الذين لا يؤمنون بالدولة الوطنية هم فقط الذين يرفضون رموزها، مثل السلام والنشيد والعَلَم، وأبرز الرافضين الإخوان وباقى التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش، وكذا أصحاب العقائد التى اخترعها السفهاء، ودعمها الاستعمار على أنها ديانات أو فروع من الإسلام والمسيحية، ومن هذه العقائد البهائية، والقاديانية، وشهود يهوه، وقد روَّج لها الاستعمار على أنها ديانات السلام العالمى، والديانات الإنسانية الأممية، ويرفض أتباعها كل رموز الدولة الوطنية، وكذا الخدمة فى الجيوش لأنهم «مش بتوع حرب، بتوع سلام» وبالتالى لم، ولن يجد أعداء الأوطان أحسن من هذه الأفكار لتبنيها حتى يقضوا على مقاومة الدول والبلدان التى يسعون للسيطرة عليها.

أما المصريون، الذين خرجوا على حُكم جماعة الإخوان الإرهابية التى ترفض الدولة الوطنية وتعتبر مصر ولاية ضمن الولايات التى سوف يحكمونها بعد أن يصلوا إلى حُكم العالم، هؤلاء المصريون لا يمكن أن يكونوا قد تعاملوا مع توصية وزير الصحة د. هالة زايد بعزف السلام الجمهورى وترديد قَسَم الطبيب كل يوم فى المستشفيات، من منطلق رفضهم للنشيد أو القَسَم ولكن من منطلق روح ساخرة موروثة فى جيناتنا تستطيع أن تفرّق جيدًا ما بين القول، والعمل، ما بين الإنجاز والبروباجندا، لكن يبدو أن سيادة الوزيرة المتأثرة بعملها السابق فى مستشفى 57357 لم تستطع التفرقة بينهما فاندفعت تركز على الشكل دون المضمون، قبل أن تظهر كرامات أو تضع طوبة فى بناء مهمتها الجديدة الصعبة.

(1)

وقبل أن تعرف مصر عصر الانفتاح الذى بدأ منتصف السبعينيات من القرن الماضى، وشهد هجمة الاستثمار الخاص فى الطب والخدمات الطبية، كان قصر العينى هو قبلة المصريين لطلب التطبب والعلاج.

وتاريخ قصر العينى (المؤسسة الطبية) يبدأ مع مشروع محمد على الساعى إلى بناء جيش مصرى حديث، وكان إنشاء هذه المدرسة والمؤسسة الطبية فى مهدها أشبه بثورة فى مجال وقطاع الطب الحديث فى مصر، لكن مع الوقت تحولت ذات المؤسسة إلى مشكلة وأزمة ونموذج لفشل الإدارة.

وبلغت ذروة هذا الفشل فى عصر الإنجازات الوطنية الكبرى، الموجهة للمواطن البسيط والفقير، أقصد العهد الناصرى، وهو ما دعا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أن يقول بالنص فى إحدى خطبه: « فيه عيب موجود لازم ندور عليه ولازم نشوفه، ليه اتعملت الأعمال الكبيرة اللى كانت مستحيلة، والأعمال اللى مفروض إنها تتعمل ما تعملتش؟! والمثل اللى اديته على هذا هو قصر العينى، ليه قصر العينى فوضى زى ما كان سنة 50 ليه ؟! فيه حاجة لازم نشوفها، وفيه حاجة لازم نبحثها، وفيه موضوع لازم نحط إيدينا عليه وهو المشاكل اليومية للجماهير، لازم نهتم بهذه الأعمال الكبيرة.

وفى هذه الأيام التى نحتفل فيها بذكرى ثورة عبد الناصر ورفاقه، أصداء هذه الكلمات التى عرفتها منذ مدة من الزمن، عادت تقتحم الآذان، وأرى أنه يمكن أن نستبدلها بكلمات من عندنا، فنقول مثلاً: بنينا عاصمة إدارية جديدة، وشققنا فى وقت قياسى تفريعة جديدة للقناة، ومددنا أسفلها عددًا من الأنفاق، واقتحمنا بقوة مشكلة العشوائيات لكننا لا نزال متعثرين أمام مشكلة الخدمات اليومية التى تقدم للمواطن؟! والسؤال: لماذا؟! وكيف؟! والإجابة: هاشم فؤاد.

(2)

اقرأوا تاريخ د. هاشم على فؤاد فى إدارته لقصر العينى، وسوف تعرفون لماذا نجح هذا العميد الأسبق لكلية طب قصر العينى فى الفترة التى تولاها 1979 – 1987م وأدار خلالها هذا الصرح الطبى، وسوف تعرفون لماذا انضبط الأداء العام فى عهده، وسار العمل في قصر العينى مثل الساعة كما يقولون، هذا على الرغم من أنه لم يفرض على العاملين النشيد والسلام والقسم، ولكنه قادهم معتمدًا على القانون واللوائح والأعراف الموجودة، وشخصيته التى تعكس بشدة الحزم، والقوة، والتفانى، والقدوة فى الآداء.

وفى سجل الرجل المدير الناجح من القصص والحكايات التى يرويها زملاؤه وتلاميذه ما تجعله أشبه بالأسطورة، والاستثناء فى تاريخ ملىء بقصص الفساد والفشل الإدارى، وثقافة البيروقراطية المصرية العتيدة والعريقة والمزمنة.

(3)

علاج المشاعر الوطنية وتأجيجها بالنشيد والسلام كان لابد أن يؤجل إلى مرحلة ما بعد العمل.. وكان يمكن أن تتولى هذه المهمة وزير الثقافة، وتتفرغ وزير الصحة لصميم عملها، وعندما تبنى الثقة فى نفوس العاملين فى قطاع الصحة، ونفوس المرضى، سوف تنبثق من تلقاء نفسها الروح الوطنية، وأزمة الوزيرة أنها لم تحسب حسابًا لذكاء المصريين بعامة، والمتربصين لمثل هذا بصفة خاصة.

(4)

وللأسف فقد غطى خطأ الوزيرة المندفعة على عمل كبير ومهم، يتم الآن الانطلاق فيه بعد التأسيس على الأرض، وأهم تجليات هذا العمل دخول مشروع التأمين الصحى الشامل حيز التنفيذ، هذا المشروع الذى لو تم إنجازه بكامله على مستوى مصر، وبالصورة التى أحلم بها، سوف يسجل كأحد أعظم الأعمال التى أنجزت للشعب المصرى فى التاريخ الحديث.

ولك أن تتصور ملايين المصريين من الفقراء ومتوسطى الحال الذين يتم التعامل معهم فى المستشفيات الحكومية أو التابعة للدولة على أنهم شحاذون أراذل وثقلاء الدم يطلبون ما ليس لهم بحق، والأصل فى الخدمة المقدمة لهم أنها غير متوفرة والاستثناء أن تقدم الخدمة، وما يجد معها من تكلفة قد لا تتوفر لهؤلاء الفقراء على الرغم من أنها قد تكون ضئيلة جدًا أمام ما يطلب فى المستشفيات الاستثمارية والخاصة.

أكرر..الدولة الآن تقتحم مشاكل قطاع الصحة بقوة، والرئيس السيسى مهتم بدرجة كبيرة جدًا بهذا القطاع، ودون مزايدة تستطيع أن تبحث وتعرف بنفسك استراتيجية الدولة فى هذا الصدد، وأنا متفائل فى النتائج وفى وقت قريب بشرط، ألا يهمل المشروع إصلاح أحوال الطبيب، وهو أحد أهم أضلاع المنظومة، وهو – بالمناسبة أيضًا – مواطن مصرى يعمل ويعيش (عدد غير قليل من الأطباء وخاصة الشبان) تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة التى نشتكى منها، ولك أن تتخيل مثلاً بعض الأطباء المعرضين للعدوى بسبب ظروف المهنة، يعانون أيضًا فى الحصول على العلاج اللازم أو التعويض.. ألم أقل لكم إنهم مصريون؟.

SHARE

اترك تعليق