الألغام وحقوق الإنسان واجترار الماضي

أعلى فنون الحرب هو عدم القتال على الإطلاق، بل هو تخريب أى شيء ذى قيمة فى دولة عدوك، هكذا تحدّث توماس شومان، عميل المخابرات السوفيتية السابق، فى محاضرة بعنوان «كيف تدمر دولة دون طلقة واحدة؟!» إنها عملية مُمنهجة من أجل أن يتم تدمير المجتمعات ذاتيًا من الداخل.

ويقول العميل السرى السوفييتي، يورى بيزمينوف، إنّ زمن الحروب العسكرية لإخضاع الدول، قد انتهى كأولوية.

إنها معارك من نوع جديد تنوعت واختلفت أدواتها لخلق حالة من الفوضى المدمرة.

أحداث متلاحقة وحالة مستعرة تقودها قوى الشر من جديد لاستهداف المنطقة مرة أخرى؛ الأمر لا يأتى من نظرة تشاؤمية لدي؛ لكنه توصيف حالة تقوم بها قوى الشر لإتمام عملية اجترار الماضى بكل سيناريوهاته، وكأنه يعيد أحداثًا مضى عليها أكثر من عقد ونصف؛ حالة من تعليب العقول تتحرك بمنهجية تقترب من سابقتها مع تعديل فى بعض الوجوه، للعبث فى أمن واستقرار الدول؛ وقد حذرت من قبل من ذلك الخطر ولا أزال.

حالة من التسطيح والتسفيه من حجم ما أنجزته الشعوب ونجحت فيه الدول، مع إعادة مرة أخرى للملف اللغم «حقوق الإنسان» للصعود به إلى صدارة المشهد.

فأوراق حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات، ذلك الثالوث الذى سرعان ما تلوّح به قوى الشر، أو تستخدمه بعض الدول للتدخل فى الشئون الداخلية لدول أخرى.

لكن ما لا تدركه قوى الشر وأتباعها أنها عندما فشلت فى المرة السابقة فى تنفيذ مخطط الفوضى، كان أحد الأسباب المهمة لذلك أنها لم تدرك التركيبة الحقيقية للمجتمعات، ولم تعِ الدرس جيدًا، بل زاد الطين بلة أنها تواصل استقاء معلوماتها وبياناتها من نفس المصادر المضللة لها والتى أوقعتها فى السابق ( الجماعة الإرهابية والمنظمات).

(1)

ففى الوقت الذى تتحدث واشنطن فيه عن ملف الحريات و حقوق الإنسان وتحاول به معاقبة بعض الدول، تغدق على دول أخرى بالمساعدات مثل إسرائيل رغم إدانة الأمم المتحدة لها لما تمارسه من إرهاب وتقييد للحريات وقتل واعتداء على حقوق الشعب الفلسطيني.

وهو ما أعلنته الإدارة الأمريكية نهاية الأسبوع الماضي، عن تقليص حجم المساعدات من 300 مليون دولار إلى 170 مليون دولار وحجب 130 مليون دولار بزعم مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.

إنها محاولة اجترار لمخطط سابق كانت إدارة الرئيس باراك أوباما تحاول به تركيع الدول ولم تفلح، كما يبدو أن إدارة الرئيس بايدن لم تدرك الاختلاف الكبير بين المرحلة السابقة قبل أكثر من 11 عامًا وبين الآن.

فملف حقوق الإنسان الذى كانت تحاول واشنطن وغيرها من قوى الشر اللعب به فى السابق، أظن أنه لم يعد ورقة رابحة فى مواجهة الدولة المصرية التى نجحت خلال أكثر من 8 سنوات فى أن تحقق المفهوم الحقيقى ل حقوق الإنسان وفق الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، بدءًا من تحقيق جودة الحياة للأسر التى كانت تقطن العشوائيات، ومرورًا بملف الصحة والمبادرات التى كانت على رأسها 100 مليون صحة ومبادرة القضاء على فيروس سى والتى تعتبرها منظمة الصحة العالمية المبادرة النموذج، ومبادرة القضاء على قوائم الانتظار، ومبادرة حياة كريمة التى تعد الأكبر على مستوى العالم، ومشروعات تطوير البنية التحتية، والتعليم، والطرق وغيرها من المشروعات القومية، وانتهاءً بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وما حدث من تطور كبير فى الحريات وحقوق الإنسان، ولجنة العفو الرئاسى والإفراج عن السجناء، والحوار الوطنى الذى يدلل على أن الدولة المصرية ليس لديها «بطحة».

فهى دولة قوية استعادت عافيتها بعد محاولات تحويلها إلى أكبر ميادين الفوضى فى المنطقة، وحرصت على تحقيق جودة الحياة لمواطنيها رغم التحديات الكبيرة التى واجهتها خاصة فى ظل الأحداث العالمية خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

بل إن الدولة المصرية خاضت أكبر مواجهة مع الإرهاب واستطاعت أن تنتصر فيها لصالح الدولة الوطنية، وتحقق الأمن والاستقرار.

فى الوقت ذاته قامت الإدارة الأمريكية بتقديم دعم إضافى لإسرائيل، وكأنها تكافئها على الاعتداءات المتواصلة لجيش الاحتلال ضد الفلسطينيين وعمليات الاستيطان على حساب الأراضى الفلسطينية، والاعتداء على قطاع غزة وقتل المدنيين وتدمير منازلهم والاعتقالات المتواصلة للشباب الفلسطينى ومحاولات تهويد القدس، وغيرها من الانتهاكات الصارخة ل حقوق الإنسان بشهادة الأمم المتحدة، لتكون المكافأة الأمريكية 3.8 مليار دولار إضافية دعمًا لإسرائيل.

إنها الازدواجية الأمريكية، التى لم تتغير مع تغير الإدارات، والمحاولات المستمرة للبحث عن إحدى أدوات الضغط على الدولة؛ لكن هيهات أن يحدث ذلك ف الدولة المصرية الآن ورغم الأزمات الاقتصادية التى ضربت العالم وكان لها بالتأكيد تأثير على مصر، إلا أنها دولة قوية قادرة على الصمود فى مواجهة التحديات.

لقد أخطأت الإدارة الأمريكية الطريق من جديد، عندما ظنت أنها بما اتخذته من قرار بشأن حجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية بعد استماعها لأكاذيب الجماعة الإرهابية وعودة الإرهاصات لدى بعض عناصر الإدارة الأمريكية بشأن إعادة تشكيل المنطقة من جديد، وكأن الولايات المتحدة لم تستوعب الدرس بعد.

(2)

لقد ذكّرنى حديث وزير الخارجية الأمريكى «بلينكن» فى أمر حقوق الإنسان فى مصر، باعتباره أحد الألغام، بذلك الذى يرى الحقيقة ثم يدّعى العمى.

ففى الوقت الذى تتحدث فيه واشنطن عن حقوق الإنسان، تناست تمامًا ما نجحت فيه الدولة المصرية من تحويل «حدائق الشيطان» التى راح ضحيتها أكثر من 8323 شخصًا بسبب الألغام التى زرعتها قوات الحلفاء فى مواجهة قوات دول المحور قبل 80 عامًا فى صحراء العلمين، بعد أن زرعت 17.5 مليون لغم فى 22% من مساحة مصر، ظلت لفترة تحصد الأرواح، وحرصت الدولة المصرية بما لديها من إمكانيات على مواصلة تطهير تلك الأرض من الألغام رغم التكلفة الباهظة والتى تتحملها مصر، رغم أن مؤتمر نزع الأسلحة بسويسرا عام 1996 أوجب على الدول التى قامت بزرع الألغام بأن تتحمل مسئولية نزع الألغام وتقديم الخرائط الخاصة بها، فى ظل تحديات طبيعية فى تلك المنطقة المفتوحة والتى ساهمت فى صعوبة عملية التطهير ورفع تكلفتها.

لتحول مصر جزءًا من حدائق الشيطان تلك إلى مدينة عالمية تعد درة مدن البحر المتوسط، وتزحف التنمية على الأرض التى تم تطهيرها لتقلل من الفجوة بين ما يتم استيراده من القمح والمتاح من 40% إلى 20% عقب اكتمال مشروع استصلاح 2.2 مليون فدان جنوب الضبعة.

إنها استراتيجية الدولة المصرية التى تستهدف بناء الإنسان وتحقيق متطلباته وتوفير الأمن الغذائى له.

لقد تركت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا حدائق الشيطان حسب وصف «روميل» لها وتخلت عن مسئوليتها تجاهها؛ لتقوم الدولة المصرية بتطهير جزء منها لتحقيق التنمية لشعبها فى ظل صمت من قاموا بزراعة تلك الألغام.

إنها حقوق الإنسان التى تناستها الإدارات الأمريكية المتعاقبة وكذا حكومات الدول الغربية.

(3)

إن ما يحدث من محاولة اجترار الماضى لإعادة إنتاجه أظنه سيكون مشروعًا فاشلاً، بل إن التقليل من قيمة الإنجازات التى تحققها الحكومة، مع إذكاء السلبيات بصورة ملفتة بلا ضوابط تدفع للفوضى، لن ينجح، فالمواطن بات أكثر وعيًا وإدراكًا لما يحدث من حوله والسيطرة على عقله الجمعى للدفع به فى اتجاه يهدم به ما نجح فى تحقيقه لن يحدث.

إن محاولات التشكيك المستمرة من قبل الكتائب الإلكترونية للتنظيم الإرهابى وقوى الشر فى قدرة مصر على مواجهة أزماتها لإحباط المواطن لن يفلح.

لقد حرصت عناصر الإرهابية على نشر الشائعات بأن مصر فى طريقها لإعلان إفلاسها نتيجة سياستها الاقتصادية المتردية.

فى الوقت الذى جاء فيه الرد من المؤسسات الاقتصادية الدولية ليؤكد قدرة الاقتصاد المصرى على النمو، واعتباره من أفضل الاقتصاديات الناشئة قدرة على مواجهة الأزمة العالمية.

إن ما تقوم به عناصر الإعلام المعادى والكتائب الإلكترونية من هجوم على القيادة السياسية خاصة الرئيس، يدل على أن المخطط السابق يعاد إنتاجه من جديد ويستوجب منا جميعًا الانتباه.

لقد حرصت قوى الشر وأبواق الإرهابية على إعادة نشر فيديوهات مفبركة تعود إلى 2011 و 2012 من أجل تشويه الصورة والتشكيك فيما حدث من نجاح.

كما أن انتشار فيديوهات كثيرة بصورة مبالغ فيها تبث من الخارج على صفحات التواصل الاجتماعى للإساءة لمصر وقيادتها السياسية، يؤكد أن محاولات إعادة إنتاج المشهد من جديد لم تتوقف والعمل على هدم الدولة لم يغب عن أذهان قوى الشر.

إن ما يحدث الآن فى المنطقة يستوجب منا جميعًا أن ندرك حجم الخطر، وأن نصطف للحفاظ على الدولة الوطنية والحفاظ على ما تحقق من إنجاز يتطلب منا جميعًا استكماله للخروج من عنق الزجاجة، لتعبر مصر مرحلة من أدق مراحل تاريخها الحديث، ويؤكد شعبها دائمًا أنه الصخرة التى تتحطم عليها أحلام الطامعين فى هذا الوطن.

ستظل الدولة المصرية تحتفظ بثوابتها الراسخة فى سياستها التى انتهجت منهجًا ثابتًا وهو العمل بشرف فى زمن عزّ فيه الشرف، ودعم الدولة الوطنية والعمل على مساعدة الشعوب والحكومات لتحقيق التنمية والسلام والاستقرار وترفض التدخل فى الشئون الداخلية للدول.

أضف تعليق

«المركزي» في مواجهة التحديات

#
مقال رئيس التحرير
محــــــــمد أمين