تقرير يكتبه : عاطف عبد الغنى

تراجع أردوغان كما هو متوقع تماما، عند حافة الهاوية، وتخلى ونظامه عن غضرسة العرق التركى المعتادة، وسحب سفينة الأبحاث والتنقيب التركية “أوروبس ريس” والسفن الحربية المرافقة لها من المناطق المتنازع عليها مع اليونان وقبرص، وعادت من حيث ذهبت إلى ميناء أنطاليا جنوب تركيا.

كان هذا فى الشمال، وجاءت الخطوة الثانية، للهروب من المواجهة فى ليبيا، رسالة غزل صريحة أرسلها السلطان المزعوم أو المهزوم، عبر مستشاره ياسين أقطاي، إلى مصر، وبثت الرسالة وكالة الأناضول الرسمية – اليوم الأحد – ووصف فيها أقطاي الجيش المصري بـ “الجيش العظيم” مضيفا: “نحن نحترمه كثيراً، لأنه جيش أشقائنا.”

هذه حدود أردوغان التى راهنت عليها مصر، وهى أنه عندما تصل الأمور إلى حافة الهاوية، ويدرك سلطان العثمانيين الجدد أن المواجهة باتت مؤكة أو وشيكة فسوف يتراجع.

كل الملفات التى تم التصعيد فيها، من الطمع فى ثروات الدول المجاورة، والجور على حدودها الاقتصادية، والتنقيب على الغاز والنفط، فى بلطجة عسكرية واضحة، إلى التلويح بالحل العسكري في الأزمة الليبية، واللعب بورقة المليشيات الإرهابية المسلحة، وتجار الحرب المأجورين، ونصرة مليشيات الإرهاب التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، كل هذه الملفات، لم تنجح تركيا – أردوغان فى حسم أى منها لصالحها بل على العكس أصبح من الواضح أن العالم ضاق ذرعا بأعمال المراهقة السياسية والعسكرية التى يمارسها أردوغان على الأرض، لذلك قرر أن يوقفه ويردعه بشدة.

27 دولة تمثل الاتحاد الأوروبي وجزء كبير من حِلف “الناتو” وروسيا، قررت مناصرة اليونان وقبرص، ضد أردوغان، ثم انضمت الولايات المتحدة، إلى هذا الحلف، وزار وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو، أمس السبت، قبرص فى أعقاب إصدار قرار أمريكي برفع حظر السلاح عن الدولة القبرصية، وأعرب بومبيو عن قلق بلاده الشديد بشأن تحركات تركيا في شرق المتوسط، وهنا أدرك أردوغان أنها القاضية لا محالة إذا لم يرفع الراية البيضاء، ويتجاوب مع المطالب الأوروبية، كشرط لفتح أى حوار معه.

تحركات أخرى على الأرض أظهرت أن كل الأطراف التى يمكن أن تدخل ضدها تركيا فى أعمال عدائية، لن تقبل أن تنكسر بسهولة أمام تركيا – أردوغان، اليونان حصلت على 18 طائرة من طراز “رفال” وأربع فرقاطات، وأربع طائرات مروحية من فرنسا، وجندت اليونان 15 ألف جنديا كدفعة أولى، وبدعم فرنسى مغربى، ومن قبلهما مصرى اجتمع الليبيون فى بورنيقة بالمغرب، للوصول إلى حل سياسيى، فهل تقف الأمور عند هذا الحد؟!

أتصور أن الأزمة الجديدة التى سوف يصدّرها الحواريون، لسلطانهم المزعوم، أردوغان، تتمثل فى الإيحاء له، بأنها “حرب صليبية” جديدة يواجه فيها الغرب المسيحى، خليفة المسلمين الجديد، والعودة لتحريض أردوغان للمواجهة على هذه الخلفية الموهومة.

وفى هذا الصدد كتب اليوم أحد أكبر العملاء العرب لإيران، والمعسكر الشيعى فى الإعلام الناطق بلغة الضاد، وهو المدعو عبدالبارى عطوان، يقول : “باتت تركيا بدون أصدقاء إقليميين ودوليين تقريبا في الوقتِ نفسه، فروسيا التي تستضيف الكنيسة والقِيادة المسيحيّة الأرثوذكسيّة على أراضيها لا يُمكن أن تقف ضد اليونان أبرز أعضاء الكنيسة الشرقيّة، والحال نفسه ينطبق على قبرص وصربيا، والعالم المسيحي بشكل عام.”
والذى كتب هذا الكلام فضح نفسه حين ذكر أن تركيا باتت بدون أصدقاء إقليميين ودوليين، ثم عاد وحاول أن يصور أزمتها أنها بين العالمين المسيحى الغربى، والإسلامى الشرقى، وهذا غير صحيح بالمرة، ويجاوز الواقع الذى يؤكد كل لحظة أن تركيا العثمانلية كانت ومازالت دولة استعمارية تبحث عن السيطرة الإمبراطورية لحكم العالم ونهب ثرواته.

والطامة الكبرى أن نفس الكاتب عاد ليقول فى موضع آخر من افتتاحية الجريدة الأليكترونية التى يرأس تحريرها: “إذا كانت تركيا قد حقّقت بعض النّجاحات في سورية فإنّ ذلك يعود إلى دعم هذا المُعسكر الغربيّ، والولايات المتحدة التي تقوده، مُضافًا إلى ذلك حالة الضّعف والانهِيار الإسلاميين، وتواطؤ بعض الدول العربيّة مع هذا المُعسكر، وبقيّة القصّة معروفة.”
وتعليقنا الوحيد عليه هو: ما هذا التخبط هو البعيد أعمى ؟!”

اترك تعليق