د. ناجح إبراهيم

باسمِ الله الَّذي خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامةِ،باسمِ النفسِ البَشَريَّةِ الطَّاهِرةِ التي حَرَّمَ اللهُ إزهاقَها،باسمِ الفُقَراءِ والبُؤَساءِ والمَحرُومِينَ والمُهمَّشِينَ الَّذين أَمَرَ اللهُ بالإحسانِ إليهم،باسمِ الأيتامِ والأَرامِلِ،والمُهَجَّرينَ والنَّازِحِينَ من دِيارِهِم وأَوْطانِهم،وكُلِّ ضَحايا الحُرُوبِ والاضطِهادِ والظُّلْمِ، والمُستَضعَفِينَ والأَسْرَى والمُعَذَّبِينَ في الأرضِ، دُونَ إقصاءٍ أو تمييزٍ،باسمِ الشُّعُوبِ التي فقَدَتِ الأَمْنَ والسَّلامَ والتَّعايُشَ،باسمِ”الأُخُوَّةِ الإنسانيَّةِ”التي تَجمَعُ البَشَرَ جميعًا،باسم تلك الأُخُوَّةِ التي أرهَقَتْها سِياساتُ التَّعَصُّبِ والتَّفرِقةِ،باسمِ الحُرِّيَّةِ التي وَهَبَها اللهُ لكُلِّ البَشَرِ وفطَرَهُم عليها ومَيَّزَهُم بها،باسمِ العَدْلِ والرَّحمةِ،أساسِ المُلْكِ وجَوْهَرِ الصَّلاحِ . بهذا الاستهلال الرائع بدأت وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها الإمام الطيب وبابا الفاتيكان فرنسيس ،ووقع معهم أبرز حكام الإمارات محمد بن زايد ومحمد بن راشد،في أسطورة أخوية نادرة أحسب أنها لن تتكرر ولن يجود الزمان بمثلها ،وهذه بعض بنود الوثيقة الرائعة التي لو عملنا ببعضها لعم السلام والوئام البلاد والعباد:- باسم الله وباسم هؤلاء جميعاً يعلن الأزهر والكنيسة الكاثوليكية تبني ثقافة الحوار درباً والتعاون المشترك سبيلاً والتعارف المتبادل طريقاً . تحدثت الوثيقة عن أن التطرف الديني والقومى والتعصب  في الغرب والشرق أدى إلي بوادر”حرب عالمية ثالثة “. واهتمت الوثيقة بالأسرة الصالحة كنواة للمجتمع والبشرية ، وعن أهمية الإيمان بالله وعبادته. وأدانت كل الممارسات التي تهدد الحياة كالإرهاب والتهجير القسرى والإبادة الجماعية والمتاجرة بالأعضاء والإجهاض. ونصت علي أن الحرية حق لكل إنسان اعتقاداً وفكراً وممارسة ، وأن التعددية بأنواعها حكمة لمشيئة إلهية . وحثت علي التلاقي بين المؤمنين في المساحة الهائلة للقيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة. ورفضت الوثيقة الاستخدام الإقصائي لمصطلح الأقليات لأنه يحمل الإحساس بال عزلة والدونية ويمهد للفتن . وختمت الوثيقة بأنها ستكون رمزاً للعناق بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.   لقد تطاول علي الإمام الطيب ظلماً وزوراً الصغير قبل الكبير وحاولوا إهالة التراب عليه,فإذا به يمضي بعيداً عن الغثاء بقلب الزاهد وثقة الموصول بربه واثق الخطا ليخط أهم وثيقة في التاريخ المعاصر مع بابا الفاتيكان المجدد/فرنسيس,أول بابا يصل للخليج. تجاوز عن الصغائر ولم يحفل بالمتطاولين,وسطر للسلام والوئام والتدين الصحيح أحلي الكلمات وبسط يد الخير الأزهرى،قوافل إغاثة في غزة وقوافل طبية في القرى,مراقباً للحق وراحماً للخلق. عاش د/الطيب طفولته ليرى بعينه الطائرات الإسرائيلية تقصف مطار الأقصر عام 1956 ورأى في شبابه مأساة يونية 1967 وعاش انتصارات أكتوبر،ثم بدأ عصر السلام والأمان والإنتاج بعد اقتصاد وخراب الحروب. وإذا بالحروب تتجدد بعد تفجير برجي التجارة الأمريكيتين التي دفع ثمنها الإسلام  غالياً،وأخذ فيها أكثر من مليار مسلم بجريرة أفراد لا يزيد عددهم عن أصابع اليدين، واستغلت الحادثة أبشع استغلال بإظهار الإسلام في صورة الدين المتعطش للدماء وتصوير المسلمين في صورة برابرة متوحشين,وبث الرعب في الغرب ليس من الإرهابيين ولكن من كل ما هو إسلامي”وإذا بالغرب يحتل العراق وأفغانستان ظلماً وزوراً ويقتل فيهما قرابة 5 ملايين مسلم ويشرد أهلها ويفقرها. هكذا حكى د/الطيب قصة”وثيقة الإخوة الإنسانية”وأنها نبتت كفكرة علي يد شابين أحدهما الأزهرى محمد عبد السلام والآخر يوآنس لحظى سكرتير البابا. ظلت الفكرة تتطور حتى صارت وثيقة عالمية,وقد مدح الطيب البابا فرنسيس بأنه رحيم يتألم لمآسي كل الناس بلا تفرقة ولا تمييز أو تحفظ. توافق الرجلان علي معان رائعة ذكرها د/الطيب ومنها :- “أجمعت الأديان علي تحريم الدماء وقتل النفس,صرح بذلك موسي عليه السلام في الوصايا العشر علي جبل حوريب بسيناء”مصر”وصدع به عيسي عليه السلام من فوق جبال الجليل”فلسطين”وأعلنه محمد عليه السلام من فوق جبل عرفات في خطبة الوداع “مكة”. فليس صحيحاً إدعاء البعض أن”الأديان بريد الحروب وسببها” مما أدى إلي تنحية الدين عن الحياة والإلحاد ومذاهب الفوضى والعدمية والحرية بلا سقف وأدى ذلك كله إلي محصلة كارثية. ثم صاح الشيخ الطيب في العالم صيحة الحق:”إن أزمة الإنسان المعاصر غياب الضمير الإنساني والأخلاق،وتحكم النزعات والشهوات المادية والإلحادية التي ألهت الإنسان وسخرت من الله ومن المؤمنين به”. ويهتف في العالم:”أما الحروب التي انطلقت باسم الأديان وقتلت الناس تحت لافتاتها فإن الأديان لا تسأل عنها وإنما تسأل عنها السياسات الطائشة التي تستغل بعض رجال الدين وتورطهم في أغراضها البعيدة عن الدين،ولذلك نادينا في الوثيقة بوقف استخدام الأديان والمذاهب في تأجيج الكراهية والعنف والتعصب الأعمى،والكف عن استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب،فالله غني عمن يدعو إليه بإزهاق الأرواح أو إرهاب الآخرين باسمه. ثم أردف الطيب بقوة وحزم مخاطباً المسلمين في الشرق”استمروا في احتضان إخوتكم من المواطنين المسيحيين في كل مكان،فهم الذين قال عنهم القرآن معللاً مودتهم لنا”ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ”وقال عنهم عن اتباع عيسي”وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً”. وخاطب الطيب مسلمي الغرب”اندمجوا في مجتمعاتكم اندماجاً إيجابياً,واعلموا أن أمن هذه المجتمعات مسؤولية شرعية وأمانة دينية في رقابكم. وخاطب الشباب كله”اجعلوا من هذه الوثيقة نهاية للكراهية,علموا هذه الوثيقة لأولادكم فهي امتداد لوثيقة المدينة المنورة ولموعظة الجبل”. هكذا تألق الإمام الطيب وسما فوق الضغائن والكراهية,تحية لكل صناع الوثيقة,وتحية للشيخ الطيب ولبابا السلام فرنسيس الذي أعاد مسيرة يوحنا بولس الذي كان مشهوراً بالحكمة والرحمة والعفو،فهو الذى عفا عن الشاب التركى المسلم الذي حاول اغتياله،ورفض اعدامه وقابل أسرته وأكرم وفادتها،سلام علي صانعي السلام.

SHARE

اترك تعليق