اللواء الدكتور سمير فرج

أصدرت منظمة جلوبال فاير باور، Global Fire Power، العالمية، المتخصصة في تقييم، وتصنيف، القوى العسكرية، حول العالم، تقريرها السنوي، لعام 2020، والذي احتلت فيه القوات المسلحة المصرية المركز التاسع، عالمياً، من بين 138 دولة، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، التي تصنف قواتها المسلحة كأقوى القوات العسكرية في العالم، تليها روسيا في المركز الثاني، ثم الصين في المركز الثالث، والهند في المركز الرابع، واليابان في المركز الخامس، تليهم كوريا الجنوبية في المركز السادس، ثم فرنسا في المركز السابع، وبعدها إنجلترا في المركز الثامن، ثم مصر في المركز التاسع، يليها البرازيل في المركز العاشر، ثم يعقبها، بالترتيب، حتى المركز العشرين، تركيا في المركز الحادي عشر، ثم إيطاليا، وألمانيا، وإيران، وباكستان، وإندونيسيا، والسعودية في المركز السابع عشر، ثم إسرائيل، وأستراليا، وإسبانيا في المركز العشرين على مستوى العالم.

يعتمد التقرير العالمي، على خمسون مؤشر، لقياس قوة الجيوش، منها، حجم الأسلحة، والمعدات العسكرية، فضلاً عن نوعيتها، وقدرتها القتالية، إضافة إلى أعداد القوى البشرية، وتقدم مستويات تدريبهم، وغير ذلك من المحددات التي وضعتها المنظمة، سلفاً، ضماناً للشفافية، وحسن القياس والتقييم. يشير التقرير الحديث، لعام 2020، على احتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، والهند، على مراكزهم الأربع الأولى، على مستوى العالم، بينما حققت ثلاث دول، مراكز أفضل مما كانت عليه في عام 2019؛ فتقدمت القوات المسلحة المصرية من المركز الثاني عشر إلى المركز التاسع، وتقدمت اليابان وكوريا الجنوبية للمركزين الخامس والسادس، بفرق مركز عن العام السابق، لتتراجع فرنسا إلى المركز السابع، بعد أعوام من حفاظها على المركز الخامس، عالمياً.

وعلى المستويات الإقليمية؛ عربياً، وأفريقياً، وشرق أوسطياً، فقد صنفت القوات المسلحة المصرية، في المركز الأول، ليليها في ترتيب قوات دول الشرق الأوسط، العشر الأولى، على سبيل المثال، كل من تركيا، وإيران، والسعودية، ثم إسرائيل في المركز الخامس، يليها الإمارات، والعراق، وسوريا، والأردن، ثم اليمن في المركز العاشر. وبنظرة تحليلية، سريعة، لترتيب دول الشرق الأوسط، سواء إقليمياً أو عالمياً، نلاحظ خروج إيران من ترتيب أقوى عشر قوات، بعدما كانت من أقوى عشر قوات مسلحة على مستوى العالم، في عهد شاه إيران، وهو ما يرجع إلى اعتماد نظام الحكم الديني بها، مع بداية عصر الخوميني، على الحرس الثوري بديلاً عن القوات المسلحة، لعلم النظام بولاء الجيوش، دائماً، إلى الدولة، بينما أسسوا حرسهم الثوري ليكون ولاءه، دائماً، للإمام، فعملوا على إضعاف الجيش الإيراني لحسابه.

كما نلاحظ استمرار تقدم اليابان من المركز الثامن، في 2018، إلى السادس، في 2019، ثم إلى المركز الخامس، في التقرير الحالي، وتعود قصة اليابان إلى ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، التي انضمت خلالها لقوات المحور مع ألمانيا وإيطاليا، وبانتهاء الحرب، وهزيمتهم أمام قوات الحلفاء، كانت اليابان أكبر الخاسرين بعدما هاجمت الولايات المتحدة الأمريكية، مدنها، هيروشيما وناجازاكي، بالقنابل النووية، مخلفة آثار جسيمة على اليابان، سواء في الأفراد أو المنشآت، أو الإشعاعات النووية التي امتدت آثارها لسنوات طويلة. لذلك، وبعد انتهاء هذه الحرب، قرر البرلمان الياباني حل الجيش الوطني، والاكتفاء بقوات بسيطة، لتأمين الحدود والسواحل، كما قرر الاعتماد على الولايات المتحدة في الدفاع عن اليابان، بتسليمها قاعدة ايكناوه، لتكون أكبر قاعدة عسكرية أمريكية، في العالم، وهو ما لاقى أهداف الولايات المتحدة، بالطبع، بالتصدي لروسيا والصين، من خلال هذه القاعدة.

إلا أن روسيا تمكنت، بعدها بعدة سنوات، من احتلال جزر الكوريل اليابانية، مستغلة ضعف القوات العسكرية اليابانية، وهو ما لم تتصد له الولايات المتحدة، لتظل تلك الجزر تحت الاحتلال الروسي حتى يومنا هذا. وبعدها بعام، فرضت الصين حظر صيد، على اليابان، في بحر الصين، بدعاوى تاريخية، ومرة أخرى لم تتدخل الولايات المتحدة، وحينها أدركت اليابان فداحة خطئها، بمخالفة قواعد، ومفاهيم، علوم الأمن القومي، الذي يؤكد على ضرورة وجود قوات عسكرية وطنية، لأي دولة تمتلك مقومات طبيعية كالبترول، أو الغاز الطبيعي، أو الفحم، أو اليورانيوم، وغيرهم، أو أي دولة لها قوة اقتصادية صناعية، مثل اليابان، بهدف حماية تلك الثروات والمقدرات، وعدم الاعتماد على قوى عسكرية خارجية، لتولي تلك المهمة.

ولتصحيح الأوضاع، قرر البرلمان الياباني، أن تبدأ بلاده في إنشاء قوة عسكرية، وطنية، قادرة على حماية أمنها القومي، واستثماراتها الصناعية، فاستغلت اليابان نهضتها الصناعية، والتكنولوجية، في بناء جيشها الجديد، ونجحت، خلال السنوات الماضية، في التقدم في المراكز، حتى وصلت قواتها العسكرية إلى المركز الخامس عالمياً، في عام 2020، رغم أنها ليست دولة نووية، مثل الدول الأربع السابقين لها في الترتيب. واستخلص من ذلك درساً، عُرف في جميع الأكاديميات والمعاهد والكليات العسكرية والاستراتيجية، حول العالم، باسم “الدرس الياباني، أو The Japanese Lesson، ليدلل على حجم الخسارة الناجمة عن عدم اتباع مفاهيم الأمن القومي الراسخة.

وجاء الترتيب، هذا العام، ليؤكد أن مصر خير من يتبع مفاهيم الأمن القومي، وخير من استوعب مغبات الدرس الياباني؛ فمع بدء ظهور ثروة الغاز الطبيعي، في شرق المتوسط، وامتلاك مصر لأكبر حقل غاز، في المنطقة، والتوقعات بامتلاك المزيد، من خلال عمليات الاستكشافات الجارية، وعددها 64 عملية، في المياه الاقتصادية المصرية، التي تحددت بنجاح الرئيس عبد الفتاح السيسي في ترسيم الحدود البحرية مع دول الجوار، قرر الرئيس السيسي دعم القوات المسلحة المصرية، ورفع كفاءتها، خاصة القوات البحرية، لتأمين هذه الثروات والاستثمارات الاقتصادية الكبرى، في البحرين المتوسط، والأحمر. فانعكس ذلك، على تقييم القوات المسلحة المصرية، وترتيبها على مستوى العالم، وخرج برسالة ردع، واضحة، لكل من تسول له نفسه، الإضرار بالأمن القومي المصري، وبرسالة، موازية، لطمأنه الشعب المصري بأن قواته المسلحة، قوية، وقادرة، على حماية أمنه القومي، ومقدراته.

وفي النهاية لا يسعني إلا الثناء على، والإشادة، بالقرارات الاستباقية، الاستراتيجية، التي اتخذتها القيادة السياسية، منذ سنوات، ولم يتفهم، البعض، أبعادها، حينئذ، إلا أنني على يقين من إدراكهم، الحالي، لحقيقة أن الشرق الأوسط سيشهد، في المستقبل القريب، نزاعات، شديدة، على المياه والغاز الطبيعي، وهو ما استعدت له مصر بقوة عسكرية، متميزة، ومتطورة، وقادرة، بإذن الله، على حماية أمنها القومي، واستثماراتها في المنطقة.

Email: [email protected]

SHARE

اترك تعليق