سمير فرج

أعتبر نفسي واحداً من جيل المحظوظين، الذين عاصروا عمالقة الفن المصري، عبد الوهاب، وعبد الحليم، ونجاة، وشادية، وعلى القمة تربعت، كوكب الشرق، أم كلثوم، ليس في مصر، فقط، وإنما في أرجاء الوطن العربي كله. اعتلت عرش الغناء، ووحدت الأمة العربية، من الخليج إلى المحيط، في الخميس الأول من كل شهر، حول الرايو للاستماع لحفلها الشهري، فضلاً عن الوافدين من جميع أنحاء الجمهورية، ومن البلاد العربية، لحضور الحفل، ومن بينهم والدي، رحمة الله عليه، الذي طالما تمنيت، في طفولتي، أن يصطحبني معه يوماً، لولا اقتصار الحضور على الكبار فقط.

ومرت الأيام، والتحقت بالكلية الحربية، وفاجأني أحد أصدقاء عائلتي، من المقيمين بالقاهرة، بدعوتي لحضور حفل أم كلثوم، مع حفظ الألقاب، على مسرح سينما قصر النيل في القاهرة، فكانت تلك واحدة من أجمل مفاجآت حياتي. اليوم يتحقق حلم طفولتي، الذي لطالما داعب خيالي وأنا طفل صغير في بورسعيد، كم تمنيت أن أراها رأي العين، بحضور إحدى حفلاتها، كم تمنيت ألا أكتفي بالاستماع إليها في الراديو. كم تمنيت أن أرى بعيني، ما كنت أسمع عنه دوماً من أبي، عن روعة حفلاتها، وأناقة الحضور، الذين يرتدون أحلى ثيابهم، لحضور أهم حدث فني في الوطن العربي، كانت روائح برفانات السيدات والرجال، تستقبلك على الباب الخارجي للحفل، وكانت أناقتهم تضاهي أحدث صيحات الموضة في أوروبا، وتنظيم الحفل يتفوق على أي احتفال موسيقي عالمي.

اتخذنا مقاعدنا في منتصف القاعة، تقريباً، وانفرج الستار، وظهرت كوكب الشرق، غاية في الأناقة والوقار، كعادتها، وحييت الجمهور، الذي تعالى تصفيقه، لمدة لا تقل عن خمس دقائق، كانت كفيلة بأن تؤكد لي أن ما أعيشه، واقعاً وليس خيال!

شدت كوكب الشرق بأولى أغانيها، في تلك الليلة، “أنساك”، تلحين الملحن الشاب، آنذاك، بليغ حمدي، وفي كل مرة تكرر مقطع “كان لك معايا.. أجمل حكاية في العمر كله”، تدخل سيدة عشرينية، تجلس أمامي، في نوبة بكاء شديد، فتحاول والدتها، الجالسة بجوارها، مواستها بكلمات حانية، “كفاية عياط … عمر العياط ما هيرجعه”. وازداد بكاء الشابة الصغيرة، مع كلمات الأغنية، “سنين ومرت زي الثواني في حبك أنت”، ولم تفلح محاولات الأم لتهدئة ابنتها المكلومة، التي بدا أن ارتدائهما للسواد، ليس نابعاً من أناقتهما، فحسب، ولكن لحزنهما على فقيد غالي. وانتهت الوصلة الأولى، ولم تعود هذه الشابة، أو والدتها، لاستكمال الوصلة الثانية من الحفل. ومنذ ذلك اليوم، ارتبطت أغنية “أنساك” لدي، بمعنى الوفاء، وفي كل مرة أسمعها، أتذكر وجه هذه الأرملة الصغيرة.

وكان من ضمن ما غنت أم كلثوم، في هذه الليلة، واحدة من أحب الأغاني لقلبي، وهي “جددت حبك ليه”، من كلمات أحمد رامي، والتي عرفت السبب وراءها، بعد ذلك الحفل بسنوات، خلال رحلتي مع الوفد المصري، لحضور الأسبوع الثقافي المصري في الصين، وخلال حديثي مع صديقي الدكتور فوزي فهمي، عميد أكاديمية الفنون، عن حبي لتلك الأغنية، حكى لي أن الشاعر الكبير أحمد رامي، كان متيماً بحب الآنسة أم كلثوم، بينما أعلنت هي خطبتها إلى شريف باشا صبري، خال الملك فاروق، إلا أن الأسرة المالكة، ثارت لذلك الخبر، رافضة أن ينضم للبلاط الملكي واحدة من عامة الشعب، واضطر الملك فاروق إلى رفض الزيجة، فكتب أحمد رامي هذه الأغنية، وأحببتها أكثر وأكثر، بعدما عرفت أن كاتبها عبر عن مشاعره فيها، ولم يعتمد، فقط، على ملكة نظم الشعر التي حاباه الله بها.

أما الأغنية الثالثة، فكانت “أنت عمري”، والتي كنت أعشقها حتى ارتبطت في وجداني بذكرى أليمة على نفسي، فلم أقوى على سماعها منذ ذلك الحين. تعود القصة إلى تخرجي في الكلية الحربية، ضابطاً صغيراً، في السابعة عشر من عمري، لأنضم، فوراً، لصفوف القوات المصرية المحاربة في اليمن. وبوصولي إلى صنعاء، تلقينا أوامر بتحرك الكتيبة لمنطقة اسمها “بيت السيد”، لفتح الطريق للقوات المصرية المحاصرة هناك. ووصلنا صباح يوم خميس، وبدأ الاستعداد للهجوم، ومع آخر ضوء للنهار، كُلفت بقيادة فصيلة، مكونة من خمسين جندي مشاة ومدافع الدعم، لاعتلاء قمة التبة السوداء ونجحت في مهمتي، ونشرت جنودي في مواقعهم. إلا أن العواصف الثلجية في تلك الليلة، جعلتنا محاصرين على قمة الجبل. وأغلقت جهاز اللاسلكي، حتى لا تنفذ بطارياته، لأننا لا نعلم متى سيأتينا الدعم والامداد. وألتففنا حول الراديو الويلكو الصغير، الذي اشتريته من صنعاء، فور وصولي إليها. ونجحنا في التقاط موجات القاهرة، التي كانت ساهرة في تلك الليلة، تترقب “أنت عمري” … لقاء السحاب بين صوت كوكب الشرق، وألحان موسيقار الأجيال، عبد الوهاب، وجاء صوت المذيع جلال معوض، يصف أجواء تلك الليلة الجميلة، التي تعيشها مصر، والعالم العربي، مع أجمل أغاني العصر، بينما نحن عالقين فوق جبال اليمن. فصارت، تلك الأغنية الرائعة، للأسف، تجلب إلى نفسي ذكريات أليمة، من حرب، وحصار، واستشهاد جنودي، وهي أسوأ لحظات تمر على أي مقاتل.

ومنذ أشهر قليلة، عندما أعلن الرئيس السيسي، أن مصر لن تشارك بقوات برية، ضمن قوات التحالف المقاتلة في اليمن، شكرت ربي، وتنفست الصعداء، أننا لن نخسر، مرة أخرى، الآلاف من الشباب المصري، ولن يكون هناك ضابطاً في مقتبل عمره، يسمع أغنية جديدة، فيكرهها لأنها تمثل أحلك وأسوأ لحظات حياته.

SHARE

اترك تعليق