تخرجت من الكلية الحربية، وتم توزيعي على سلاح المشاه، أو “سادة المعارك” كما نُطلق عليه في قواتنا المسلحة، ويسمونه في إنجلترا “السلاح الشقيان”. ومن داخل سلاح المشاه، تم توزيعي على إحدى التشكيلات في سيناء الغالية، حيث كانت كتيبتي تحتل الموقع الدفاعي في منطقة “أبوعجيلة”، وجاء موقع فصيلتي على جبل يطلق عليه اسم “مكسر الفناجيل “. مكثت في هذا الموقع عدة أشهر، قبل أن نتحرك إلى اليمن، لنشارك في حربها، وقبل عودتنا منها للمشاركة في حرب 67، ثم حرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 73 المجيدة.

بعد النصر العظيم في حرب 73، التحقت بكلية كمبرلي الملكية بإنجلترا، والتي تُعد واحدة من أعظم وأكبر وأهم، ثلاث كليات للأركان حرب في العالم، مثل فرونزا في روسيا، وكلية الأركان ليفين ورث في الولايات المتحدة الأمريكية. تخرج من كلية كمبرلي الملكية بإنجلترا، أعظم القادة العسكريين في العالم، ومعظم قادة إسرائيل، مثل أرئيل شارون، وديفيد أليعازر، وشموئيل جونين، وغيرهم. لقد أردت توضيح مدى أهمية تلك الكلية، لما سأسرده بعد ذلك.

التحقت بالكلية التي تضم حوالي 160 ضابطاً، من 45 دولة حول العالم، جاءوا جميعاً لدراسة أرقى فنون الحرب والقتال، واستراتيجيات الأمن القومي؛ إذ تحرص معظم الدول الكبرى على تأهيل ضباطها في هذه الكلية، باعتبارها أساس العلم العسكري في العالم. ووفقاً للنظام المعمول به في الكلية، فإن الفصل الدراسي الأول، يعتمد على الدراسة النظرية لمبادئ القتال، ومنها مبادئ الحرب، ومبادئ العمليات الهجومية، والعمليات الدفاعية، فضلاً عن مبادئ القتال في المناطق الجبلية والزراعية، وغيرها من أعمال القتال. بينما يخصص الفصل الدراسي الثاني، والأخير، للدراسة العملية على استخدام هذه المبادئ في هيئة المشروعات على الخرائط، أو على أرض الواقع، لتطبيق تنفيذ الخطط الدفاعيةن أو الهجومية على الطبيعة.

أكاد أذكر جميع أيام دراستي في كلية كمبرلي، وكأنني قد غادرتها للتو، وأذكر جيداً تفاصيل محاضرة “مبادئ وأساليب العمليات الدفاعية”، التي استمرت يوماً كاملاً، تحدث خلالها المحاضر عن المبادئ النظرية وأنواع الدفاع، مثل الدفاع الثابت، والدفاع المتحرك، وغيرهما من المصطلحات والتعريفات، قبل أن ينتقل إلى الجزء الثاني من المحاضرة، والذي خصصه لتقديم أمثلة من التاريخ العسكري في العالم، عن أنجح معركة دفاعية، وأفشل معركة دفاعية، مفنداً أسباب نجاح أو فشل المخطط العسكري في الالتزام بتطبيق مبادئ الدفاع الواردة في مراجع فن القتال.

دخلنا إلى القاعة الكبرى “آلن بروك”؛ 160 ضابط جاهزون للتعرف على أقوى معركة دفاعية في التاريخ العسكري، وأفشل عملية دفاعية، وجلست بين الجميع انصت باستمتاع، لأفاجأ بأن كلية كمبرلي الملكية بانجلترا تقدم “معركة أبو عجيلة”، كأقوى معركة دفاعية في التاريخ العسكري، والتي التزم فيها المخطط العسكري المصري بتطبيق مبادئ الدفاع على أنجح وجه. دارت تلك المعركة في عام 1956، عندما نظمت القوات المصرية دفاعاتها، في منطقة أبو عجيلة، أمام الهجوم الإسرائيلي، واستمرت المعركة ثلاثة أيام كاملة، فشلت خلالهم القوات الإسرائيلية المهاجمة، في اختراق الموقع الدفاعي المصري، علماً بأن قائد الهجوم الإسرائيلي على الموقع المصري، آنذاك، كان موشى ديان. ورأيت على شاشة العرض، موقعي الصغير على الجانب الأيسر للكتيبة في جبل مكسر الفناجيل، الذي خدمت فيه فيما بعد في عام 67. ساعة كاملة، والمحاضر يشرح كيفية تطبيق المخطط العسكري المصري لكل نظريات مبادئ العمليات الدفاعية، وصمود هذا الموقع أمام الهجوم الإسرائيلي لمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع هاجمت القوات الإسرائيلية الموقع، لتكتشف أن المصريين قد انسحبوا، في عملية رائعة، لم يشعر بها العدو الإسرائيلي.

وكم كنت فخوراً بقواتنا المسلحة المصرية، وقادتنا العظام، الذين نفذوا هذا التخطيط الرائع، ليصبحوا مضرب المثل لأعظم العمليات الدفاعية العسكرية في العالم، وليتعلم من تجربتهم باقي جيوش الدول الأخرى. لقد برع القائد المصري في التخطيط، طبقا لمبادئ القتال، وخاصة أن القوات المسلحة المصرية، إبان حرب 56، كانت تتبع الفكر العسكري الغربي الإنجليزي، قبل أن تتحول، بعد ذلك، إلى العقيدة الشرقية أو الروسية.

وقبل أن ينهي محاضرته، وجه لي المحاضر الإنجليزي حديثه، باعتباري الضابط المصري الوحيد الموجود في تلك الدورة الدراسية، سائلاً عن رأيي في أسباب نجاح التخطيط المصري في معركة أبوعجيلة في عام 56، وهل يرجع إلى اتباع المصريين للعقيدة العسكرية الإنجليزية، آنذاك، بينما فشل نفس الموقع في العملية الدفاعية عام 67، بعد التحول لتطبيق العقيدة الدفاعية الروسية؟ فكان جوابي بأن المعركة العسكرية كانت متكافئة في عام 56، أما في 67، فلقد فقدنا قواتنا الجوية في أول ساعة من بدء القتال، فحارب هذا الموقع يومان كاملان بسيطرة جوية إسرائيلية كاملة، فكان هذا السبب في عدم نجاح العملية عام 67.

على أية حال، كانت تلك المحاضرة شهادة فخر واعتزاز للمخطط المصري، الذي يُدرس كل عام لكل قادة العالم، عن براعته في التخطيط وإدارة القتال للعمليات الدفاعية طبقا لمبادئ الحرب … إنه حقاً جيشاً عظيم، استحق احترام الجميع.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق