– نتمنى أن نرى رؤية للدولة ورؤية للحكومة لتغيير المشهد الحزبى فى الداخل.. ورؤية لإصلاح الواقع العربى فى الخارج

– المواطن مهموم بمشاريع الداخل وقدرة الحكومة فى التعاطى معها

– مشكلة الإدارة فى القادم إلى سلك الإدارة وخاصة الإدارة الصغيرة

 حوار: عاطف عبدالغنى

تصوير: عامر عبد ربه

فى هذا الحوار الذى أجرته ”دار المعارف” مع الدكتور مختار غباشى نائب رئيس المركز العربى للدراسات السياسية والاستراتيجية ، ننطلق من توصيف اللحظة الراهنة – وهى بالفعل وبدون مبالغة فارقة فى عمر مصر – لاستشراف المستقبل القريب ، دون القفز على التحديات التى تواجه الدولة المصرية ، واستقرارها، ومضيها فى مواجهة التحديات التى تواجهها، وفى ذات الوقت المضي فى مشروعها التنموى لبلوغ ما يتمناه كل مصرى لوطنه الحبيب مصر.

– ما هى تحديات المرحلة التى تعيشها الدولة المصرية؟

= أكبر تحديات هذه المرحلة هو إنجازها بشكل يليق باسم وحجم مصر مع هذه المراقبة والرؤية الإقليمية والدولية ، حتى يشاهد العالم عظمة مصر .

المشروعات

– ما وجهة نظرك في المشروعات القومية التي يتبناها الرئيس السيسي ؟

= المشاريع القومية التي يتم إنجازها على أرض الواقع هى مشاريع  بديعة، ومشاريع لا يستطيع أحد أن يتجادل فيها، ولكن المواطن مهموم بمشاريع الداخل وقدرة الحكومة فى التعاطى معها، وهذا يهم المواطنين جداً ، ومصر دولة كبيرة، وتوجهنا الاقتصادى والاستثمارى إلى حد كبير ليس ظاهرًا أمامنا، وكان الهدف مشروعات التنمية، مع اهتمامنا بالمشاريع القومية والضخمة.

وفى هذا السياق دعونا نتحدث عن التجربة الهندية وبدرجة أو بأخرى الحالة المصرية كانت عنوان محاضرة فى مؤتمر دافوس 2004 حيث كان يتكلم رجل إنجليزى وقال أنا أشعر بالجنون، دولة بحجم مصر، وهى أشبه بجزيرة محاطة ببحار، البحر الأبيض المتوسط من جهة، والبحر الأحمر من جهة أخرى، ثم هناك نهر النيل موجود فى الداخل يكّون مثلثًا بضلوعه مع الدلتا، ورأسه عند بورسعيد، ومع ذلك فمصر دولة تستورد الأسماك، ومصر بحجمها بدرجة كبيرة (9.5) مليون فدان أو يزيد، دولة زراعية بحتة، والتركيز فى إنتاج سلعة زراعية واحدة تستطيع أن تنافس بها على النطاق الإقليمى، والعالمى .

وفى النهاية نطلب شكلًا من أشكال توجهاتنا القادمة، ترتقى من خلاله رؤية الدولة و إرادة الدولة، ونريد أن نحيى الصناعات القديمة مثل صناعات المنسوجات، باعتبارنا ننتج القطن طويل التيلة، ولم ندخل فى الصناعات الحديثة، مثل برمجيات الكمبيوتر، والصناعات الكهربائية  وهى أزمة الواقع الذى نعيشه.

مشكلة الإدارة

-هل ترى أن الإدارة هى المعضلة والمشكلة الأساسية أمام كل تقدم؟

= من وجهة نظرى مشكلة الإدارة تظهر من خلال القادم إلى سلك الإدارة وأنا أتحدث عن الإدارة الصغيرة، التى يمكن من خلالها أن ننطلق إلى أعلى ويكون القادم إليها برؤية وبفكر.

وعلى سبيل المثال من يتم اختياره كمحافظ للقاهرة أو محافظ لمحافظة فى وجه بحرى، أو وجه قبلى، ما رؤيته لهذه المحافظة؟ أو لهذا الإقليم؟، هل يستطيع أن يكتفى ذاتياً؟، هل يستطيع أن يقدم محور مشاريع ذاتية داخلية، تستطيع أن تغني إقليمه أو محافظته عن الهجرة التى نراها تأتى من القرى والنجوع إلى المدن، فتعمل على تكدسها، أو تنعكس سلبياً على الخارج، فتعد شكلًا من أشكال الهجرة غير الشرعية؟.

كل هذه أحاديث الشارع المصرى بدرجة كبيرة جدًا يتحدث بها، رجل الشارع، وناظر إليها.

هناك أيضا تحويل السكن المميز إلى سكن كمبوند وأهملت بدرجة أو بأخرى أحياء كثيرة مثل الزمالك أو جاردن سيتى والمناطق التى عشنا فيها مثل شبرا، أين قدرة الدولة على إصلاح هذه الأماكن؟!، وقدرة الدولة   على إعادة صياغتها من جديد، وإعادة رونقها من جديد؟!.

عندما تزور لندن سوف تكتشف أنها منذ سنة 1945 لم تتغير معالمها فهى نفس المعالم، نفس الشوارع، والمحلات والفنادق، وغير ذلك، حركة التغيير تأتى من الامتداد الأفقى، وليس الامتداد الرأسى، عندنا التكدس رأسى، مع إهمال المدينة أو معالم القرية.. وأنت تثير شجونى فى أمور معينة، مثل أن قُرانا تحولت إلى مسخ قرى، ومدننا تحولت إلى مسخ مدن.

عندما تزور قرية مصرية الآن لن تجد معالم القرية التى كنا نعرفها، ليست موجودة، بمعنى عندما تريد أن تطور هذه القرية، فتقلب البناء بالطوب الني إلى حجرى دون أن تدرك قلب هذا الموضوع من بناء ني إلى بناء حجرى ليست هذه الأزمة، ولكن الأزمة كيف نعيد صياغة القرية وتطورها بالشكل الحضارى، مثل ترميم الطرق الخاصة بها، وإعادة صياغة الترع، والمصارف، ويجب أن ننظر إليها خلال المرحلة القادمة والتركيز الإدارى عليها والتركيز الحكومى عليها.

الدولة

– الدولة المصرية مهددة ككيان سياسى واجتماعى هل هناك مبالغة فيما أقول ؟

= العالم العربى بأكمله منطقة ملتهبة، انظر إلى المحيط الإقليمى الخاص بك و انظر إلى الحدود مع الساحة الليبية، دولة لم تتضح معالمها الآن، ومكونات الدولة الخاصة بها ليست متواجدة تبحث عن مخرج لها وتبحث عن حل لها.

وإن نظرت للسودان كعمق استراتيجى خاص بك، ستجده انقسم إلى شمال وجنوب، وتوجد مشكلة مع الشمال السودانى فيما هو مرتبط بحلايب وشلاتين وآليات حلها ما زالت محط مباحاثات بين الدولتين، وعندما ننطلق من السودان وليبيا إلى الساحة الفلسطينية، إلى حد كبير جدا مأزق تاريخى إن لم يكن مأزقا شديدًا لمصر والعالم العربى فى المجمل.

وإقرار الرئيس الأمريكى بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس من وجهة نظرى هو مخطط ، بمعنى أنه فى العقلية الإسرائيلية وفى العقلية الأمريكية هو مساندة لإسرائيل على طول الخط.

إن مسألة خلق دولة فلسطينية بجوار الدولة الإسرائيلية ليست موجودة والتقدير الكامل للمباحثات التى أُطلقت بين الجانب الفلسطينى والإسرائيلى من 1990 سرية ثم بدأت 1991 علانية ومن 1991 إلى 2007 مرورًا باتفاقيات مدريد، وأوسلو واحد واتنين، وشرم الشيخ، وصولًا إلى مؤتمر آنابولس فى 2007 ، كلها لم تستطع أن تحقق شيئا للقيادة الفلسطينية أو الدولة الفلسطينية، سوى قيادات، فى عملها على الأرض لا تستطيع أن تخرج من غزة، أو تعود إليها إلا بإذن إسرائيل.

أبو مازن – وقبل أبو مازن ياسر عرفات – لا يستطيع أن يخرج من الضفة الغربية أو يعود إليها إلا بتأشيرة من إسرائيل، ورأينا إسرائيل كيف انقلبت على الرئيس ياسرعرفات فى نهاية عهده.

أما الجزئية الثانية فهى جزئية مهمة جدا، وهى أن حقائق الأرض بشكل أو بآخر تقول إن إسرائيل ليست راغبة فى ذلك، والجدار العازل الذى تم بناؤه بين الضفة الغربية وقطاع غزة جدار بنى فى عمق 20 كيلو داخل الضفة الغربية 42% من الضفة الغربية انتهى بحكم المستوطنات وبحكم الكانتونات  للمستوطنين اليهود بدرجة كبيرة والقدس بدرجة أو بأخرى وحالة التهويد المحيطة بالمسجد الأقصى والقوانين التى أصدرتها إسرائيل  مثل قانون تحويل المسجد الأقصى إلى ساحات عامة، وقانون أملاك الغائبين، وقانون استملاك الأموال العامة، وغيرها، مثل هذه القوانين تحول تماما دون خلق دولة فلسطينية.

واكتمل الأمر بالقرار الأمريكى وفق اللحظة وفق الظروف الدولية والظروف الإقليمية وهو قرار نقل السفارة، ولكن الأخطر من وجهة نظرى هو نقل السفارة فعليًا فى 14 مايو القادم، واختيار مصدر القرار ذكرى النكبة توقيتا لنقل السفارة فعلياً أو عملياً.

ثانياً: اختيار التاريخ فى ذاته وهو تاريخ إعلان الدولة اليهودية، وحديث الولايات المتحدة الأمريكية بأن الخلاف الفلسطينى الإسرائيلى كان خلافًا فى الأصل قائم على القدس، وقد خرجت القدس من نطاق المفاوضات والمباحثات، وهو يعلم تماماً أن الدولة فلسطينية لن تكون القدس داخلة معها، ومن وجهة نظرى أن التوقيت مقصود والقرار الذي أتى به ترامب مقصود، وأن الإدارات الأمريكية وهى تتداول سياستها وإداراتها مع منظومة المنطقة والقوى الإقليمية والقوى الدولية مقصودة، وعندما ذهب بوش أتى أوباما وعندما ذهب أوباما وأتى ترامب كل هذه الأمور تحقق غرضًا واحدًا وهو هيمنة وابتزاز إسرائيل، و تكوين الكيان الإسرائيلى المتعارف عليه وهذا الواقع الموجود.

ومصر الآن فى اختبار شديد لأن الرؤية المستقبلية ما بعد نقل السفارة تطرح أسئلة بديهية، فماذا فعل العالم العربى فى هذا المنعطف؟ وهل سوف يقبل بما يسمى صفقة القرن والرؤية الإسرائيلية الأمريكية فى هذا الشأن؟! أم أن القضية الفلسطينية انتهت دبلوماسياً وعلينا أن نبحث حلولًا أخرى؟! أم أن المسألة فيها أمل جديد وإن كان كل السياسيين بلا استثناء فى العالم العربى  يرون أن الحلول الدبلوماسية والتفاوضية انتهت؟!

معيار مهم جدا من معايير موجودة فى العالم العربى، ومصر وسوريا والخليج  والسعودية تتأثر به سلبًا وايجابيًا، وعندما ننتقل من القضية الفلسطينية إلى القضية السورية وغيرها من مثل هذه القضايا  قضايا العالم العربى، قضايا ساخنة، وخطورتها أنها ليست بأيدى العرب حلها.

وأخطر ما هو موجود فى هذه القضايا أن الثلاث دول الضامنة للحلول الآمنية داخل الساحة السورية ليست عربية ، وهى تركيا وإيران وروسيا، وهم المتحكمون فى أطروحات الحل داخل الساحة السورية.

و التدخل التركى المتواجد فى عفرين أو التدخل الروسى أو الضربات الروسية فى الغوطة الشرقية وغيرها من آليات العالم العربى فى التحكم فيها أو منعها  ليست موجودة، وقس هذا على كل هذه القضايا المشار إليها وتم فتح ، أخيراً، حلم عربى إن لم يكن حلمًا مصريًا وسعوديًا وأردنيًا وهو مشروع نيوم الذى سوقت إليه المملكة العربية السعودية.

الخروج من المأزق

– كيف نخرج من هذا المأزق وكيف تتعامل مصر مع القضايا الليبية أو السورية والقضايا العربية؟

= بالقدرة على التعامل مع القضايا الدولية المتغلغلة فى قضايا العالم العربى تركيا وإيران وروسيا والاتحاد الأوروبى، بالتحديد فرنسا وتمثل حالياً ثان أهم لاعب بعد الولايات المتحدة الأمريكية فى قضايا المنطقة، بعد أن أخذت هذا المركز من إنجلترا التى تراجعت وتقدمت إليه فرنسا، التى حضرت مجلس التعاون الخليجى، وكان ماكرون الرئيس الغربى الوحيد الذى حضر، وكان – أيضا – ضيف الشرف فى افتتاح المحور الثانى لقناة السويس، وعقدت فرنسا صفقات سلاح مع مصر، وأبرمت اتفاقيات سلاح كثيرة جدا مع الخليج.

وحصول فرنسا على المركز الذى كانت تأخذه إنجلترا لسنوات كثيرة بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ليست عملية موازية لتدخل الروس فى المنطقة، لأن تدخل الروس معضلة أخرى، فأنت فى ظل هذا المشهد محتاج لرؤية مصرية، ثم تأتى بعدها رؤية عربية، لأن هذه الرؤية لا نحتاجها رؤية فردية، ولكن نحتاجها رؤية جماعية.

لدى الرئيس

– وفى رأيك هل هذه الرؤية كانت متوفرة فى القيادة السياسية لدى الرئيس السيسى ؟

= الرؤية كانت موجودة لدى الرئيس السيسى من خلال تنويع مصادر علاقاتك الخارجية، وفتح آفاق جديدة فى العلاقات الخارجية، لكننا نحتاج أيضا إلى رؤية لإصلاح الواقع العربى، أورؤية لآليات التعامل مع القوى الإقليمية، والقوى الدولية، لأننا خرجنا من العباءة الأمريكية، ونتوجه لشرق آسيا، وزورنا دول مثل سنغافورة وأندونسيا، وفتحنا أبواب مع الهند، وذهبنا إلى دول غربية لم نكن نألفها مثل البرتغال – أسبانيا – الفلبين، وبدأنا نفرد شكلًا من أشكال تنوع مصادر العلاقات الخارجية، ولم يعد الأمن القومى المصرى المرتبط بالتسليح مرتبط  بقيد واحد وهو القيد الأمريكى، وبدأنا نفتح صفقات سلاح مع الروس، والفرنسيين، والإيطاليين.

هذا التنوع جاء من إرادة سياسية مصرية، منفردة تستطيع أن تحكم مقدرات هذا الوضع، لكن عندما أريد أن أحكم علاقاتى بقوة إقليمية وقوة دولية مرتبط بتعقيدات المنطقة مثل آليات التعامل مع إيران، وهل هو صراع أو تفاهم أو حديث أو حوار، فهذا أمر ملتبس.

بوابة إيران والحديث معها ما زال ملتبسًا فى العالم العربى وهناك خلل شديد جداً فى الحديث عن آليات التعامل مع تركيا أيضا، وآليات التعامل مع الدولتين بصفتيهما قوتين إقليمتين متداخلتين فى قضايا العالم العربى صلبا وتوقيعاً.

وفى حديث لـ علي أكبر ولايات  وزير خارجية إيران، قال إن قدر إيران محتوم فى أربع عواصم عربية، وأضاف أنه من الصعب حل معضلة من معضلات هذه العواصم إلا  بالحديث مع إيران، وحدد هذه العواصم فى: بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت، الأجنحة التى خلقتها إيران داخل الدول وارتباط علاقتها بها.

والسؤال: كيف تعيد هذه الأجنحة إلى العمق العربى؟! وكيف تصبح جزءا من الدولة بعيدا عن التصاقها بإيران والحوثيين؟! كيف تعيد الساحة اليمنية والنظام السياسى اليمنى بعيدًا عن التصاقه بإيران؟!.. وحزب الله اللبنانى ولاؤه لمن للدولة اللبنانية أم إيران؟! الحوثيين؟!.. الحشد الشعبى المتواجد بالعراق؟! عصائب الحق؟!.. وهناك أيضا سرايا السلام، وكتيبة النجباء وحزب الله العراقى، وأحزاب وتكتلات مسلحة شيعية متطرفة للغاية ارتباطها بإيران، وتسليحها معها، كيف تعيد هذا الحرس الثورى المنتشر داخل الساحة السورية وقد خطفت سوريا بدرجة أو بأخرى من عمق الأمن القومى العربى؟! .

– ماذا تفعل القيادة السياسية للأحزاب ؟

=طرح الرئيس السيسى الإدماج وتوجد التيارات السياسية فى مصر وهى ثلاث تيارات التيار الإسلامى، وهو خارج السياسة، أما التيار المدنى أو الليبرالى فيمثله 105 أحزاب وهى أحزاب سياسية مقننة، ولا بد أن يكون هناك طرح بحث ودراسة ومؤتمر حول  كيف نطور الحياة السياسية ونعيد صياغتها من جديد؟؟ على غرار من نراه فى الدول الديمقراطية.

وكمثال فالأحزاب الليبرالية أو المدنية فى وقت من الأوقات كونت جبهة الإنقاذ ووقفت أمام جماعة الإخوان المسلمين، ورأينا أكثر من 15 حزبًا كتلة واحدة مثل: المصريين الأحرار والوفد والتجمع، وغيرها، ولو قمنا بإعادة هذا بشكل فعلى يكون هذا جزءًا من الحل.

وباقى الحل أن نعطى شكلًا من الحرية مع ضبط القانون عليهم بمعنى هل المشكلة فى عقد مؤتمرات؟ هل المشكلة فى التواصل مع الشارع؟! نجرى نقاشا مفتوحا، وليس رؤية خاصة أحادية لكي نعيد الحياة السياسية من جديد وهو مشروع مهم جدا لمصر ، وإذا أذن لي الرئيس السيسى بالمرحلة القادمة لأن شكلنا العام بالخارج سيكون أفضل.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

SHARE

اترك تعليق