يبدو أن الدول التي نصبت نفسها راعية لحقوق الإنسان في العالم لا تدرك أن دوافعها المسمومة من وراء اتهاماتها المزعومة لدول بعينها بانتهاك حقوق الإنسان باتت مكشوفة، وتناست هذه الدول أنها أكبر راعية لـ «انتهاكات» حقوق الإنسان في العالم، وأكبر دليل على ذلك عجزها على مدار سنوات طويلة عن اتخاذ موقف فعال لمعاقبة إسرائيل على انتهاكـــــــــاتها الجسيمـــــــة بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ناهيك عما تقوم به هذه الدول من عنصرية وانتهاكـــــــات لحقـوق الإنســان على أراضيها، خصوصا بحق السكان الأصليين والأقليات واللاجئين.

أعد التقرير

داليا كامل – هبة مظهر –  ياسمين وهمان

إذا بدأنا بالولايات المتحدة الأمريكية فسنجدها من أكبر الدول انتهاكا لحقوق الإنسان فى العالم، حيث تمتلك تاريخا طويلا وسجلا حافلا بالانتهاكات لحقوق الإنسان سواء بالداخل أو الخارج.

وبحسب مقال للكاتبة الأمريكية «مارجريت كمبرلى»، تمتلك الولايات المتحدة أسوأ سجل فى مجال حقوق الإنسان بين الدول التى تسمى ديمقراطية أو متقدمة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لديها أسوأ نظام رعاية صحية فى تلك المجموعة وأسوأ فوائد للعمال وأسوأ تفاوت فى الدخل، كما أنها تتميز بكونها أكبر سجان فى العالم حيث يوجد فيها نحو2,3 مليون شخص خلف القضبان.

وحشية الشرطة

وهناك أمثلة كثيرة لتجاوزات أمريكا لحقوق الإنسان سواء فى الداخل أو الخارج، وتكفى الإشارة إلى حوادث قتل المواطنين السود فى بعض المدن الأمريكية على يد رجال الشرطة (البيض) فى الأعوام الأخيرة، وأشهرها مقتل الشاب الأسود جورج فلويد فى مايو الماضى، حيث أظهر مقطع فيديو أحد أفراد الشرطة البيض وهو يضغط بركبتيه على عنقه حتى اختنق ومات.

وليس هذا فحسب بل شهد العالم بأثره كيف قوبلت المظاهرات على مقتل فلويد بالقمع والغاز المسيل للدموع والضرب والسحل من قبل الشرطة الأمريكية.

وبحسب التقرير الذى ستصدره الصين قريبا عن انتهاكات حقوق الإنسان فى الولايات المتحدة فى عام 2020، ونشرت وكالة «شينخوا» الصينية نقلا عن المكتب الإعلامى لمجلس الدولة الصينى أجزاء منه، فإن الأقليات العرقية فى الولايات المتحدة عانت من تمييز عنصرى منهجى.

وكان الأمريكيون من أصل إفريقى أكثر عرضة للإصابة بكورونا بثلاثة أضعاف من البيض، وتضاعف احتمال الوفاة لديهم بسبب المرض، بينما تضاعف احتمال تعرضهم للقتل على يد الشرطة ثلاث مرات عن البيض، وفقا للتقرير. وكان واحد من كل أربعة شباب من أصل آسيوى هدفاً للتنمر العنصرى.

ويشير التقرير إلى أن تجارة السلاح وحوادث إطلاق النار سجلت رقما قياسيا فى الولايات المتحدة حيث قتل أكثر من 41500 شخص فى حوادث إطلاق نار فى جميع أنحاء الولايات المتحدة فى عام 2020، بمتوسط أكثر من
110 حالات فى اليوم، وكان هناك 592 حادث إطلاق نار جماعى على مستوى البلاد، بمتوسط يزيد عن 1.6 حادث فى اليوم.

ويلفت التقرير الانتباه إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء فى أمريكا حيث يعيش السكان الذين فى قاع المجتمع، فى حالة بائسة.

ملايين الجوعى

ووفقا لصحيفة «يو إس إيه توداى»، تعد الولايات المتحدة حاليا الدولة المتقدمة الوحيدة التى تضم ملايين الجوعى، حيث إن هناك 39.7 مليون شخص يعانون الفقر فى الولايات المتحدة، وفقا لأرقام صادرة عن مكتب التعداد الأمريكى عام ٢٠٢٠.

أما فى الخارج فقد أنفقت الولايات المتحدة 6.4 تريليون دولار أمريكى على الحروب التى شنتها منذ عام 2001، والتى أسفرت عن سقوط أكثر من 800 ألف قتيل وخلفت عشرات الملايين من النازحين.

وقبل فترة أصدرت الجامعة الأمريكية ومشـــــروع تكاليف الحرب فى جامعة بـــراون تقريرا عن أعــداد المواطنين فى العالم الذين شردتهم أمريكا من بيوتهم بعد هجمات
11 سبتمبر والحروب التى شنتها أمريكا. يذكر التقرير أن هجمات أمريكا منذ ذلك الوقت أدت إلى تشريد نحو 59 مليون شخص من بيوتهم بكل المآسى الرهيبة التى ارتبطت بذلك. وذكر أن هذا التشريد لم يحدث فى أفغانستان والعراق وسوريا فقط، وإنما حدث فى 21 دولة أخرى من دول العالم.

همجية جوانتانامو

علاوة على معتقل جوانتانامو، الذى وصفته منظمة العفو الدولية بأنه يمثل همجية هذا العصر وهو معتقل يقع فى خليج جوانتانامو ويعتبر سلطة مطلقة لوجوده خارج الحدود الأمريكية، ولا ينطبق عليه أى من قوانين حقوق الإنسان، ما أدى إلى احتجاج بعـــــــــض المنظمــــات الحقـــوقية الــــــدولية والمطـــــالبة بـــإغــلاق المعتقل بشكل تام.

الحقوق الضائعة

أما كندا، الجارة الشمالية للولايات المتحدة الأمريكية، فلها تاريخ أسود فى انتهاك حقوق الإنسان فما زالت بعض المقاطعات فى كندا حتى اليوم تسمح باستخدام المدارس المفصولة دينياً، وهو ما يمثل تمييزاً دينياً منافياً لحقوق الإنسان.

كما أن السكان الأصليين فى كندا ما زالوا يعانون من التمييز ضدهم، رغم تعهدات المهاجرين الذين استولوا على الأرض والثروة بالحفاظ على حقوق السكان الأصليين.؟

نيوزيلندا والماوريون

وعلى نحو مشابه، تواجه نيوزيلندا انتقادات بسبب الإخفاق فى معالجة ارتفاع معدل حالات تكرار ارتكاب الأفعال الإجرامية بين السكان الماوريين الأصليين، حيث أشارت تقارير منظمة العفو الدولية إلى وجود زيادة غير مُتناسبة فى أعداد الأفراد الماوريين فى جميع مراكز الاحتجاز، وكذلك ارتفاع مُعدل استخدام الحبس الانفرادى المطوَّل، والممارسات المهينة فى أماكن الاحتجاز.

وبالنسبة للعدالة الدولية، فقد رفضت السلطات فى نيوزيلندا إجراء تحقيق مستقل بشأن الادعاءات القائلة بأن قوات الدفاع النيوزيلندية قد ارتكبت جرائم منصوص عليها فى القانون الدولى، وذلك أثناء إحدى الغارات فى أفغانستان، مما أسفر عن وفاة مدنيين هناك.

اعتقال الأطفال «الأصليين»

فى استراليا تحدثت تقارير منظمة العفو الدولية عن استمرار نظام العدالة فى خذلان السكان الأصليين، ولا سيما الأطفال، مع معدلات السجن المرتفعة، وورود أنباء عن سوء المعاملة، ووقوع حالات وفاة داخل الحجز.

وأشارت المنظمة فى تقاريرها إلى وقوع انتهاكات بحق المعتقلين داخل مراكز الاحتجاز، تضمنت الحبس الانفرادى للمعتقلين، واستخدام الكلاب لتخويفهم؛ وكذلك وتعرُض الأطفال الذين قد يُلحقون الأذى بأنفسهم للتخدير أو تقييد أقدامهم.

الأمن الأوروبي

الوضع فى الكثير من الدول الأوروبية بالنسبة للتعامل مع اللاجئين لا يختلف كثيرا عما يحدث فى استراليا، وسبق أن أدانت الكثير من المنظمات غير الحكومية فى أوروبا الانتهاكات التى ترتكبها بعض دول أوروبا مع اللاجئين على حدودها، والتى تتنافى مع حقوق الإنسان.

أصدرت شبكة منظمات أوروبية غير حكومية بمناسبة اليوم العالمى للمهاجرين تقريرا أدان ما يتعرض له اللاجئون على حدود الاتحاد الأوروبى من إعادة قسرية غير قانونية وممارسات عنف شملت تعرضهم للضرب أو السرقة أو إتلاف متعلقاتهم الشخصية، إضافة إلى مهاجمتهم بالكلاب والصعق بالكهرباء.

قانون مكافحة الإرهاب

قامت فرنسا باستبدال ما يُسمى بـ “حالة الطوارئ” بقانون أمني جديد وهو “قانون مكافحة الإرهاب” فى عام 2017 حيث يسمح هذا القانون للشرطة بأن تقوم بتفتيش الممتلكات والتنصت الإلكتروني وإغلاق المساجد.. إلخ، مما جعل بعض المنظمات الحقوقية تقول أن “فرنسا أصبحت تدمن حالة الطوارئ لدرجة أنها تدخل العديد من هذه الإجراءات التعسفية فى القانون العادي”، كما قال مرصد حقوق الإنسان فى فرنسا أنه “يخشى انتهاك حقوق المسلمين”.

ونتيجة للإفراط فى استخدام العنف ضد المتظاهرين فقد ما لا يقل عن 25 متظاهراً إحدى أعينهم، وفقد خمسة متظاهرين يداً.

كما نتج عن الممارسات القمعية من قبل الشرطة الفرنسية ضد المتظاهرين أن أصيب الآلاف من المحتجين، وتعرض مراقبو حقوق الإنسان، والصحفيون المستقلون، والنشطاء للإصابة والمضايقات والتهديد بالاعتقال من جانب الشرطة، وغير ذلك من الانتهاكات.

إيقاف الالاف اللاجئين

فى العام الماضي 2019م قامت السلطات الفرنسية بإيقاف آلاف المهاجرين واللاجئين إليها من بينهم أطفال غير مصحوبين بذويهم، وتم إبعادهم إلى إيطاليا وأسبانيا.

تحقيق معمق

وطالبت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشيليت السلطات الفرنسية بإجراء “تحقيق معمق” حول “الاستخدام المفرط للقوة” من قبل قوات الأمن فى مواجهة متظاهري “السترات الصفراء”.

ويذكر أن إدارة التفتيش العامة للشرطة الوطنية قد تلقت نحو 100 اتهام بأعمال عنف قامت بها الشرطة خلال مظاهرات “السترات الصفراء”.

اترك تعليق