نادية صبره

“إذا ضمت إسرائيل أجزاء من الضفة الغربية سيؤدي ذلك إلى صدام كبير مع الأردن… لا أريد أن أطلق التهديدات أو أن أهيئ جواً للخلاف والمشاحنات ولكننا ندرس جميع الخيارات إذا جرى الضم”

هكذا كانت تصريحات الملك عبد الله الثاني ملك الأردن في حواره مع مجلة (دير شبيغل) الألمانية وهي بالطبع تصريحات قوية بل تكاد تكون أقوى تصريحات تصدر من الجانب العربي حتى الآن وهي ليست مغامرة من الأردن ولا تضحية بمصالحه من أجل القضية الفلسطينية فقط وإنما لأن هذا القرار يتعلق بأمر وجودي على المملكة الأردنية الهاشمية ويشكل تهديد مباشر للأمن القومي الأردني… لذلك استخدم الملك مصطلح (صدام كبير) لأن الصدام سيقع لا محالة فالضم الإسرائيلي إذا تم للضفة سيعني إنهيار السلطة الفلسطينية وحينئذ قد تضطر الأردن أن تتحمل مسئولية سكان مناطق الضفة الغربية وهناك خطر آخر وهو إزاحة مواطني عام 48 إلى داخل حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية مما سيؤدي إلى ضغطاً سكانياً هائلاً فخطة السلام الأمريكية بالأساس هي تتحدث عن إتحاد كونفدرالي أردني فلسطيني بما يتبقى من أراضي الضفة الغربية.. وأعتقد أن هذا هو أكثر شيء يقلق الملك..

وربما تكون أحلام حزب الليكود التي كانت سائدة قبل عام 1990 بطرد الفلسطينيين من الضفة الغربية بإتجاه الأردن لا زالت قائمة خاصة وأن اليمين الإسرائيلي المتطرف ما زال ينظر للأردن كوطن فلسطيني بديل من وجهة نظره..

وهو أيضاً عندما قال كل الخيارات على الطاولة أراد أن يجذب إنتباه العالم المنهمك في محاربة فيروس كورونا إلى خطورة القرار الإسرائيلي وتداعياته حيث سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار ولن يكون هناك إلا العنف والتطرف في فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط وأيضاً إيصال رسالة إلى إسرائيل مفادها أنها تضع كل مصالحها مع الأردن على المحك بما فيها معاهدة السلام لأن الصدام يعني الدخول مباشرة إلى بنود المعاهدة وما يتبعها من تنسيق أمني وتعاون إقتصادي وتبادل سفراء وإتفاقيات تجارية…

كما شدد الملك على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد الذي سيمكننا من المضي قدماً نحو السلام في المنطقة والعالم وأن حل الدولة الواحدة مرفوض بشدة وأنه يتفق مع المجتمع الدولي ومع بلدات كثيرة في أوروبا بأن قانون القوة لا يجب أن يطبق في الشرق الأوسط وبكل تأكيد فإن الأردن دولة مستقرة ودولة وازنة في المنطقة ومن الدول المفصلية وعندما يصرح الملك تصريحات بهذه القوة فعلى إسرائيل أن تنتبه تماماً..

ومما لا شك فيه أن إسرائيل تريد تصفية القضية الفلسطينية ورمي الكرة في ملعب الأردن فعندما يقول بنيامين نتنياهو: (قد حان الوقت لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية) فهو ليس كلاماً عبثياً على الإطلاق وإنما هو نتاج سنوات مريرة من الاحتلال البغيض وخطط الإستيطان الممنهجة وصولاً إلى هذا الضم الذي أغلب الظن قد بدء فعلياً منذ حكومة نتنياهو الماضية من خلال مئات الوحدات الإستيطانية التي تم الإعلان عن بنائها جنوب الضفة الفلسطينية والتي وصل عددها إلى قرابة 250 مستوطنة ويقطنها حوالي 700 ألف مستوطن.. إضافة إلى ما يجري في الحرم الإبراهيمي الشريف من مصادرة الأراضي ومحاولة المساس بالواقع القائم حالياً..

والمشكلة أن السلطة الفلسطينية لا تمتلك خياراً قوياً يمنع هذا الضم وليس أمامها سوى الصمت والإرتضاء بالأمر الواقع والسبب في هذا أن الرئيس عباس ابتعد طوال سنوات حكمه عن الشعب الفلسطيني مصدر القوة الحقيقي وقراره بوقف جميع الإتفاقيات مع الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية ومطالبة إسرائيل بتحمل مسئولياتها كقوة إحتلال على الأرض ليس بجديد سبق وأن أطلق هذه التصريحات مرات عديدة ولا يتم تنفيذها.. والسؤال الأهم هو هل لدى أبو مازن القدرة لوقف الإتفاقيات الموقعة؟ فالسلطة لا تستطيع أصلاً أن تقول أنها في حل من الإتفاقيات وتذهب لمكانها لا بد أن تكون هذه القرارات مصحوبة بخطوات فعلية على الأرض إلا أن الرئيس عباس لم يحدد ما هي هذه الخطوات ولا كيفية تحلله من الملحق الاقتصادي مع وجود واقع حقيقي على الأرض وتبادل تجاري وعمالة بين الضفة والأراضي المحتلة كذلك لم يفصح كيف سيتم الإنفكاك من الترتيبات الأمنية والإرتباط العسكري مع إسرائيل الذي تم بتنسيق أمريكي..

أيضاً دعوته لوجود طرف ثالث وهو يعلم جيداً أنه لا يوجد طرف ثالث يمكنه الضغط على إسرائيل والموقف الأوروبي أقصى ما يمكن أن يصل إليه هو فرض عقوبات على إسرائيل بالإضافة إلى ما صرحت به مسئولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي بأن معاقبة إسرائيل تتطلب إجماعاً لم يتحقق بعد.. وإذا كان يقصد وجود قوات دولية فهي لا تلعب أي دور أصلاً سوى كتابة التقارير فقط..

أما عن ملاحقة إسرائيل أمام الهيئات والمحاكم الدولية فلا أمل سوى في محكمة الجنايات الدولية فهناك إمكانية لقبول دعوات السلطة الفلسطينية وربما تأتي بنتائج إيجابية رغم ما تعرضت له من تهديد مباشر من واشنطن.. لا قرارات ستصدر من مجلس الأمن الذي تمتلك فيه أمريكا حق الفيتو اللعين أو الجمعية العامة…

أخيراً دعوته لعقد مؤتمر دولي وهي بلا جدوى لأنها ستعيد المفاوضات للمربع الأول فكل المؤتمرات الدولية لم تجدي نفعاً منذ (ترومان) وحتى الآن فكل رؤساء أمريكا لم يقدموا شيء يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني نهائياً فقط قدموا كل ما يصب في مصلحة إسرائيل ولكن كان لديهم بعض الدبلوماسية والكياسة أما (ترامب) فلا شيء من ذلك..

مما أشعرنا جميعاً بالصدمة من أسلوبه الفج ولكننا لو دققنا في المضمون والسياسة والهدف سنجده واحداً وهو إسرائيل أولاً عموماً لو أن الرئيس عباس لديه جدية في التخلص من أوسلو عليه أن يقوم بإعادة هيكلة منظمة التحرير والعودة للشعب الفلسطيني ليتمكن من مواجهة الاحتلال الذي لن يجرؤ حينـئـذ على الضم..

إن المخاطر كبيرة فهي ليست فقط تهديدات إسرائيلية أو محاولة للمساس بالأردن وفلسطين وإنما نحن أمام حكومة ليست كسابقاتها تضع في صلب برنامجها الإستراتيجي الضم وإخراج  إيران من سوريا حكومة برءسين أحدهما نتنياهو والآخر بنى غانتس وهي الخامسة لنتنياهو الذي أصر على تسميتها حكومة وحدة وطنية للإيحاء بأن الشعب في إسرائيل هو الذي اختاره بالرغم من أنها جاءت كطوق نجاة للخروج من أزمة سياسية طاحنة استمرت عام ونصف ويهيمن عليها اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يناهض كل اتفاقيات السلام التي وقعتها إسرائيل هي بإختصار حكومة بنيت على محاربة الفلسطيني وسلب أرضه للبقاء في السلطة والمضي قدماً في قلب كل ما له علاقة بالقواعد والشرعية الدولية..

إن تحالف (نتنياهو/جانتس) يحاول الإستفادة من الموقف الأمريكي ومن تفشي فيروس كورونا ليفرض واقع على الأرض والحيلولة دون إقامة الدولة الفلسطينية..

لذلك لا بد من موقف عربي موحد والبناء على الموقف الأردني المتماسك وكذلك الموقف المصري الثابت في الرفض القاطع للمساس بحقوق الشعب الفلسطيني كحق تقرير المصير وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.. موقف عربي قوى على مستوى هذه التحديات ويعظم من الثمن الذي ستدفعه إسرائيل إن أقدمت على خطوة الضم.. لأن القضية الفلسطينية هي قضية الوطن العربي كاملاً ورغم أنني على يقين بأن هذه المؤامرة لن تمر ككل المؤامرات التي تحطمت على صخرة الصمود الفلسطيني إلا أنني أتمنى أن تدرك القيادة الفلسطينية خطورة الموقف وأن تكون على مستوى تطلعات الشعب الفلسطيني..

اترك تعليق