو زاوية العولمة في المثلّث التي قد تجعل بعض المجتمعات الإنسانية متقاربة وهمًا في الأشكال والأدوات والحاجات والطموحات، لكنّها متباعدة وغير متكاملة في الحلقة الحضارية الباهرة، وكأنّها الضلع الضعيف في مثلّثٍ يطمح إلى العدالة. وقد تظهر تلك الزاوية التواصلية المضيئة في المدن المعاصرة موطنًا للاستغلال والغموض والإرباك والانصياع بما يقصي المحشورين فيها عن فلسفة الإنتاج بهدف المزيد من الإنتاج والأرباح وقوة الدول والشركات الدولية .

وعليه، يمكننا أن نحصر جهود البشريّة ومنجزاتها، إذًا، في دائرتين لا تعرفان التوقّف هما: دائرة الإنتاج ودائرة الاستهلاك بما يظهر، وبشكلٍ أوضح، مجالات التمييز الحضاري بين الأمم في مجالين:

1- الإبداع والإيمان: يمكن اعتبار النشاط الإبداعي والابتكاري واستمراريته تحقيقًا لحركة الإبداع الأولى التي أسّست لها الأديان، بكونها هبة من الخالق للعقل وبالعقل تقوى وتنشط روحيًّا تقرّبًا من اللـه، أو تتراجع وتخفّ فتبقى بحاجةٍ، تحقيقًا لتفوّقها وتمايزها نسبيًّا، إلى تخلّف غيرها نسبيًّا أيضًا أو التفوّق عليه وتجاوزه، للمحافظة على بقائها وقوّتها، أي للمحافظة على تميّزها عند عقد المقارنات بين مقدرة الإنسان والكائنات الأخرى.

2- دورة الحضارات: تستمرّ المنجزات الحضارية في تراكمها عبر الأنشطة الإبداعيّة-الإنتاجيّة من فردٍ إلى آخر، ومن أمّةٍ إلى أخرى ومن كوكبٍ إلى آخر، كما هو حاصل عبر تدفّق الأزمنة حيث تنمو حضارات وتذوي أخر. بهذا المعنى، نعتبر النشاط والاجتهاد البشري أحجارًا متراكمة ومضفوفة في قيام الحضارات ونموها وإزدهارها والتفاخر بها، واندثارها أحيانًا إلى ما لا يتجاوز سطرين في القواميس والموسوعات، والأمثلة كثيرة من ركام بلاد ما بين النهرين الراهن إلى الإغريق والرومان. هذه مسألة جوهرية، قد يصعب الإحاطة بها بشكلٍ عملي، إلاّ إذا نظرنا، إلى عمر البشر وتجليّاتهم وابتكاراتهم كمن ينظر إلى عمر فراشة في ظلّ عظمة الكون. والسبب في هذه النظرة إلى عمر الإنسان مثلًا هو أنّ التاريخ المكتوب الأوّل بدأ منذ الألف الرابع قبل الميلاد، وما سبقه من تقديرات بقيت محط الشكوك أو لا نعرف عنه الكثير([1]).

يعمّق هذا البحث الغموض في مساحة فهم التكافؤ والتفاعل بين دائرتي النشاط المذكورتين حيث العلاقة المتحيّرة بين قدرة العقل على التفكير والتغيير وتسليم أصحابه بما هو موجود. ونذكر التفاعل الحضاري هنا ليس بمفهومه التقني ومساراته الإبداعية وحسب، وإنّما أيضًا، في مفهومه الفج الذي لم يتخلّص بعد من البحث عن الحركة الأولى أو خطوة آدم الأولى التي ارتجّت فوق الأرض بالمعنى الأسطوري. تهدف الحركة، بهذا المنظار، إلى إيقاظ طاقة التواصل البشري القوي والضعيف مع الخارج. ولو ذهبنا إلى أعمق من ذلك، لقلنا أنّ الخالق بتمثّلاته المتعدّدة وأشكال الخوف الكثيرة المتشكّلة لدى الإنسان عنه، تجعله بالمعنى الديني ومقتضيات الإيمان النبع الطبيعي للإنتاج الأعظم ، بينما الإنسان هو الخاضع المستهلِك والمستهلَك والهالك أبدًا- وكأنّه النهر المتدفّق أبدًا من النبع. يمكننا هنا إضافة فكرة الطاقة الاتّصالية لدى الإنسان وتفاعلاته وبحثه الدائم عن صورته الطامحة إلى مرتبة عليا في الإبداع والخلق، والتي يصعب إيقافها أو تحديدها.

كما نلحظ داخل هاتين الدائرتين، وحول شكلي النشاط “الإبداعي” (على اعتبار أنّنا قد نصادف نظريات وأفكارًا تعتبر التلقّي والاستتباع والاستهلاك المادي الأعمى، وجهًا خادعًا آخر من وجوه الإبداع)، أنّ رسلًا دمغوا الحضور البشري بما تركوه، كما قامت حركات و”ثورات” وحضارات، وانتشرت فلسفات وأفكار ومدارس وأدمغة، وما عاد من الممكن حصر المصطلحات التي غلّفت المجتمع البشري وخصوصًا المعاصر منه، مثال التنمية والتبعيّة والتخلّف والتقدّم والجدّة والإبتكار، والخلق والإبداع، والحداثة والتحديث والمعاصرة بما فصّل قياسات العالم والشعوب إلى أوّل وثان وثالث ورابع..إلخ… ليعود التقسيم نحو مرحلةٍ من الفوضى والتداخلات، سقط عبرها الكثير من مساحات التمايز بين الحضارات. فمن ابراهيم إلى موسى وعيسى ومحمّد وأصقاع الهند الأولى التي وصلت الأرض بالسماء، بقيت السماء هي المنتج الأكبر والأرض هي المتلقّي أو المستهلك الأكبر. والأمر كذلك فلسفيًا في الفكر الفلسفي الذي سبق الأديان من سقراط وأرسطو وأفلاطون، إلى هيغل وماركس ونيتشه وفرويد وإلى مركوز وهيوم وكانت وفوكو…إلى أسماء دمغت العقل العالمي بحضورها ولا يتّسع المجال لذكرها، عوالم من التباين والاختلاف والتكامل حول الإبداع والتلقّي يفصل ما بين السماء والأرض من ناحية، ثمّ يلاقيهما ويجمعهما من ناحيةٍ ثانية.

تقتضي إشكاليات العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك التوسّع في استيعاب مفهوم الحضارة كونه مدلولًا تموّج بين علوم ازدهارالمجتمعات واللاهوت مرورًا بالفلسفة، وخصوصًا لفهم الحضارات في تعدّدها ووحدتها وتلاقحها عند الاستغراق في ما كتب عن بلاد ما بين النهرين ومصر واليونان التي توضع دولها المعاصرة وتراثها وكنوزها ومخطوطاتها وشعوبها في موقع السقوط، وصولًا إلى فهم فلسفة الحضارة التقنية والمعلوماتية المعاصرة التي تبدو وكأنّها لم تبلغ أوج قوّتها ونهضتها بالنسبة للأجيال التي تعاصرها([2]).

الخالق هو في رأس هرم الوجود وبه يتماهى الإنسان “العاجز” عن إدراك الحقائق الكبرى المطلقة أو شبه المطلقة حول هويّة العلاقة بين الإنسان المستهلك الهالك والمبدع الأكبر الباقي. وعلى هذا النحو، يستمرّ الزمان مقياسًا أبديًا للحركة في جمود الأشياء، ويلعب الإنسان بقشرة دماغه بحثًا عن تفسيراتٍ أو أفكار وكشوفات وتعليلات شتّى ومواقف كثيرة تعيد طرح حضارة الإنسان وثقافاته وكيفية تطوّر هذه الحضارة وتفاعلها وتناسلها إلى حضاراتٍ مختلفة متفاعلة متحاورة أو متصارعة.

* الدراسة منشورة فى مجلة “الدفاع الوطنى اللبنانى” العدد 102 – بتاريخ أكتوبر (تشرين الأول)  2017

 مراجع الدراسة

[1] Naissance de l’écriture, Cunéiformes et hiérogllyphes, Galeries nationalees du grand palais, Ministère de la culture,Paris,7mai-9  .AôUT,1992

[2]   بولس الخوري، التراث والحداثة، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1983.

اترك تعليق