نادية صبره

خطوة جيدة اتخذها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي تجاه تحرير العراق من سيطرة الميليشيا الإيرانية أو الأشباح الذين يتحكمون في طرفي الحدود بين العراق وإيران كما وصفهم فقد صوت مجلس الوزراء العراقي يوم الأربعاء الماضي لعدم السماح لأي جهة حزبية أو عشائرية بحمل السلاح ومن يخالف يتعرض لمحاسبة قانونية كما أعلن عن خطة أعدت للسيطرة على المنافذ الحدودية كاملة وفرض الأمن وإنفاذ القانون وصرح بأن ليس لديه كتلة بالمعنى الحقيقي وأن الشعب هو حزبه ومشروعه الوحيد هو العبور بالدولة من الظروف التي أدت إلى إستقالة الحكومة الماضية وتصحيح أخطاء الماضي وتحقيق مطالب الشعب وإجراء انتخابات عادلة.

لاشك أن ما فعله الكاظمي كان لابد منه فلا إصلاح بدون تحرير المنافذ الحدودية التي تعتبرها إيران تنفيس لها للهروب من أزمتها الاقتصادية ومن العقوبات الأمريكية من خلال العمق العراقي فمثلاً معبر القائم على الحدود مع سوريا يتم من خلاله تهريب السلاح الإيراني كما تقوم بتمويل من يقتل أبناء الشعب العراقي وبالفعل تم السيطرة على سبع منافذ حدودية وإستدعاء قوات الإحتياط لها بعد استغاثات من القضاة والمدنيون من موظفي الجمارك وضباط الشرطة بعد تهديدهم من العشائر والأحزاب وجهات سياسية.. وقد تعرض العراق لضغط دولي كبير وقيل له نصاً عليكم بضبط حدودكم وحركة التجارة والمسافرين والموانئ والجمارك وإلا فكيف سيمكن للعالم أن يساعد العراق؟
وملف المنافذ أيضاً لا يقل خطورة عن ملف الكاتيوشا ولا ينفصل عن اللعبة أو المواجهة التي بدءت بين الكاظمي وهذه الميليشيا التي تتهجم عليه نهاراً جهاراً وترى نفسها أكبر من الدولة فكلها حقيبة واحدة وتصب في إتجاه واحد وهو قضية وجود السلاح المنفلت خارج سلطة الدولة وهو مساس لهيبة الجيش العراقي وتهديد الأمن والسلم المجتمعي ولسمعة العراق.

وأعتقد أن الكاظمي ماضي في هذه المواجهة خاصة بعد إغتيال الباحث والمحلل السياسي العراقي الدكتور هشام الهاشمي الذي إغتالته آيادي آثمة يوم السادس من يوليو الجاري أمام منزله وفي داخل سيارته وقد وثقت كاميرات المراقبة لحظة إغتيال الهاشمي وكشفت هوية الجناة.. وكان الهاشمي يعمل ضمن فريق مقرب من مصطفى الكاظمي وظل لسنوات يقدم الإستشارات السياسية لأجهزة المخابرات ومكافحة الإرهاب والأمن الوطني وكانت آخر دراسة لهشام أكد فيها أن الحرس الثوري الإيراني يتحكم بفصائل داخل الحشد ويجب تحييد هذه الميليشيات وقدم مشروع لقطع يد إيران ويهدف لفصل الميليشيا التي تعلن ولائها لإيران عن الحشد حيث كشف عن وجود 70 ألف عنصر في الحشد ولائهم لخامنئي وليس للعراق وأغلب الظن أن هذا المشروع تسبب في إمتعاض ثلاث أو أربع عصابات ميليشياوية على رأسها حزب الله العراقي وكان سبب في إغتيال الهاشمي الذي تلقى تهديدات بالقتل نقلها إلى مراكز صنع القرار الذين وعدوه بالحماية كما تلقى تهديد مباشر من أبو علي العسكري (حسين مؤنس) المسئول الأمني لحزب الله العراقي قبل الحادث بيومين بعد أن كشف تفاصيل كثيرة عن خلايا الكاتيوشا التي تطلق الصورايخ صوب المنطقة الخضراء ومطار بغداد والسفارة الأمريكية وقد لاقت حادثة الإغتيال إدانات عربية ودولية فقد أدانتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والسفارة البريطانية في بغداد وبعثة الأمم المتحدة بالعراق وكذلك الخارجية الأمريكية حيث وصف (مايك بومبيو) هشام بأنه اغتيل بوحشية بعد أن كرس حياته من أجل عراق جديد وعمل على دحر الجماعات المتطرفة التي هددته بالإغتيال.

أما في الداخل العراقي قوبلت الحادثة برفض شعبي وغضب جماهيري وانتشر هشتاج سمي (لماذا) على صفحات التواصل الاجتماعي وعبر العراقيون عن رغبتهم في القضاء على الميليشيا وإستعادة هيبة الدولة ودعمها للكاظمي الذي وصف الحادث بأنه اشبه بسياسة المافيا وقال لن نسمح لأحد أن يحول البلد إلى دولة العصابات.. وفي مشهد إنساني مؤثر ذهب الكاظمي إلى منزل عائلة الشهيد هشام وأكد على ملاحقة القتلة وتقديمهم للعدالة بأقرب وقت كما تعهد برعاية أبناء الشهيد وخاطبهم قائلاً افتخروا بوالدكم الشجاع أيقونة العراق الوطنية الذي تحدى الإرهاب وفضحهم ليبنى مستقبل أفضل لكم وترك لكم أرث وطني وثقافي للعراق وأضاف بأنه سيطلق اسم هشام الهاشمي على أهم شارع في العراق تخليداً لذكراه وفي اعتقادي أن هذه الميليشيا إغتالت شخصية وطنية كبيرة وهي على قناعة بأن لا أحد يمكن أن يحاسبها لذلك تمادت في العمليات الإجرامية التي لا يمكن الصمت عليها كما أرادوا إرسال رسالة موجعة وقوية للكاظمي مفادها أن هذا أحد مساعديك وقد قطعنا هذه اليد المساعدة لك فنحن أخطر مما تتصور وسوف نتدخل في سياسات العراق الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية وفق أجندة طهران وأن إحتلال العراق أكبر منك وقد وصلت الرسالة بقوة وعنف ودموية.

فجاء رد الكاظمي سريعاً بقرار إعادة هيكلة الحشد الشعبي ثم فتح ملف المنافذ الحدودية والسلاح المنفلت ولكن هذه المليشيا التي هي في واقع الأمر مجموعة عصابات لا تؤمن بالمؤسسات ولا بالدولة ومن الممكن أن يفعلوا أي شيء وهل ستقبل بالتخلي عن كل ما تملكه في الساحة العراقية، وعن عائداتها من السيطرة على المنافذ التي تصل إلى ثمانية مليار دولار؟ لذلك لا بد من دعم دولي للكاظمي الذي اتخذ الخطوة الأولى في القضاء على دولة الميليشيا التي تتلقى أوامر إيران ولا تعول على الدولة العراقية..

المحيط الإقليمي والدولي يجب أن يعترف بأن العراق دولة غير طبيعية وتحاول إستعادة دولة قانون ومن ثم تقديم الدعم الكامل للكاظمي.. أما الدولة العراقية فعليها المصارحة وعدم الخوف من تسمية الميليشيا بالإرهابية وأنها لا تختلف في تصرفاتها عن داعش وأنها تصور نفسها أكبر من الحكومة وتعلن أيضاً أن هذه المليشيا متورطة في القتل والإرهاب والإغتيالات وهو أمر واضح وأدلته كثيرة..

إن تحقيق الدعم الدولي للقضاء على الميليشيات مثل التحالف الدولي للقضاء على داعش سوف يزيل عراقيل كثيرة أمام الكاظمي ولا ننسى أن الأحزاب السياسية الدينية في العراق بالطبع لن يدعموا الكاظمي في إنهاء هذا الورم السرطاني الذي ينخر في الجسم العراقي لأن هذه الأحزاب بدون ميليشيات لن تستطيع خوض أي انتخابات ولن تستطيع توسيع نفوذها المالي لذلك فهي حريصة على وجود هذه الأذرع المسلحة.

اترك تعليق