«بحبَك».. ميلودراما ساذجة من إبداع تامر حسني !

«بحبَك».. ميلودراما ساذجة من إبداع تامر حسني !محمود عبد الشكور

الرأى19-7-2022 | 14:43

محمود عبد الشكور

من المفهوم طبعًا أن نجم الفيلم تضخم دوره كثيرًا في السنوات الماضية، فهو الذي يباع الفيلم باسمه، وهو الذي يجذب اسمه الجمهور والمعجبين والمعجبات، بل لقد أصبحنا أمام اعتراف صريح، ينسب أي فيلم إلى بطله، أو بطلته في بعض الحالات الاستثنائية .

كل ذلك معروف، وأصبح في حكم البداهة، لكن ما ليس مفهومًا أن يقوم بطل الفيلم، تحت عنوان نجوميته، بكتابة الفيلم مباشرة، بدلا من التدخل في التعديلات والإضافات، بل إن تامر حسني، نجم الغناء والسينما، قرر في فيلمه الأحدث "بحبك" (بفتح الباء طبعا إذ إنه في الفيلم موضع صراع ومحبة بطلتيه)، بتأليف الفيلم، وإخراجه، ووضع الموسيقى التصويرية له، دون أن نجد أمارة واحدة على إجادة هذه العناصر، أو تقديمها في حدها الأدنى.


نلمس أيضًا بصمات تامر الإبداعية على مونتاج الفيلم، وإن لم يذكر ذلك، حيث يعاني المونتاج اضطرابا واضحا في الإيقاع، وفي البناء رغم وجود اثنين من المونتيرين .

لا شيء يبرر هذه السيطرة الصريحة، التي نعرف أن النجوم كانوا يمارسونها منذ سنوات بشكل مستتر، سوى تضخم دور بطل الفيلم على حساب العناصر الأخرى، ودون أن يراجعه منتج، ودون أن نفترض أن أحدًا قد قرأ أو ناقش أو راجع، فالأستاذ البطل "سيشيل" الحكاية، وهو الذي يبدع ويفن ويؤلف ويلحن ويخرج ويغني ويرقص ويمثل، وبالنجاح إن شاء الله، وعيد سعيد، وكل عام وأنتم يخير.


هذا هو الإطار الذي ظ هر فيه فيلم "بحبك" فى صورته الميلودرامية الساذجة، التي كتبها ومثلها وأخرجها وكتب لها تامر الموسيقى التصويرية، وهذه هي العودة إلى الوراء، وإلى فجر السينما، بصورة أكثر ركاكة، بل أظن أنهم سيفكرون كثيرا فى زمن الأبيض والأسود، قبل أن يقدموا عملاً كهذا، دون وجود مشاركة من أسطوات الكتابة، وأساتذة الإخراج.


كانت مشاركة الاسطوات ستخفف كثيرًا من قصص بسيطة يكتبها بطل الفيلم ونجمه، ولذلك احتفظت أفلام زمان ببعض التميز، ونتذكر منها حتى بعض الجمل الحوارية، وحتى ميلودراما حسن الإمام، وعز الدين


ذو الفقار، كانت أكثر براعة وإتقانا، وكانت حافلة بالمواهب، وبالأغنيات الرائعة، مثلما شاهدنا فى "الخطايا" وفى "الشموع السوداء"، والفيلمين ما زالا الأفضل فى عالم الميلودراما المصرية والعربية، رغم أنهما من إنتاج الستينيات من القرن العشرين.


الميلودراما نوع سينمائي يعتمد على التأثير العاطفي، والإغراق فى الإنتقالات والتحولات المفاجئة، والإستخدام الكثيف والصاخب للموسيقى التصويرية، واللعب على المصادفات والقفزات غير المنطقية، وهذه الأفلام لا تخلو من عنصر كوميدي لبعض التخفيف من التأثير المؤلم وغير المبرر للأحداث.


في فيلم "بحبك"، كما أبدعه تامر، جزء أول لا يمكن وصفه حتى بالكوميديا، إذ إنه أقرب إلى هزار تامر، وإيفيهاته، بعضها ظريف، وبعضها ثقيل، لكن عالم الحكاية محدود منذ البداية، ولا تزيد شخصياته على (تامر حسني)، صاحب معرض السيارات الشاب والثري، وقريبه القادم من الريف حسين (حمدي الميرغني)، وصديقه خبير التغذية علاء (مدحت تيخة)، وعلى الجانب الآخر الفتاة الجميلة حبيبة (هنا الزاهد) وصديقتيها، لا يهم ماذا تعمل حبيبة، المهم أنه ستعجب طبعا ب علي، الذي لا يترك فرصة دون أن يسخر منها، ودون أن يتشاكس معها فى قسم الشرطة، ورغم أنها تبدو غيورة بطريقة أقرب إلى الجنون، ورغم أنها تقتحم عليه معرض السيارات، وتضرب زبونة ضربا مبرحا، إلا أنه يقرر خطبتها فى المشهد التالي مباشرة، ودون أن نعرف كيف سيسيطر على غيرتها!!


فجأة يتحول مسار الأحداث، ودون أي مقدمات، بظهور ياسمين (هدى المفتي) فتاة علي السابقة، والتي كانت ستتزوجه منذ عامين، وتحكي له ولنا قصة ميلودرامية غريبة، فقد أخفت عليه أنها أصيبت بورم فى المخ، ويوم زفافها إلى علي قررت أن تتركه وتضحي من أجله، حتى


لا يتحمل مأساتها، وقد صدم علي بالطبع بسبب ذلك، لكنها عادت الآن لتزف إليه بشرى إجرائها لعملية ناجحة، وهي تريد العودة إلى عريسها القديم الذي يتعاطف معها، ويبدأ صراعا طوال بقية أحداث الفيلم، بين حبه لعروسه الجديدة حبيبة، وبين حبه القديم وواجبه تجاه استكمال شفاء عروسه القديمة الهاربة والعائدة ياسمين هانم.


بين هزار علي فى الجزء الأول، وحيرته وبكائيات الجزء الثاني، نعيش مواقف ركيكة ومضطربة، وحوارات طويلة، وانتقالات مفتعلة بين حجرات مغلقة، ودموع علي ودموع حبيبة، ودموع ياسمين، وموسيقى تصويرية صاخبة، تكاد تواكب كل مشهد، وكانت الموسيقى فى مواقف الفيلم المرحة الأولى تشبه موسيقى أفلام ميكي ماوس.


أما المخرج تامر حسني فهو ينقض بالكاميرا على وجوه الجميع، فى جمل الحوار المهمة، ويقوم أحيانا بإمالة الكادر، بلمسات تعبيريـــة خاصــــــة، وأغنياتــه القصيرة تعلّق أحيانا على المواقف، فيكتظ شريط الصوت بضجيج هائل.
المعجزات تحصل طوال الوقت، سواء فى شفاء ياسمين، أو فى أن يتحول علي نفسه إلى دواء لسرعة شفائها، لكن يظل علي حائرا بين امرأتين تحبانه، يزعم أنه يواجه مشكلته بصراحة يحسد عليها، بينما ينسى أن أنكر وجود امرأة فى حياته، عندما سألته ياسمين عن ذلك بعد عودتها.
ظهور ياسمين أصلاً جاء بدون تمهيد، من باب تشويق المتفرج فى السيناريو "المحكم"، وإن كان تامر قد تكرم بمعلومة عابرة، وهي أن علي يتعاطى دواءً لكي ينام، وسنعرف فيما بعد أن الدواء بسبب صدمة ترك ياسمين له يوم الزفاف.
لا تشغل بالك بالتفاصيل كلها أدوية وكلها صدمات، والغريب أن ظهور ياسمين وصدمة عودتها من جديد، كانا جديران بأن ينقلا علي إلى المستشفى، لكن من الواضح أن علي المهزار خفيف الظل، معشوق كل البنات، الثري،
"أبو دقن حلوة"، والعبارة الأخيرة تغازله بها حبيبة، يمتلك حقا قدرة كبيرة على مواجهة الصدمات، فالأدوية لم تمنعه أن يحب، وعقدة ياسمين لم تؤثر على إعجابه بحبيبة بل إن غيرة الأخيرة لم تؤثر على قراره بالزواج منها.
علي الذي يجد بدلا من الأنثى اثنتين تحبانه، سيرفض أن يتزوج حبيبة وياسمين معًا، كأوبشن متاح، يخلصه، ويخلصنا معه من الفيلم، وعلي أيضا سيتحفنا بمجموعة من الحكم والعبارات المدهشة من نوع "كل حاجة ممكن نتعلمها من الحياة إلا القسوة نتعلمها من البشر"، وكأن هؤلاء البشر ليسوا جزءا من الحياة أيضا، ومثل الحكمة الأخيرة العميقة، والتي تقول إن "حبيب العمر ليس هو الذي تعرفه أول العمر لكنه الحبيب الذي يبقى معك طول العمر"، وهي عبارة تنطبق فى الحقيقة على كل السلع المعمرة فى حياتنا البائسة، من الثلاجة والبوتاجاز إلى السيارات الفاخرة التي ظهرت فى الفيلم.


تامر كما كتبت أكثر من مرة، موهوب، ويقدم المشاهد المرحة بحضور جيد، ورغم أنني لست من المعجبين بمعظم أغنياته إلا أن شعبيته كبيرة وله معجبون ومعجبات وألتراس، فلماذا لا يركز على الكوميديا الخفيفة المرحة؟! وهل من الذكاء أن تفعل كل شيء وتجرب ألوانا غريبة دون إجادة للكتابة أو للموسيقى التصويرية أو للإخراج؟!


كثير فعلاً ما شاهدناه فى فيلم "بحبك" بركاكته وسذاجته، وربنا يستر فى التجارب القادمة، فى زمن النجوم، الذين يسلمون لهم الأفلام بممثليها "تسليم مفتاح".

أضف تعليق

«المركزي» في مواجهة التحديات

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين

الاكثر قراءة