الشرارات الإيطالية«2»

الشرارات الإيطالية«2»الدكتور تامر جمال الدين

الرأى19-7-2022 | 13:55

د. تامر جمال الدين

كانت لوتشينا زوجة العالم الشهير جالفاني هي من اكتشفت وجود الكهرباء فى جسد الضفدع مع زوجها.. كانت تحب العلوم منذ نعومة أظفارها، ربما لأنها كانت ترى أباها يعمل فى هذا المجال.. عندما تقدم لها لويجي جالفاني ليخطبها وافقت على الفور، ربما لأنها رأت فيه الزوج المناسب وأيضا العالِم المناسب الذي سيوفر لها الجو العلمي الذي طالما عاشت فيه فى بيت أبيها.. كانت إلى جانب شغفها بالعلم تتحدث ثلاث لغات بطلاقة، الإيطالية والفرنسية والألمانية.

على الناحية الأخرى ولد جالفاني فى مدينة بولونيا الإيطالية فى عام 1737م. كان يحب دراسة علم اللاهوت فى صغره، بل وصل به الأمر أن تمنى أن يلتحق بالكنيسة ويرتقي فى سلم الرهبنة حتى يصبح راهبا، إلى جانب ذلك كان يحب دراسة العلوم الطبيعية ولكن ليس للدرجة التي تمنى معها أن يصبح عالما، ضغط عليه والده حتى يدرس الطب، قاوم فى البداية ولكنه رضخ فى النهاية و درس الطب والفلسفة معا.. بعد التخرج آثر جالفاني الطب والعلوم على الفلسفة واللاهوت، قام بعمل دراسات عُليا فى مجال العظام مما أهله للتعيين بوظيفة مدرس فى جامعة بولونيا العريقة، أحد منارات العلم والمعرفة فى أوروبا فى ذلك الوقت.

تحول اهتمامه من العظام إلى علم التشريح المقارن وهو التخصص الذي أحبه وقرر أن يروي به شغفه للعلم. كان يقارن بين عضو معين فى كائنات حية مختلفة، ما هي أوجه التشابه والاختلاف، ولماذا يكبر أو يصغر نفس العضو مع اختلاف الكائن الحي، كانت هذه الاختلافات فى الشكل والبنية ما بين الأعضاء المتشابهة فى الكائنات الحية المختلفة هو ما دفعه لمحاولة فهم وظيفة كل عضو بل وكل نسيج مختلف، وهو ما يسمى دراسة علم وظائف الأعضاء أو الفيسيولوجي. تلاقى ذلك مع حب زوجته لفهم العلاقة ما بين الفيزياء والأحياء. كان كلاهما شغوفا بدراسة تأثير الكهرباء التي أصبح من السهل تخزينها الآن على شكل كهرباء استاتيكية، أي ساكنة، وذلك بفضل جهاز لايدن نسبة إلى المدينة الهولندية الشهيرة، كان هذا الجهاز يقوم بتخزين الشحنات الكهربية حتى يتم توصيله بالموصل ويطلق هذه الشحنات المخزنة إلى الموصل، كان هو يريد أن يعرف تأثير الكهرباء على جسم الكائن الحي بينما كانت هي مولعة بفكرة وجود كهرباء فى داخل جسد الكائنات الحية تستخدمها فى تواصل أجزاء الجسد، أصبح الضفدع منذ عام 1770 ميلادية النموذج التشريحي المفضل لديهما معا، كانت التجربة عبارة عن تشريح ساقي الضفدع حتى يصلا إلى الأعصاب القطنية بعد ذلك كانا يدخلان سلكًا إلى النخاع الشوكي ثم يتم توصيل هذا السلك بجهاز لايدن الذي يحتوي على الشحنات الكهربائية الساكنة المخزنة، كان يقومان بتلك التجربة كل يوم ولم يجدوا هناك أي تأثير على قدمي الضفدع! على غير العادة قررت زوجته لوتشينا أن تلمس أحد أعصاب القطنية باستخدام المشرط المعدني فحدثت المفاجأة. تحركت ساقي الضفدع وكأنها عادت إلى الحياة بعد الموت.

فزعت لوتشينا من حركة الضفدع بينما ظل جالفاني مكانه وكأن الشلل قد أصابه.. هل أحيت الكهرباء الضفدع الميت! أم أن هناك شيئا ما فى المشرط الذي استخدمته لوتشينا هو الذي أثر على العصب القطني فجعله يثار؟.. ولكن كيف يتحرك الضفدع وهو ميت! ولماذا حدث هذا التأثير هذه المرة فقط؟.. كانت تلك بعض الأسئلة التي كانت تدور فى عقليهما فى ذلك الوقت، لم يدركا إلا بعد حين أنه بلمسة المشرط هذه قد أغلقا الدائرة الكهربائية التي بدأت من السلك الواصل بين جهاز لايدن وحتى الحبل الشوكي، كانت الشحنات الكهربية تمر فى ذلك السلك حتى تصل إلى أعتاب الحبل الشوكي ثم تقف، ومن خلال لوتشينا وجدت الشحنات طريقها للتفريغ، كان الأمر أشبه بتيار الهواء الذي ينتج عندما نقوم بفتح نافذتين فى اتجاهين مختلفين بنفس الغرفة.. حدث هذا الاكتشاف فى عام 1786 ولكن لم يعلن عنه جالفاني إلا فى عام 1791، كان يريد أن يجري مزيدًا من الأبحاث والتجارب حتى يتأكد من النتيجة التي حصل عليها فى أول تجربة.

فى إحدى التجارب أوصل أحد أعصاب ساق الضفدع بسلك ينتهي طرفه بمفتاح معدنى معلق فى طائرة ورقية فى يوم مليء بالعواصف الرعدية، كان الهدف هو أن يلتقط المفتاح المعدني الشحنات الكهربائية القادمة من الصواعق فتسري فى السلك المتصل بعصب الضفدع، بالفعل انتفضت عضلات الساق بمجرد وصول الشحنات الكهربائية إليها من الصاعقة الكهربية، كانت هذه الفكرة مستمدة من تجربة أجراها قبلهم العالم الأمريكي بينجامين فرانكلن والتي كان يجريها لمحاولة اكتشاف طبيعة الكهرباء، أعلن جالفاني عن اكتشافهم فى ورقة بحثية نشرات بعنوان «حول شرح وتفسير تأثير الكهرباء على حركة العضلات»، كانت لوتشينا هي من راجعت هذه الورقة البحثية التي ستغير فهم العالم كله لماهية الكهرباء المحركة لأجساد الكائنات الحية، ذكر جالفاني فى هذه المقالة أن الأنسجة الحيوانية تحتوي على مادة مجهولة تتسبب فى حدوث قوة ميكانيكية تحرك العضلات وقام بتسميتها بالكهرباء الحيوانية، اعتبر جالفاني هذه الكهرباء نوعًا مماثلاً للكهرباء التي ينتجها ثعبان البحر الكهربي والتي كان يستخدمها المصريون القدماء واليونانيون فى علاج الأمراض، كما ذكرنا، كما اعتبرها أيضا شبيهة بالكهرباء التي تنتجها الصواعق.. تصور جالفاني أن مصدر هذه الكهرباء هو المخ الذي يقوم بإنتاج هذا السائل الكهربائي فى تواصل المخ من خلاله مع باقي أعضاء الجسم، بمجرد نشر هذه الورقة البحثية، اعترض العالم الفيزيائى الشهير فولتا على ما جاء فيها معتبرًا أن مصدر الكهرباء التي يتحدث عنها جالفاني هو استخدام جالفاني وزوجته لمشرط مصنوع من مادة مختلفة عن السلك المتصل بالحبل الشوكي وبالتالي هو سبب سريان التيار الكهربائي، كان فولتا قد انتهى للتو من عمل بطارية استخدم مصفوفة مصنوعة من معادن مختلفة وبالتالي كان يعرف أن اتصال معدنين مختلفين ببعضهما يمكن أن يسبب تيارًا كهربائيًا، رد عليه جالفاني بعمل تجربة جديدة باستخدام سلك ومشرط من نفس المادة المعدنية، وبالفعل حدث نفس الشيء مع السلك والمشرط اللذين من نفس المادة المعدنية.. مع ذلك لم يتوقف فولتا عن انتقاد تجربة جالفاني مؤكدًا أن مصدر الكهرباء خارجيًا وليس داخليًا، كان فولتا مشهورًا فى أوروبا كلها بمكانته العلمية المرموقة فى حين كان جالفاني محدود الشهرة.

لم ييأس جالفاني، بل استمر فى تجاربه العديدة والمختلفة يؤكد أن مصدر هذه الكهرباء القادرة على تحريك العضلات مصدر داخلي وليس خارجيًا ولم يكن تأثير الشحنات الساكنة التي استخدمها فى تجربته الأولى إلا الإثارة فقط.

أضف تعليق

«المركزي» في مواجهة التحديات

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة