من حرق مكتبة الإسكندرية القديمة؟

من حرق مكتبة الإسكندرية القديمة؟د. حسين عبد البصير

الرأى16-5-2022 | 13:10

د. حسين عبد البصير

سؤال يسأله الكثيرون سواء في مصر أو في خارجها. ومن المعروف تاريخيًا أن مكتبة الإسكندرية القديمة كانت درة التاج في مصر البطلمية، والعالمين اليوناني والروماني، وحوض البحر المتوسط. وكانت قبلة العالم العلمية والفنية والثقافية لفترة زمنية طويلة وحتى زوالها من الوجود. وكانت باعثة النهضة الثقافية والإشعاع الحضاري الملهم في العالم القديم كله.

وكانت هناك مكتبتان: المكتبة الكبرى، والتي تعد مكتبة الإسكندرية الجديدة أو الحديثة الحالية امتدادًا لها، والتي أُعيد إحياؤها وافتتاحها في يوم 16 من شهر أكتوبر من عام 2002 الميلادي، وها نحن نقترب من الاحتفال بمرور الذكرى العشرين على افتتاحها في هذا العام 2022 الميلادي.

وكانت هناك المكتبة الصغري، ملحقة بمعبد السيرابيوم الشهير في الحي المصري في نفس موقع عمود السواري الحالي جنوب مدينة الإسكندرية.


لقد كان زوال مكتبة الإسكندرية الكبرى المفاجئ والنهائي من الوجود مثيرًا للدهشة والكثير من الأسئلة عن سببه وعن هوية من قام به، وكذلك كان الأمر بالنسبة للمكتبة الصغرى.


هل حرق العرب مكتبة الإسكندرية؟


يشيع البعض أن العرب هم من قاموا بحرق مكتبة الإسكندرية. وقال البعض إن القائد العربي الشهير عمرو بن العاص، قائد الجيش العربي الفاتح لمصر، هو الذي قام بحرق المكتبة الكبرى، وهدمها؛ بناءً على تعليمات صدرت له من خليفة المؤمنين عمر بن الخطاب، عندما قام بفتح مدينة الإسكندرية. وانتشرت تلك الإدعاءات الكاذبة كالنار في الهشيم، على الرغم من وجود العديد من الأدلة التي تنفي ذلك عن العرب، والذين احترموا مصر وآثارها وكنوزها ومقدساتها، وعاملوا المصريين معاملة أفضل من الروم البيزنطيين؛ ولذلك رحب أهل مصر بالفتح العربي لبلادهم؛ بسبب انقاذ العرب لهم من الظلم الروماني الذي تعرضوا له. وجاءت روايات حرق العرب ل مكتبة الإسكندرية من اختراع أسقف مسيحي شرقي هو أبو الفرجيوس، أو أبو الفرج، والذي ادعى تلك الأكاذيب في تاريخ لاحق، في القرن الثالث عشر الميلادي، أي بعد مرور حوالي ست قرون على فتح العرب لمصر. وتلقفت أوروبا تلك الأكاذيب في القرن السابع عشر الميلادي، وروجت لها بشدة على يد الكاهن والمستشرق الإنجيلي بوكوك.


ومن المعروف تاريخيًا أن مكتبة الإسكندرية الكبرى قد حُرقت في أثناء الحروب التي دارت في الإسكندرية بسبب المناورة الحربية التي قام بها القائد الروماني الأشهر يوليوس قيصر في نهاية القرن الأول قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وتحديدًا في حدود العام 48 قبل الميلاد. وقد زالت المكتبة الصغرى مع زوال السيرابيوم في القرن الرابع الميلادي؛ بسبب ما قام به الأسقف تيوفيلو وأتباعه من الرهبان.


إذًا؛ فالحقيقة هي أن يوليوس قيصر هو من قام بحرق المكتبة الكبرى، وأن من هدم المكتبة الصغرى هو تيوفيلو. وقام أبو الفرج باتهام العرب ونسج تلك الأكاذيب المتأخرة في ذلك الشأن، وجاء بوكوك، ونشر تلك الأكاذيب ضد العرب. واستمرت تلك الأكاذيب فترة زمنية طويلة، لمدة حوالي ألف وسبعمائة عام، منذ زمن يوليوس قيصر في القرن الأول قبل الميلادي إلى زمن بوكوك في القرن السابع عشر الميلادي حين ظهرت الحقيقة، وتبين للجميع أن العرب أبرياء من حريق وهدم مكتبة الإسكندرية الكبرى والصغرى براءة الذئب من دم سيدنا يوسف ابن سيدنا يعقوب عليهما السلام.


وفي النهاية، أؤكد أن العرب لم يهدموا أو يحرقوا لا المكتبة الكبرى ولا المكتبة الصغرى؛ وذلك بسبب أن حرق وهدم المكتبتين قد حدث قبل وصولهم إلى الإسكندرية بقرون عديدة؛ أي قبل وصولهم إلى الإسكندرية في القرن السابع الميلادي.
إذًا، لم يحرق العرب مكتبة الإسكندرية.

أضف تعليق