حسن البنا

كتب: عمرو فاروق

يستغل الإخوان ذكرى ميلاد البنا من كل عام ليصنعوا منه صنما مقدسا، فقد ادعوا كذبا وزورا بأن شيخهم حسن البنا، رائد الإحياء والتجديد الإسلاميّ المعاصر.

بل لم يكتفوا بذلك وزادوا عليه أنه الوارث النبوي، وأنه صاحب المدد والفتح الرباني.

والوراثة النبوية هي أحد معالم النهج الصوفي الخالص في التربية الروحية وتزكية النفوس البشرية، المستمدة من المدد النبوي، وهي علاقة في مجملها قائمة على تربية الشيخ للمريد والمدد الروحاني.

وليس بحال كل شيخ مربي وارث نبوي، فهي درجة من الاصطفاء، إذ يطلق على الشيخ المجدد، وريث الأنوار المحمدية، أو خبير الزمان، أو قطب الزمان.

وهي الصفة التي حاول الإخوان اضفائها على حسن البنا، مستدلين في تزييفهم للحقائق وللتاريخ، بأنه البنا جاء بما لم يأت به غيره، وأن أوتى خصلة من خصال النبوة، ألا وهي جوامع الكلام، وأنه تربى وتشرب الصوفية الروحية في بداية حياته على يد الشيخ عبدالوهاب الحصافي شيخ الطريقة الحصافية في دمنهور، وأن أوراد الجماعة الروحية مثل “ورد الرابطة”، هي نفاحات ربانية خالصة.

لكن الحقيقة التي لم ولن يذكرها الإخوان أوتطرق إليها البنا نفسه، هي أنه طرد من الطرق الصوفية، وفقا لما رواه مؤرخ الطريقة الحصافية، أحمد فتحي الحصافي، وأن الأوراد التي نسبوها للبنا، هي ملك لشيخ الطريقة الحصوفية نفسه.

فعندما كان يستعد حسن البنا في تأسيس جماعة الإخوان عام 1928، نصحه الشيخ عبد الوهاب الحصافي، شيخ الطريقة الحصافية التي تربى في أحضانها، بعدم إنشائها، وفقا لما ذكره البنا نفسه في كتابه “مذكرات الدعوة والداعية”.

إذ كتب البنا: “استمرت صلتنا على أحسن حال بشيخنا السيد عبد الوهاب حتى أنشئت جمعيات الإخوان المسلمين وانتشرت، وكان له فيها رأي ولنا فيها رأي، وانحاز كل إلى رأيه”.

وقال له الشيخ عبد الوهاب الحصافي: “إذهب إلى ماقدره الله على يديك لهذه الأمة، فستكون فتنة تشتكي منها البلاد والعباد”.

وعندما توالت الأحداث وتورط إخوان البنا وتنظيمهم المسلح في أعمال العنف خلال أربعينيات القرن الماضي، رفع الشيخ الحصافي يديه داعياً الله، على البنا وجماعته، بــ(3) دعوات كانت هي:

“اللهم إنهم فتنة سيشتكي منها أهل الأرض ويضج منها ملائكة السماء، فلا تُقم لهم ذلا إلا بعد عزاللهم وسلط جماعته على أنفسهم وأرهم الباطل حقا والحق باطلا ، اللهم أكثر عددهم وقلل مددهم”.

ربما يرى البعض أن الدعوات الثلاث في حق البنا وجماعته، قد تحققت، إذ تم حل جماعة الإخوان، ثلاث مرات، كانت المرة الأولى في عام 1948 على يد النقراشي باشا، وكانت الثانية عام 1954 على يد مجلس قيادة الثورة، وجاءت الثالثة في 26 ديسمبر 2013 عندما قرر مجلس الوزراء اعتبار الإخوان جماعة إرهابية في الداخل والخارج، ومصادرة جميع مقراتها وممتلكاتها التنظيمية والسياسية والمالية.

وربما ايضا يرى الكثير أن دعوات الشيخ الحصافي، لم تقف عن هذا الحد، فقد عانت الجماعة على مدار تاريخها من الانشقاقات والخلافات الداخلية، بل وصلت للاغتيالات نفسها، فالكثير من الدلائل أكدت مقتل البنا على يد قيادات التنظيم الخاص، عقب قراره بتسليمهم لأجهزة الأمن، سعيا في الخلاص من تمردهم.

فالوقائع الخلافية لا تحصى ولا تعدى، منها الصراعات التي دارت بين البنا وبين وكيل الجماعة أحمد السكري، وشهدت عليها صفحات الجرائد حينها.

إذ كتب السكري إلى حسن البنا، رسالة كشف فيها العديد من الممارسات والمخالفات التي فعلها وأجملها في: “يا أخي لا تبالي بصيحات الأحرار بل عملت على أقصائهم الواحد تلو الآخر، ولم تبال كذلك بما نسب من المسائل الأخلاقية إلى بعض من صدرتهم القيادة والإرشاد بعد أن ثبت واعترفت أنت بما وقع، وأصبحت الدسائس والفتن الداخلية والدعاية الباطلة ضد الأحرار، وارتباك النظم وفساد الإدارة مرتعا خصبا داخل صفوفنا، لقد وصلنا إلى تدهور واضطراب لا يخفيه هذا الطبل الأجوف والدعايات الفارغة التي تمتلئ بها جريدة الجماعة كل يوم، وعندما ذكرت لي أنك ترغب في تنحيتي من الجماعة بناء على طلب من بعض رجال السياسة الذين ترغب في الاتصال بهم، ووقفت أمام هذه المؤامرة ولم أشأ أن أكشف الستار عما وراء الكواليس حرصا على الدعوة وأملا في الإصلاح، كما سمحت للانتهازيين والمأجورين الدخول في صفوفنا، وعندما عارضتك في ذلك ضربت ضربتك الثانية، وأخرجتني من الجريدة، التي لا يعلم الناس أن سر تدهورها هو سيطرتك عليها، ولدى من الأدلة والمستندات ما يؤكد ذلك، وأسفرت وكشفت القناع متماديا بالدعوة في الانزالاق السياسي مع الغفلة التامة عن أهدافنا ومبادئنا مما جعلنا مضغة في الإفواه وجعل الجميع يتحدثون عن أننا صرنا سلعة تباع وتشترى”.

واختتم السكري رسالته للبنا بقوله: “يا أخي إنى أدعوك بدعوة الإسلام أن تعود إلى مبادئ هذه الدعوة وتخلع عنك رداء السياسة الحزبية وتجاهد معنا في سبيل المثل العليا التي تعاهدنا عليها، وإما أن تتخلى ليحمل اللواء رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإلا فإني مضطر لأن اكشف اللثام وأظهر ما خفي واسترد، واحمل مع إخواني الأطهار لواء الدعوة، وحسبك دنياك ومن يحوطك من أهلها وأن شعرت أن بيدك سيف المعز وذهبه فإن معي ربي سيهديني”.

وفي 27 نوفمبر 1947 عُقدت الهيئة التأسيسية، وقررت فصل أحمد السكري بناء على تفويض من حسن البنا باعتباره ناقضا للعهد حانثا لليمين خارجا على الجماعة ومحاربا للدعوة، مما اضطر السكري لتقديم استقالته التي نشرت بالصحف في أكتوبر 1947 .

قال فيها: “لا اكتمك الحق يا أخي ما كنت لأتصور يوما أن يبلغ بك الأمر فيطاوعك قلبك وضميرك وتطاوعك هذه العاطفة التي دامت بيننا سبعة وعشرين عاما، يعز عليّ ويؤسفني كل الأسف أن اضطر للرد عليك بسبب تمسكك بموقفك ورفضك اتباع الخطى المثلى التي تصلح ذات بيننا، وتحقق للدعوة أهدافها الكريمة، وتماديك للسوء في الأقاليم للتشويه من سمعتي والحط من كرامتي زورا وبهتانا، إما أنك تستبد وحدك بالأمر وتقوم بإقصاء من تشاء وفصل من تشاء، هربا من التحكيم وفرارا من مواجهة الموقف، ودون تمكين من تتهمه أو يتهمك من إبداء رأيه والدفاع عن نفسه، فإن هذه ديكتاتورية، يابأها الإسلام وتأباها الشرائع، وإن قلت إن مبايعة الإخوان لك تقتضيك التصرف الفردي في شؤون الدعوة وشؤونهم، فإن الحق يرد عليك في ذلك بأن البيعة هي في حدود ما أنزل الله، لا في تحكيم الهوى والخروج على المبادئ ومسايرة أهل الدنيا على حساب الدعوة”.

وفي إطار كشف الكثير من الفضائح والخلافات، ماذكره الشيخ محمد الغزالي، القيادي السابق بالجماعة، في كتابه “من معالم الحق”، ص 226، وقامت الجماعة بحذفه من الكتاب عقب وفاته، عندما تحدث عن علاقة مرشد الإخوان بالتنظيم الماسوني.

إذ قال معلقا على تولى المستشار حسن الهضيبي لمنصب المرشد “استقدمت الجماعة رجلاً غريباً عنها ليتولى قيادتها، وأكاد أوقن بأن من وراء هذا الاستقدام أصابع هيئات سرية عالمية، وقد سمعنا كلاما كثيرا عن انتساب عدد من الماسون بينهم الأستاذ حسن الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان، ولكن لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخنق جماعة كبيرة على هذا النحو، وربما يكشف المستقبل أسرار هذه المأساة، وترجع أهمية شهادة الشيخ محمد الغزالي واعترافاته هذه إلى أنه كان شديد الإخلاص والحماس والانتماء للإخوان، كما كان من أكثر من اقتربوا من قادة الجماعة وأطلعوا على أسرارهم”.

وقد اعترف علي عشماوي، آخر قادة التنظيم السري المسلح، في كتابه “التاريخ السري لجماعة الإخوان”، أنه عندما قابل سيد قطب بعد خروجه من السجن في منزله بحلوان، أكد له سيد قطب أن بعض كبار الإخوان يعملون لحساب الأجهزة الغربية والصهيونية وعلى رأسهم الحاجة زينب الغزالي، والأستاذ عبدالعزيز علي، اللذان يعملان لحساب المخابرات الأمريكية، وحذره من الاتصال بهما (ص 170).

مضيفا: “كما قال سيد قطب أن الدكتور محمد خميس حميدة كان ماسونيا وعلى درجة عالية من الماسونية، ورغم ذلك ارتقى إلى أن أصبح وكيلا عاما لجماعة الإخوان المسلمين في عهد الأستاذ حسن الهضيبي وأن الحاج حلمي المنياوي كان ممثلا للمخابرات الانجليزية داخل الجماعة (ص174)”.

حسن البنا

 

اترك تعليق