نادية صبره

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الجمعة الماضي موافقة البحرين وإسرائيل على توقيع إتفاقية سلام وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين إسرائيل ومملكة البحرين وإعتبر الرئيس الأمريكي الإتفاقية بأنها لحظة تاريخية خاصة وأنها ثاني إتفاق سلام بين إسرائيل ودولة عربية خلال 3 ثلاثين يوماً.

بداية ما قامت به البحرين بغض النظر عن مدى قبولنا له أو إختلافنا معه هو قرار إيجابي لتخفيف النزاعات وفتح الأبواب لحل لب النزاع العربي الإسرائيلي وهو القضية الفلسطينية ودفع إسرائيل قدماً نحو تحقيق السلام وخلق موقف تفاوض مفتوح والبحث في مختلف الحلول فهذه الإتفاقيات تدعم التفاوض مرة أخرى بعد أن تجمدت المفاوضات بين الفلسطينين وإسرائيل منذ فترة طويلة وهي بمثابة إتفاقيات تمهيدية لخفض التوتر وفرص السلام وفتح ثغرة في جدار الأزمة ومساهمة كبيرة لعملية التحول الذي يحتاجه الشرق الأوسط ومما لا شك فيه أن إسرائيل أستفادت من التمدد الإيراني فكثير من الدول ترى الخطر في المنطقة يأتي من تركيا وإيران وهذه حقيقة فالنظام الإيراني يصوب بنادقه وصورايخه تجاه دول الخليج.

إن صفقة السلام بين البحرين والإمارات مع إسرائيل لن تغير اللعبة الجيوسياسية وإنما ستؤسس لخطوط جديدة في المنطقة وإحدى هذه الخطوط تتمثل في إعادة تحديد التحالفات مع إيران وتركيا هاتين الدولتين تحاولان الهيمنة على الموضوع الفلسطيني وأخذه من الدول العربية بالرغم من أنه موضوع عربي عربي لذلك فإن تركيا ستسعى لإشعال الخلافات والإيرانيون سيحاولون تحدى الشرعية الإسلامية للسعودية فهناك قلق لصانع القرار الإيراني لأن الإتفاق الإسرائيلي البحريني سيخلق مساحة جديدة تتواجد فيها إسرائيل إضافة إلى الأصدقاء العرب الجدد الذين يمكن أن يتعاونوا ويتفقوا ضد إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة.. لذا فالإيرانيون ليسوا مرتاحين لأن لديهم طموحات لريادة العالم الإسلامي ولذلك فنظام الملالي يستقطب العناصر المتشددة وأمريكا أدركت أنه لا بد من دعم الدول العربية لذا فهناك تطور لآليات جديدة لحصار الإرهاب والأنظمة المزدوجة والكتلة العربية الآن في إتجاه واضح مع السلام ويكفي أن هذه معاهدات صريحة وواضحة ومعلنة وستغلق الباب أمام من يتاجرون بالقضية الفلسطينية مثل قطر وتركيا وتقطع الطريق أمام ضرب أمن وإقتصاد دول التعاون والبحرين ترى أن هذا الإتفاق سيعود بالمنفعة عليها وعلى المنطقة العربية كما تؤكد أن هذا النهج والمسلك لمساعدة الفلسطينين لذلك فإن ملك البحرين (حمد بن عيسى) أكد على ضرورة التوصل إلى سلام عادل وفقاً لحل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.

وهناك ثلاث عوامل أدت إلى إتخاذ مملكة البحرين قرار بإتفاق إبراهيمي جديد وقعته لتلحق بركب السلام كرابع دولة عربية تخوض غمار السلام مع إسرائيل:

أولاً تهديد إيران ولا يوجد شيء أفضل أو أكثر من تهديد خارجي ولنكون أصدقاء ضد هذا الخصم وهو إيران.

ثانياً: أمريكا تعزز حلفائها ضد الصين وروسيا وإيران التي تغرس أصابعها في الشرق الأوسط وتتصدى لمبادرة (طريق الحرية) التي أطلقتها الصين وتهدف منها لإعادة النفوذ الأمريكي للوراء.

ثالثاً: الإدارة الأمريكية تثق في مصر ودول الخليج لذلك إرتأت أن فتح الحوار والعلاقات المباشرة سيعزز الاستقرار في الشرق الأوسط.

ولسنوات عديدة الأنظمة العربية دعمت المبادرة العربية التي أطلقت في قمة بيروت في العام 2002 وما زالت متمسكة بها فكما صرح السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية (بأنه على ثقة من أن التطورات التي تشهدها المنطقة مؤخراً وبالذات ما يتعلق بالقضية الفلسطينية لن تؤثر على الإجماع العربي بشأن حتمية إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية كشرط أساسي لكي يتحقق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط..)

لكن في العشرين عاماً الأخيرة الأمور تغيرت بسرعة لم يكن هناك تهديد إيراني قوى ولم تكن إيران قاب قوسين أو أدنى من تصنيع قنبلة نووية يكفي أن مصر والأردن وقعتا معاهدة سلام في خلال نصف قرن وفي شهر واحد وقعت دولتان عربيتان لنعرف كيف أصبحت تسير الأمور إن إتفاقيات السلام أصبحت أمر واقع من منطلق البحث عن المصالح ونحن على أعتاب مرحلة جديدة فحافلة السلام إنطلقت ولن يستطيع أحد إيقافها لذلك فعلى إسرائيل أن تثبت أنها تستحق غصن الزيتون من خلال الإعتراف بالحقوق الفلسطينية وأن تقدم تنازلات وتلغى وتتخلى عن التشدد.. إسرائيل مدعوة لتقابل هذه المبادرات بمبادرة وقف الإستيطان والعودة للمفاوضات ولا شك في أن الولايات المتحدة قطعت شوط كبير في إقرار السلام في الشرق الأوسط وكما أكد (ترامب) سنسمع عن دول أخرى عربية وإسلامية ينضمون للسلام.. وترامب لا يهدف من هذه الإتفاقيات تحقيق نصر إنتخابي فالإنتخابات الأمريكية لا تعتمد على السياسة الخارجية هناك قضايا أخرى ملحة للناخب الأمريكي ولكنه يهدف إلى عدم بقاء القوات الأمريكية في الشرق الأوسط لذا يسعى لإقامة السلام وخلق تحالف عسكري جديد ولذا قالها صراحة: (إن المنطقة ستصبح أكثر رفاهية وسنتمكن من سحب جنودنا.

كما قال السيناتور ليندسي جراهام: (إن هذا الإتفاق سيأخذ الشرق الأوسط إلى مزايا إقتصادية وتجارية..)

وبعد 19 عاماً على هجمات 11 سبتمبر ترامب لم يكن يعلم إن هذا سيحدث في هذا التوقيت وهو سعيد جداً أنه عمل شيء ظنه الكثيرين أنه مستحيل وبنجاح سياسته لتغيير الواقع في الشرق الأوسط كما قال هو: (لم يكن أحد يتوقع أن يحدث هذا الإتفاق في ذكرى هجمات سبتمبر لكنه حدث) وكذلك نتنياهو لا يخفي فرحته بتوسيع حلقة السلام ويتحدث ومن خلفه خريطة للوطن العربي وهي بالطبع مقصودة ولها دلالات رمزية كبيرة..

وكما قال جاريد كوشنر عراب الصفقات: (إنه إختراق تاريخي حققته إدراة ترامب في 11 سبتمبر)

الآن بات الأمر ملحاً لقيادة فلسطينية جديدة تريد التفاوض فالرئيس عباس قاطع الإدارة الأمريكية وفرض شروط وإملاءات.. لا يمكن في ظل الوضع الراهن إستمرار سياسة اللاءات الفلسطينية ورفض أي خطة أو خطوة.. إن مسئولية تضييع الوقت على الشعب الفلسطيني يتحملها الجانب الفلسطيني كاملة وأقصد بالطبع السلطة الفلسطينية وكل الفصائل ويجب التخلي عن التعنت ورفض كل جهود السلام من أوسلو وحتى اليوم دون النظر إليها وقراءتها ربما تكون هناك أرضية يمكن البناء عليها.. إضافة إلى التشرذم في الجانب الفلسطيني مما أصاب العالم بالتململ من الإنقسام البغيض وأصابه الإحباط واليأس وبغض النظر عن نتيجة الإنتخابات الأمريكية فأي إدارة أمريكية حتى لو جاء (جوبايدن) ستعمل على هذه الخطوات…

الرئيس عباس مُصر على العناد والإفتقار للممارسة السياسية الواقعية ولا يدرك أن السياسة هي فن الممكن وطريق التفاوض شاق وأن ما لا يدرك كله لا يترك كله.. وحماس والجهاد أفقدوا إتفاق أوسلو توازنه بتداخلهما مع تركيا وإيران لسنوات طويلة لذلك يجب وقف التعامل مع تركيا وإيران والبدء بمفاوضات جديدة وأقولها صراحة للأخوة الفلسطينين إذا كنتم تريدون إقامة الدولة الفلسطينية ساعدوا أنفسكم يجب تغيير لغة الخطاب السياسي وترك الخطاب الذي أصبح خلف ظهر الجميع.. والتعاطي بإيجابية هذا ما لا تفهمه حماس والجهاد وباقي فصائل المقاومة التي طالبت في بيان لها منظمة التحرير بالإنسحاب من الجامعة العربية بحجة أن الجامعة قصرت في التنديد بإتفاق السلام البحريني الإسرائيلي!!

إن الإمارات والبحرين ومصر والأردن توفر الغطاء والدعم للقضية الفلسطينية وهناك حرص خليجي وعربي على ضرورة توفير شبكة الأمان وإعطاء قوة دفع للجانب الفلسطيني لكن لا تستطيع الجامعة أن تنصب نفسها واصية على دول ذات سيادة مثل البحرين والإمارات وإجبارها على التراجع عن قرار سيادي خاص بها إتخذته.. إن الجامعة العربية برغم المقاطعة الرباعية العربية لقطر منذ سنوات وبرغم كل الأدلة الدامغة على دعم قطر للإرهاب على المستوى الإقليمي والدولي لم تتخذ قرار بتجميد عضويتها رغم المطالبات الكثيرة بذلك.

وكما صرح السيد نبيل شعث بأن (الموقف الفلسطيني موحد في رفضه للتطبيع ومواجهة الخيانة في الظهر) حقيقي كنت أتمنى بأن يتوحد الموقف الفلسطيني حيال كل القضايا الهامة العالقة منذ سنوات وليس فقط يتوحد لتخوين دولاً عربية شقيقة كانت وما زالت وستظل تقدم كل الدعم للقضية الفلسطينية إن ما قامت به البحرين هو موقف شجاع فلسنوات عديدة إنخرطت إسرائيل مع البحرين في مصالح عديدة وقرار إخراج العلاقات للعلن وتحمل تبعات هذا القرار سياسياً هو بلا شك شجاعة من قيادة البحرين وأغلب الظن أنه تم استشارة الرياض وأبو ظبي (42) عاماً من بناء وتطور عملية السلام إبتداءاً من الرئيس السادات وحتى إتفاق البحرين حدثت فيهم تحولات كبيرة في العالم العربي ومنطقة الخليج وكما صرح الرئيس الأمريكي: (هناك أشياء تحدث في الشرق الأوسط لم يكن أحد يتخيلها) ومنذ ولاية ترامب هناك مسارين متلازمين عربي وفلسطين وزيارات (كوشنر) للمنطقة لم تكن سرية والمفاوضات كانت تتم منذ سنوات وإختيار التوقيت للإعلان عن الإتفاقيات سببه عوامل سياسية ودبوماسية.

إن حافلة السلام إنطلقت ولن تتوقف والبحرين والإمارات ليست وحدهم هناك الكثير من الدول العربية والإسلامية ستلحق بهم كما أكد ذلك الرئيس ترامب وعلى القيادة الفلسطينية إتخاذ القرار وأن تدرك المخاطر والتحديات المتزايدة وعدم مراوحة مكان واحد.. فهل ستكون آخر من سيقفز على حافلة السلام أم سوف يستمر سيناريو الفرص الضائعة..

SHARE

اترك تعليق