د. ناجح إبراهيم

  تفخر بلدتي ديروط أنها أنجبت عدداً من الأبطال والشهداء والحاصلين علي نجمة سيناء أبرزهم المقدم/إبراهيم عبد التواب بطل ملحمة كبريت،وآخر شهيد في حرب أكتوبر والذي سطرت بطولته وكفاحه أقلاماً وأفلاماً كثيرة،ومازال تاريخه يسطر بأحرف من نور .

ومنهم ابن خالتي مراد سيد عبد الحافظ تلميذ “إبراهيم الرفاعي أسد الصاعقة” وقد سطرت وزارة الدفاع بطولته في كتاب”الحصان الأبيض”. قاد البطل ابراهيم عبد التواب الكتيبة 603 مشاه أسطول كأعظم ما يكون القائد, كان عسكرياً فذاً وأباً عطوفاً,لا يعرف الهوادة أو الاستسلام,مع رفق الأب لجنوده.

يرجع الفضل للفريق سعد الشاذلي في تكوين كتائب مشاة الأسطول والتي جهزها خصيصاً لعبور قناة السويس وكان يردد”هذه الكتائب ستكون المسمار الأول الذي سندقه في عرش الغرور الإسرائيلي”واختار لقيادتها أكفأ الضباط من الصاعقة وسلحها بالدبابات البرمائية. وكان مقر الكتيبة بالعامرية بالإسكندرية ونقلت قبل حرب أكتوبر مباشرة إلي السويس تحت ستار المناورات التي أخفت نية الحرب الحقيقة.

عبرت الكتيبة بنجاح أكبر مانع مائي”قناة السويس” وأكبر مانع صناعي “خط بارليف” تحت قصف الطيران والمدفعية الإسرائيلية.

واستولت علي نقطة كبريت الحصينة وهي من أقوى نقاط خط بارليف وأصعبها، وقد حاولت إسرائيل استرداد ذلك الموقع الخطير دون جدوى، وقامت بعشرات الهجمات عليه ولكنها تكسرت جميعاً أمام صمود البطل ورجاله. لقد تحول إبراهيم عبد التواب إلي أسطورة عسكرية فذة تحدث عنها العالم كله، وتحولت كتيبته إلي أيقونة رائعة للعسكرية المصرية الفذة، فقد حوصرت هذه الكتيبة 134 يوماً كاملة من الجيش الإسرائيلي والذي سخر كل إمكانياته الجوية والمدرعة والمدفعية لاقتحام نقطة كبريت وإجبار البطل ورجاله علي الاستسلام دون جدوى.

مئات الطلعات الجوية كل يوم تدك موقع الكتيبة في كبريت منذ أول ضوء وحتى آخر ضوء، مع قصف مدفعي متواصل، وهجمات مدرعة بأحدث الدبابات دون أن يستسلم البطل، فقد كان عاكفاً علي تحصين دفاعاته ورفع معنويات جنوده وضباطه والقراءة في المصحف، كان يصلي الجمعة بعدد من جنوده ويفوض الحراسة للمسيحيين مع آخرين، وكان يدع المسيحيين يصلون يوم الأحد ويحرسهم.

كان إيمانه بالجندي المصري عميقاً، نفذ الطعام تماماً بعد هذا الحصار الخانق فلم يستسلم، سوى بين الضباط والجنود في كل شيء، كان كل 8 أفراد يأكلون باكو بسكويت يومياً، ويتقاسم كل أربعة أفراد علبة فول مدمس.

نفذ الماء منهم وهذا أخطر من الطعام، شربوا ماء راديتير السيارات، وماء القناة المالح، حتى تفتق ذهن جندى كان معيداً في كلية الآداب عن فكرة تقطير مياه القناة المالحة، أحضروا الأواني اللازمة وأوقدوا الخشب تحتها ومدوا مواسير التنقيط البدائية لتحدث المعجزة ويشرب الوحوش الماء العذب لينقذ الله هذه الكتيبة العظيمة من الموت عطشا، دبت الحياة مرة أخرى في الكتيبة الصامدة، ولم يستسلم القائد الفذ لنفاذ المؤن والأطعمة، وقرر دفع دوريات تتسلل عبر الصحراء لتذهب إلي الجيش الثالث لإحضار الغذاء والأسلحة، كان يسميها “رحلة الموت” لأنها كانت تخترق الدفاعات الإسرائيلية ليلاً.

اكتشفها الإسرائيليون فقدم الأبطال تضحيات كبرى، غير الفكرة إلي أخرى، دوريات تندفع عبر القناة للتواصل مع الجيش الثالث في الغرب.

استشهد العشرات من ضباطه وجنوده، بعضهم كان حديث عهد بزواج بكاهم دون وهن، حزن عليهم دون استسلام، كان يعتبرهم جميعاً أولاده، فقد بني هذه الكتيبة فرداً فرداً، ورعاهم وحمل همومهم وزوج بعضهم وحل مشاكلهم وعلمهم العسكرية الحديثة، وكان يكرر لهم أثناء الحصار “لن نعود خطوة خطوناها للأمام، استشهد نصف قواته، ورغم ذلك لم يستسلم، أسقطت كتيبته وحدها في إحدى معاركها ثلاث طائرات ودمرت27 دبابة إسرائيلية، أذاق الإسرائيليين كأس الذل رغم فارق الإمكانيات العسكرية.

وفي آخر يوم من الحرب سقط الشهيد البطل ليكون آخر شهيد في حرب أكتوبر كلها، وهو يوم 14 يناير 1974، وكأنه أصر ألا ينال شيئاً من مغانم الدنيا وأن يلقى الله كما عاش بطلاً زاهداً فيكافئه الله بأطيب الذكر وأعظم السيرة وأعطرها، تحية له ولكل الأبطال الذين كانوا معه ويعيش منهم حتى الآن الضباط / إبراهيم العجمي، ومحسن علام، ومحمد نور الدين وغيرهم،سلام علي الأبطال ولا نامت أعين الجبناء.

SHARE

اترك تعليق